كان مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991 احتفالا بالموقع العالمي الجديد لأمريكا كقوة عظمى وحيدة، حيث وجهت الدعوة لعدد كبير من البلدان بلغ 24 دولة، وفي الوقت الذي اعتقدت فيه إيران أن فرصتها قد أزفت للقبول بها قوة إقليمية وإشراكها في صنع القرار في الشرق الأوسط قضت واشطن على آمالها برفضها توجيه الدعوة إليها. هذا ما ذهب إليه الباحث الأمريكي-السويدي ذو الأصول الإيرانية تريتا بارسي في كتابه "التحالف الغادر.. المعاملات السرية بين إسرائيل وإيرانوأمريكا"، الصادر سنة 2007، حيث يقول إن واشنطن أخفقت من عدة وجوه في تقدير براغماتية إيران التي كان ينظر إليها على أنها بعيدة الصلة عن الصراع ونفوذها في أوساط الفلسطينيين عديم الفائدة وكانت هذه وجهة إيران كذلك، لكن في غضون بضع سنين ألقت إسرائيل وأمريكا باللوم في فشل العلمية السلمية على تأثير إيران في الفلسطينيين. خشيت أمريكا أن تفسد إيران المؤتمر في حالة دعوتها إليه لكنها لم تأخذ في الحسبان قدرتها على لعب دور مخرب في حال تهميشها، ففي ظل النظام الأحادي القطبية لم ترى واشنطن ببساطة في إيران قوة يحسب لها حساب فقد بلغت ثقة أمريكا بنفسها حد العجرفة. كان الامتناع عن توجيه دعوة لحضور مؤتمر مدريد الضربة الأخيرة التي قضت على سياسة الانفتاح الدولي التي انتهجها رفسنجاني مع واشنطن، فقد تملك إيران شعور بكون التعديلات التي أدخلتها على سياساتها لم تنل اعتراف إدارة بوش الأب وتقديرها. فقد نظر الإيرانيون إلى الاستبعاد بكونه إهانة لهم. استنتجت طهران بعد اقتناعها بأن واشنطن لن تمنحها دورها المشروع في المنطقة بأنه لم يعد أمامها خيار سوى جعل تجاهل أمريكا لها مكلفا بقدر الإمكان عن طريق تخريب سياساتها. كانت القضية الفلسطينية واحدة من الميادين القليلة التي يمكن لإيران فيها إضعاف أمريكا. ما إن اتضح لها أنها لن تحظ بدعوة لحضور مؤتمر مدريد حتى أعطى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي الضوء الأخضر للتحضير لتنظيم مؤتمر يعارض مؤتمر مدريد، فكان ذلك بمثابة نقطة تحول لأن إيران بدأت للمرة الأولى بمد اليد بطريقة جدية للجماعات الفلسطينية الرافضة رغم الانقسام الشيعي السني. رفعت إيران حدة خطابها المعادي لإسرائيل واتهمت الحكومات العربية الداعمة لعملية السلام بالخيانة واستخدمت ورقة الشارع العربي لإضعاف الحكومات العربية الموالية للغرب، لكنها التزمت بالامتناع عن مواجهة إسرائيل سواء بالطرق التقليدية أو باستخدام الإرهاب. بحلول صيف 1993 وصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى شفير الانهيار، فقد أخفقت في ترجمة مكاسبها التكتيكية التي جنتها من الانتفاضة إلى رأسمال سياسي على المسرح الدولي، ومع توقف الدعم المالي أوشكت على الإفلاس، وفي لحظة يأس اضطرت المنظمة إلى إبرام صفقة مع إسرائيل. كان حزب العمل الإسرائيلي يرى أن إنقاذ منظمة التحرير الضعيفة خير من تدميرها بالنسبة لإسرائيل. كانت المنظمة قد بدأت تفقد رصيدها في الضفة العربية وقطاع غزة وبدأت جماعات مثل حماس والجهاد الإسلامي بملء الفراغ، ومن السخرية أن إسرائيل كانت مهتمة بقوة حماس عند بدء الانتفاضة لإضعاف منظمة التحرير. كان الخيار واضحا: إبرام صفقة مع منظمة التحرير الضعيفة الآن أو قتال حماس القوية مستقبلا. كان ذلك تحولا غير مسبوق في النظرة الجيوسياسية لإسرائيل وتناقضا كليا مع جوهر استراتيجية "عقيدة المحيط" منذ أيام بن غوريون. كان ذلك المسمار الأخير في نعش عقيدة المحيط فقد بات المحيط الفارسي هو الذي يمكن أن يشكل الآن خطرا على الدولة اليهودية وليس الجوار العربي.