مواجهة مغربية بربع نهائي كأس "الكاف"    قرعة دوري الأبطال تضع الجيش أمام بيراميدز وبركان في اختبار الهلال    صفحات فنية تتحول إلى منصات لترويج الأعمال الرمضانية مقابل مبالغ مالية    القطب الجنوبي على حافة التحول المناخي وعلماء يدقون ناقوس الخطر    واشنطن وطهران تستأنفان التفاوض .. تصعيد ميداني وضغوط سياسية    "طوري باتشيكو".. الوجه الآخر للتضليل والكراهية    "فيدرالية اليسار" يدعو لتفعيل المحاسبة في الفيضانات الأخيرة ويربط نجاح "الحكم الذاتي" بانفراج سياسي    الكاف تفتح تحقيقاً تأديبياً بعد أحداث مباراة الأهلي والجيش الملكي في دوري الأبطال    مواجهات نارية وترقب جماهيري.. قرعة كأس الكونفدرالية الإفريقية ترسم ملامح الطريق نحو اللقب    مرسيليا يؤكد استمرار بنعطية في منصبه    تهديدات بالقتل تُبقي حكم ديربي إنتر ويوفنتوس داخل منزله    مصاب بمرض نادر.. استقبال الطفل نزار بطل الصمود اليومي بسفارة المغرب بباريس        بورصة البيضاء تستهل التداولات بالأحمر    الرئيس ترامب يحث كييف على التوصل إلى اتفاق سلام مع موسكو "سريعا"    بميزانية تفوق 200 مليار دولار..الصين تطلق خطة شاملة لتطوير صناعة الشاي    حريق سكني في إسبانيا ينتهي بمأساة    المغرب وأذربيجان يوقعان اتفاقية تعاون في مجالي العلوم والتعليم العالي    تنسيقية مناهضة الفساد بمراكش تطالب بفتح تحقيق شامل في برنامج "مراكش الحاضرة المتجددة" وتعلن برنامجا احتجاجيا تصعيديا    بركة: الواردات المائية بحوض سبو فاقت المعدلات الاعتيادية ب163 في المائة    الناظور: استنزاف المخزون السمكي يدق ناقوس الخطر    كونفدراليو طاطا يعتصمون احتجاجا على تنامي طرد حراس الأمن الخاص بالمؤسسات التعليمية    روبيو يُعيد إحياء "صدام الحضارات"    برعاية ترامب.. مجلس السلام يعقد اجتماعه الافتتاحي الخميس المقبل بواشنطن        مداخيل الكازينوهات ورسوم المشروبات ورسم الإقامة تعزز موارد ميزانية جماعة أكادير        مدرسة تضم 15 تلميذاً وثلاثة أساتذة تثير جدلاً حول حكامة التخطيط التربوي في تيزنيت    أجواء باردة ومستقرة في توقعات اليوم الثلاثاء بالمغرب    كيوسك الثلاثاء | الحكومة تطلق خطة شاملة لتأهيل مجازر اللحوم الحمراء بالمغرب    كلينتون تنتقد التستر على ملفات إبستين        القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    مهنيون يتوقعون تراجع أسعار السمك    إنذار رسمي لعضو بمجلس مقاطعة بني مكادة بسبب تدخلات إدارية خارج الإطار القانوني    المغرب التطواني يتوج بلقب بطولة الخريف بعد انتهاء مرحلة الذهاب    وفاة أسطورة "العراب" و"أبوكاليبس ناو" روبرت دوفال عن 95 عاما    تفعيل الرقم 5757 لتلقي شكايات المستهلكين خلال شهر رمضان    الأهلي يحاول الإفلات من العقوبات    بورصة الدار البيضاء تُغلق على ارتفاع    الشباب في قلب القرار السياسي: أي دور في بناء الثقة الديمقراطية؟    ذكريات فى مصر المحروسة وفى مغرب الأنوار مع الراحل عبد الهادي بلخياط    الخزف الفني قيمة حضارية وروحية في المتخيل المغربي    «أمي…نحيب الصامتين» لعلي مفتاح إلى كل المنتحبات في صمت الناقد محمد إدارغة    برمجة رمضانية تجمع بين الروحانية والمعرفة على القناة الثقافية    بين رحمة الميت وكرامة الحي مساطر أقسى من الفاجعة    توقيع اتفاقية شراكة بين كلية الاداب بالجديدة ومؤسسة شعيب الصديقي الدكالي ومختبر المغرب و البلدان المتوسطية للنهوض بتاريخ دكالة    دواء تجريبي جديد يعزز فرص نجاة مريضات سرطان المبيض    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    حجية السنة النبوية    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"من الوهابية إلى الإسلام" .. لشهب: هذه علاقة أسرتي بالتدين السلفي (الحلقة الخامسة)
نشر في العمق المغربي يوم 23 - 05 - 2018

ضمن هذا الشهر الكريم، نعرض عليكم متابعي جريدة "العمق" سلسلة جديدة مع الكاتب خالد لشهب. يروي فيها تجربته من "اعتناق" مذهب بن عبد الوهاب إلى مخاض الخروج إلى رحابة الإسلام، بما يبشر به من قيم الجمال والتسامح والرحمة …
السلسلة هي في الأصل مشروع كتاب عنونه مؤلفه ب «من الوهابية إلى الإسلام»، حيث يُحاول من خلال عرض تجربته بأسلوب يزاوج بين السرد والاسترجاع والنقد.
جريدة "العمق" ستعرض طيلة هذا الشهر الفضيل، الكتاب منجما في حلقات، يحاول من خلالها الكاتب نثر الإشارات التي قد تكون دافعا ووازعا لكثير من الشباب للخروج من ظلمة الوهابية إلى رحابة الإسلام عملا وظنا.
الحلقة الخامسة: الأسرة
ولدت في أسرة شبه متعلمة، ورغم أن أبي وأمي لم يكن يربطهم شيء بالتعلم لا من قريب ولا من بعيد، كما هو الشأن بالنسبة لأغلبية الجيل الأول الذي قدم للدار البيضاء من البوادي والمداشر القريبة والبعيدة، فإني فتحت عيني على الكتب والمصنفات الكبيرة. فأخي الأكبر كان مولعا بشراء الكتب والمجلات القادمة من الشرق، والتي كانت في غالبها بمحتويات ثقافية دينية أو من مصنفات الحنابلة المتقدمين والمتأخرين.
كانت الكتب بالنسبة لي شيئا مألوفا. كانت صيحات شيوخ الوهابية وقارئيهم تحدث في نفسي رهبة ورغبة في الانتقال إلى الدار الآخرة. ورغم أني في هذا السن لم أتدين بشكل كلي لأسباب ما ذكرت وما سيأتي، فإن سلوكات حتى وأنا غلام يافع كثير الشغب كانت محكومة ببعض من مقولات الدين، فقد كان مثلا مألوفا أننا عندما نصطاد العصافير نفصل رؤوسها عن جسدها بقوة الجذب بوضع رأس العصفور بين أصبعي الخنصر والسبابة. ثم لما علمت أن هذا الأمر لا يجوز شرعا ألزمت رفيقي بالذبح بديلا عن الفصل.
وهكذا بدأت سلوكياتي المشاغبة تتبرر بالدين، فالخمج والعفن وكل أصناف الميكروبات القاتلة التي تحتويها الفاكهة والأطعمة الملوثة التي تتخلص منها المدينة وترميها للضواحي كانت بالنسبة لنا لا حرج ولا مرض في أكلها، ما دام أن ذكر الله قبل التهامها كافيا للوقاية من كل الشرور تحت قاعدة: "باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء".
كان أبي وأمي كما هي عادة أهل البادية يكرهون التدين على الطريقة السلفية الوهابية، كانت أمي تكرههم بشدة حتى تقع الصراعات الشديدة مع أخي المتدين حديثا على مذهب ابن عبد الوهاب. وهي إلى اليوم تحب أن تمارس حياتها الشخصية دون أن يتدخل أحد فيها، كانت تكره الوصاية، وكانت تحب "المعقول" وتسمي كل خطيئة "قلت الدين".
وحتى وهي اليوم تداوم على الذكر والصلاة فإنها لم تستطع أن تتخلص من شعورها المشمئز من أصحاب اللحية والخمار الذين تصفهم بالمنافقين وأهل المظاهر الخداعة. كانت تقول لي دائما: "الله غيشوفك آش درتي ماشي آش لبستي ... الإيمان في الفعايل ماشي في الشطايط"، لكن هذا لم يمنعها من الثناء على بعض الملتحين، وإن كان هذا نادرا ما يقع…
لم يكن أبي أقل منها تطرفا في النظر لأصحاب اللحى، فقد كان يمارس حياته الشخصية بكامل الحرية، وحتى أخي الذي كانت تغلبه الحماسة فيجرؤ على مجادلة أمي ظنونها، فإنه مع أبي الذي كان يمارس دكتاتوريته على البيت لم يكن ينبس بحضرته ببنت شفة. فقد كان يحلق لحيته ويعفو عن شاربه، يستمع للموسيقى على أوتار الأطلس، يدخن نبتة الكيف ويقصص بكل أريحية، ولن تحس منه مطلقا أي انحياز لأصحاب اللحى. وحتى وهو الآن في السبعين لم تفته صلاة الفجر في المسجد لما يزيد عن العقدين وانقطاعه عن تدخين الكيف فإنه شعوره اتجاه أصحاب اللحى لم يتغير ويعتبرهم خارجين عن القانون.
ويرجع السبب في سلوك أبي وأمي هذا المسلك إلى أن أهل البدو عموما يخالجهم هذا الشعور اتجاه أصحاب اللحى ويتوجسون منهم باستمرار، فهم من جهة يصنفونهم مناوئين لسلطة المخزن، ومن جهة ثانية فقد ساءت العلاقة يوم تهجمت الوهابية على أضرحتهم وساداتهم وموروثهم الصوفي في الحملات الأولى للغزو الوهابي..
كان أخي الذي اعتنق مذهب ابن عبد الوهاب غالبا ما يدخل في صراعات لا تنتهي يريد أن يفرض وصايته على البيت، كما هي عادة كل الوهابيين . ورغم أن أمي كانت تقف له بالمرصاد في كل مرة إلا أن حماسة الأخ الأكبر كانت قد امتد تأثيرها على الأسرة. فأنا لا أذكر يوما أني دخلت البيت وقد تعالت منه أصوات الموسيقى ماعدا في غرفة أبي المنعزلة التي يخصصها لتدخين الكيف بعيدا عنا.
وحتى الموسيقى التي تصدر من التلفاز كنا مضطرين لخفض صوتها في كل مرة، فالموسيقى فقط نسمعها في الشارع في الجلسات الخمرية التي يقيمها الماجنون في "راس الدرب" أو في قاعات الملاهي. لقد أصبحنا نحمل شعورا مفاده أن الموسيقى رجس من عمل الشيطان. لقد عانت أمي كثيرا من مضايقات أخي الأكبر مما دفعها للتخلص منه بإنشاء له بيتا مستقلا في الجوار وارتحنا من وصايته نسبيا.
لقد كدنا ننفلت من الوهابية لولا أن العداوة انتقلت إلى أخي الذي بعده ليزيد هذا التيار في الامتداد، ثم اعتنقته أنا بعد حين وامتد للبقية، لكن أمي بقيت صامدة رغم أنها حاولت التطبيع مع الوضع المفروض. وأبي إلى اليوم عندما يتحدث عن الملك لا يذكره باسمه كما نفعل نحن، ولكنه يسميه "سيدي محمد" ومرة مرة ينغم إحساسه بالوترة الأطلسية في قصة عشق لا تنتهي.
ولا أخفي القارئ الكريم سرا، وهو أني إلى اليوم وقد قطعت لما يقرب من العقد ونصف العقد في نقد الوهابية ولم يعد يربطني بها شيء لا من قريب أو بعيد إلا أني لا أستطيع أن أستمع للموسيقى بصوت مرتفع في بيت الأسرة، هذا رغم أن أخي الأكبر قد خرج من مذهب ابن عبد الوهاب إلى مذهب المالكية ويعيش حياته مثل أي مسلم محافظ.
لقد دفعني هذا الشعور إلى أن أتخذ على نفسي عهدا، وهو أنه مما سأعلمه أبنائي هو أن الموسيقى لا يصح مطلقا أن ندخلها في جدل الجواز من عدمه لأنها حتما من الطيبات التي لا تستشعرها إلا النفوس المظلمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.