ساحة باب البحر بمدينة العرائش، بما تحمله من رمزية تاريخية وجمالية مرتبطة بالبحر والمدينة العتيقة، تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق ومعاناة يومية لساكنة الأحياء المجاورة، هذه الساحة التي كان من المفترض أن تكون متنفسا للهدوء والسكينة، صارت وجهة أساسية لمواكب الأعراس التي تتقاطر إليها بشكل يومي خلال فصل الصيف، لتتحول ليالي المنطقة إلى جحيم من الضوضاء والضجيج المتواصل. وتشتكي الساكنة من أن الأعراس التي لم تعد تكتفي بالاحتفال داخل القاعات المخصصة لذلك، بل صارت في ساعات متأخرة من الليل تمتد إلى الكورنيش وساحة باب البحر، حيث يصر أصحاب الزيجات على التقاط صور وفيديوهات توثيقية أمام المجسم الجديد الذي يحمل عبارة "I Love Larache"، غير آبهين بما يسبب ذلك من إزعاج للنيام الذي ينتظرهم باكرا يوم شاق في العمل، خصوصا وأن هذه الطقوس لا تمر في هدوء، إذ ترافقها مواكب من السيارات التي تطلق أبواقها بلا توقف، ومفرقعات وشهب نارية قوية تحدث دويا مرعبا داخل الأزقة والبيوت، إضافة إلى استعراضات صاخبة بالدراجات النارية والسيارات على وقع الموسيقى المرتفعة والزغاريد.
وفي شكاية موجهة إلى عامل إقليمالعرائش وباقي السلطات، وقعها أزيد من 400 متضرر، توصلت "العلم" بنسخة منها، عبّر السكان عن استيائهم العميق مما وصفوه بالمعاناة اليومية التي تنسف راحتهم وتهدد صحتهم، مؤكدين أن هذه السلوكيات غير المسؤولة تحرمهم من النوم الطبيعي وتؤدي إلى إرهاق جسدي ونفسي، ويعود ذلك بشكل سلبي على حياتهم العملية والعائلية.
وأوضحت الشكاية، أن الخطر لا يتوقف عند فقدان الراحة الليلية، بل يتعداه إلى نشر حالة من الرعب والقلق في نفوس الأطفال، وتفاقم معاناة المرضى وكبار السن والنساء الحوامل، الذين يتأثرون أكثر بضجيج المفرقعات والصخب المتكرر في ساعات يفترض أن تكون مخصصة للنوم.
واعتبرت الساكنة أن ما يحدث لا يدخل في نطاق الأعراس العادية، بل صار نوعا من "التحدي" بين مواكب الأعراس القادمة من داخل المدينة وخارجها، إذ يتنافس أصحابها على إطلاق أكبر عدد من المفرقعات وتوثيق المشاهد الأكثر صخبا من أجل نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي وحصد الإعجابات، في استهتار كامل بحقوق السكان المجاورين، معتبرين أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد ممارسات فردية، بل تحولت إلى عادة مقلقة تهدد السكينة العامة وتستدعي تدخلا عاجلا.
وفي عريضتهم المرفقة بالشكاية، طالب المتضررون السلطات المحلية بعدد من الحلول العملية التي من شأنها إنهاء هذه الفوضى الليلية، ومن أبرز هذه الحلول المنع الكلي لاستعمال المفرقعات والشماريخ في ساحة باب البحر والكورنيش، والحجز على الدراجات النارية التي تستعمل في الاستعراضات المزعجة ليلا، إضافة إلى تعزيز التجاوب مع تبليغات الساكنة عبر الرقم 19 من خلال تدخل أمني فوري لردع المخالفين في عين المكان، كما اقترحوا تخصيص دورية شرطة ثابتة بعين المكان خلال الفترة ما بين الثالثة والسادسة صباحا، وهي الساعات التي تشهد عادة ذروة قدوم مواكب الأعراس من القاعات نحو الكورنيش.
وشدد السكان على أن مشكلتهم ليست مع الأعراس نفسها ولا مع قاعات الأفراح، بل مع الممارسات التي تلي انتهاء الحفلات حين تتحول ساحة باب البحر إلى مسرح مفتوح للفوضى، حيث تختلط أصوات المفرقعات بزمامير السيارات وصخب الموسيقى، في مشهد يتكرر يوميا إلى حد الإرهاق.
ورغم تسجيل بعض الانخفاض الطفيف في حدة الظاهرة خلال الأسبوع الأخير، فإن آخر حادث إطلاق مفرقعات كان في حدود الرابعة والنصف فجرا قبل أربعة أيام فقط، ما يؤكد استمرار المشكلة دون حل جذري.
وفي الوقت الذي تعيش فيه العرائش على إيقاع مهرجانات وأنشطة ثقافية وفنية تستقطب الزوار وتعزز صورة المدينة كوجهة سياحية، يجد سكان الأحياء القريبة من باب البحر أنفسهم في مواجهة صاخبة مع واقع يفرض عليهم السهر القسري وحرمانهم من أبسط حقوقهم، وهو الحق في النوم والراحة، وهو ما جعلهم يؤكدون في شكايتهم أن الحرية في الاحتفال يجب ألا تتجاوز حدود القانون وألا تتحول إلى تعد صارخ على حقوق الآخرين.
وأنهت الساكنة شكايتها بالتأكيد على أن تدخل السلطات ليس مجرد مطلب اجتماعي بل واجب قانوني لحماية السكينة العامة، وأن استمرار الوضع على ما هو عليه لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والتوتر، في مدينة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التوازن بين مظاهر الفرح الفردي وحق الجماعة في الطمأنينة.