هزت حادثة وفاة تلميذة داخل مؤسسة تعليمية يوم الثلاثاء 3 مارس 2026 بمدينة تمارة المشهد الوطني، تاركة وراءها ليس فقط الصدمة والحزن، بل سلسلة من الأسئلة الجوهرية. لقد تجاوزت الواقعة كونها حادثاً مؤلما، لتصبح مرآة تعكس عطبا عميقاً في علاقتنا بأطفالنا. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: هل نحن أمام تحول خطير في معاناة أطفالنا، حيث أصبح الصمت مقدمة للانتحار؟
لطالما حذرت الكتابات المتخصصة، ومن خلال مقالاتنا سابقة، من ظاهرة "الانتحار الصامت" لدى الأطفال والمراهقين، تلك الظاهرة التي تتغذى في الظل، بعيدا عن الأضواء، في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتعقد فيه الضغوطات النفسية على الأطفال و المراهقين. لغز انتحار الاطفال، بين الضعف العصبي المعرفي وضغوطات الحياة اليومية. لم يعد مقبولا اليوم أن نختزل حزن الطفل في نوبة غضب عابرة، أو اعتبار رغبته في الانطواء عن نفسه مجرد "خجل" او شيء من هذا القبيل. فالطفل الذي يصل إلى مرحلة التفكير في إنهاء حياته هو ضحية تراكمات نفسية واجتماعية معقدة.
من منظور علم الأعصاب، نعلم أن دماغ الطفل وخاصة القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن التحكم في الانفعالات واتخاذ القرارات العقلانية، تكون في طور النمو لدى الطفل والمراهق. هذا ما يجعله أسيرا لانفعالاته، غير قادر على تدبير الصعوبات أو استشراف مستقبل أفضل أو رؤية بديلة لألمه. فتتراكم في نفسية الطفل عوامل متعددة و متشابكة: توقعات أسرية لا ترحم، تحول المدرسة إلى ميدان معركة لا فضاء للتعلم. تنمر الزملاء داخل الفصل، أو خارجه أو عبر فضاءات إلكترونية. رغم الاتصال الدائم بالعالم الافتراضي، يعيش الطفل فراغا عاطفياً، حيث حلت الشاشات محل التواصل و الحوار الأسري. غياب الحوار كمساحة آمنة للإفصاح عن المشاعر دون خوف من التوبيخ أو العقاب.
المدرسة والأسرة، شركاء في المسؤولية: حادثة تمارة ليست ملفاً يُغلق بالتحقيقات، بل هي اختبار لوعي المجتمع بأكمله. إن مسؤولية حماية الأطفال من الانهيار النفسي هي شبكة أمان مشتركة، أطرافها متعددة: 1. الأسرة. التي تحتاج إلى مراجعة علاقتها بأبنائها، والانتقال من منطق "التربية بالأوامر" إلى منطق "الإصغاء والاحتواء". 2. المدرسة. التي لم تعد مجرد فضاء لتلقين المعرفة. عليها اليوم أن تكون حاضنة نفسية، تدمج التربية العاطفية في مناهجها، وتوفر دعماً نفسياً متاحاً، وتدرب أساتذتها على قراءة مؤشرات الخطر المبكرة لدى التلاميذ. 3.المجتمع والإعلام عبر تفكيك ثقافة الوصم بالعار المرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع على اللجوء إلى المختصين.
لابد إذن من الوقاية من هذه الظاهرة الخطيرة والمعقدة . وذلك من خلال وضع استراتيجية وطنية للوقاية وإعادة الاعتبار للنفس البشرية. لأن ما نحن بصدده اليوم ليس مجرد تحد تربوي، بل هو تحد مجتمعي و حضاري ومواجهة هذه الظاهرة تستدعي رؤية وقائية شاملة تقوم على رؤية وأسس واضحة: 1. التربية العاطفية، من خلال تعليم الطفل كيفية التعرف على مشاعره وتسميتها، وكيفية طلب المساعدة عندما يشعر بالقلق والخوف. 2. تعزيز الصحة النفسية بالمؤسسات التعليمية، وجعل "مستشار الصحة النفسية" ركناً أساسياً في المؤسسة التعليمية. 3. محاربة التنمر داخل المدارس وخارجها من خلال برامج واضحة تتجاوز التوعية إلى آليات مضبوطة للإبلاغ والتدخل الفوري. 4. تأهيل المدرسين وتدريبهم على اكتشاف العلامات التحذيرية (الانسحاب المفاجئ، تدهور التحصيل، الحديث عن الموت …)، والتعامل معها بحساسية ومعرفة.
باختصار، مأساة تمارة ليست رقمًا أضيف إلى أرقام، بل قصة طفلة فقدت الامان والأمل في أكثر الأماكن التي من المفروض أن تؤمن لها حياتها ومستقبلها؛ المدرسة والأسرة. إن صرخة الأطفال اليوم ليست صرخة تمرد، بل هي صرخة ألمٍ صامت. فإما أن نصغي إليها قبل فوات الأوان، وإلا سيتحول الألم إلى لغةٍ قاسية لا يمكن تداركها.
بقلم: د. حسن الشطيبي باحث في علوم الأعصاب والصحة النفسية