ذ.سعيد رحم في صورة التقطت قبل أشهر من الانتخابات التشريعية، خلال مراسيم عيد الفطر بساحة الاستقبال المتعددة الخدمات بتيزنيت، لم يكن المشهد عابرا كما قد يبدو للوهلة الأولى، أو كأنه لقطة سينمائية ممهورة بعبارة "أي تشابه في الوجوه والأسماء و الأحداث فهو من قبيل الصدفة". بل حمل في طياته رسائل بليغة، رسمت ملامح خريطة غير مكتوبة للاصطفافات السياسية والسيناريوهات المتوقعة. فقد جمعت الصورة بين عبد الجبار القسطلاني (المحسوب على حزب العدالة والتنمية) ولحسن الباز (رجل الأعمال الاستقلالي)، وهما جالسان في الصفوف الأمامية إلى جانب الوفد الرسمي مع عامل الإقليم، في ترتيب بروتوكولي دقيق لا يخضع للمصادفة، بل لمنطق "المخزن" الذي لا يلعب النرد، بل يدبر الطقوس بحسابات مدروسة. ففي ثقافة المخزن، كما هو معروف في سيميائيات السياسة المغربية، لا وجود للعشوائية، وكل شيء بمقدار وباحداثياته.. فالمكان في الصف الأول، قرب السلطة المحلية، يعد إعلانا عن الأهمية والتقدير في الطقوس الرسمية، وهو ما يتحول في زمن الانتخابات إلى رسالة مباشرة لكل الفاعلين والمواطنين. سيميائيا، تحيل الصورة إلى ما يتجاوز حضور مواطنين بزي تقليدي في طقوس العيد، إنه خطاب بصري مكثف يفيد بأن لهذين الرجلين حظوة، وأنهما يلتقيان في نقطة محورية هي الاعتراف الرسمي بهما، أو احتضانهما في كنف السلطة. فالمخزن، الذي يتقن فن الإشارات، لا يوزع المقاعد الأمامية اعتباطا، بل يمنحها في هذه الحالة والسياق السياسي لمن يطمئن لمشاركته في الإيقاع الانتخابي، أو لمن يرغب أن يمن عليه برسالة توصية إلى "الآلات الانتخابية" حول من يستحق الدعم المادي والرمزي في السباق نحو الصناديق. حين يجلس القسطلاني والباز جنبا إلى جنب مع ممثلي السلطة، يتشكل مشهد واضح السلطة (العامل)، والرجلان، في مشهد يوحي بتوافق على قواعد ما.. وفي الوقت نفسه، يحضر عبد الله غازي بصفته المؤسساتية (رئيس الجماعة وبرلماني)، مما يعزز موقعه ك"عداء كيني" في سباق الاستحقاقات المقبلة، و الذي يوجد في مركز الصورة والحسابات.. وهنا يبرز سؤال ملح، لماذا يغيب باقي الفاعلين السياسيين المحليين عن هذه الصفوف الأمامية؟ ومن يضبط هذا البروتوكول بدقة؟ الجواب يكمن في التنظيم الرمزي للسلطة في المغرب، حيث البروتوكول أداة لصنع المعنى وإعادة إنتاج التسلسل الهرمي غير المكتوب..ففي مناسبة دينية كصلاة العيد، يُفترض أن يحتل الصفوف الأمامية المجلس العلمي أو مسؤولو القطاعات الوزارية والأمنية والعسكرية، في محاكاة رمزية لطقوس أعلى سلطة في البلاد، لكن تخطي هذه الفئات لصالح حضور سياسي بحت يؤكد خضوع المشهد لمنطق آخر، فالصفوف الأمامية لا تُحجز بالصدفة، بل تخضع لرسائل مقصودة إلى الرأي العام والأحزاب الأخرى والى حتى جهات اخرى داخل السلطة نفسها أقل تراتبية.. فلو ادعى مدع أن الأمر مجرد صدفة بروتوكولية، يبقى السؤال، لماذا القسطلاني والباز تحديدا، وليس غيرهما من قيادات محلية لأحزاب الأغلبية أو المعارضة، أو رؤساء سابقين للجماعة، أو برلمانيين سابقين، أو فعاليات المجتمع المدني؟ إن اختيار القسطلاني والباز يشي بأكثر من رسالة، خاصة أنهما لم يكونا يحملان أي صفة رسمية تستدعي هذا التقديم والحضوة الرمزية، ولا هما من "خدام الدولة".. فغياب الغطاء المؤسساتي يجعل جلوسهما في المقدمة أكثر دلالة على أنه هبة ومكرمة في طياتها اعتراف بالوزن النوعي أو بالثقة القبلية، وليس ترجمة بروتوكولية لمنصب رسمي.. واعتراف برغبة ما لتثمين حضورهما في المشهد الانتخابي المقبل..و إعادة التأكيد على استمرارية نفس التقاليد الرسمية في الضبط والتحكم في المشهد، وأن لاشيء ينسل خارج حسابات المخزن.. وفي سيميولوجية أعمق، الجلوس في المقدمة قرب العامل هو بمثابة تعويذة رمزية تمنح شرعية ، وتُفهم على أن لها سحرها وأثرها الخاص على الناخبين والرأي العام ، وبأن هؤلاء هم "الموثوق بهم"… وهذه الطقوس متجذرة في التدبير السياسي المغربي، حيث تُصبح الاحتفالات الرسمية الدينية والوطنية فضاء لإعادة إنتاج الدلالات. في المشهد السياسي والبروتوكول الرسمي، "الظهور لا يقصم الظهور" (كما يقول سادتنا الصوفية)، بل يقويها و يقدم نموذجا حيا على أن السياسة ورسائلها تمارس في تفاصيل الطقوس، حيث تتحول اللحظات الاحتفالية إلى ساحات لصنع المعنى. والمخزن، الذي لا يلعب النرد قطعا، يظل أمهر من يوظف هذه الرموز وفق تقاليد تتأرجح بين حظوة القرب وقسوة الإبعاد…بين التكريم والتتريك!. تذكروا هذه الصورة في أفق الانتخابات المقبلة، وانتبهوا لموقع السلطة في الزمن الانتخابي.. فالمشهد برمته لعبة ، فيها أبطال وكومبارس ومخرج.. ومهمة المواطن والفاعل المدني والاعلامي هي قراءة المشهد، بل وحتى إفساد الحفلات التنكرية إن أمكن ( بوصايا بورديو)، ولا ضرر في ذلك.. فذلك جزء من الفرجة ، والفرجة مما يمنح الانتخابات المعنى والحيوية ويعزز في فرص المشاركة ويحرض عليها.. فرجة ممتعة!