العرائش أنفو في زمن الحروب الحديثة، لم يعد السؤال هو: من يَقْصِفُ مَنْ؟ بل: من يُعَرِّف القصف؟ من يمنحه اسمه ومعناه وشرعيته؟ هنا في هذه المنطقة الرمادية بين الحدث وسرده، يولد أخطر أشكال السلطة: سلطة إعادة هندسة الوعي. لأن ما نشهده من تغطية إعلامية للعدوان الصهيوأمريكي على إيرانولبنان، خاصة من قبل بعض القنوات الأكثر انتشارا ومشاهدة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ليس مجرد انحياز، بل هو اشتغال ممنهج على تفكيك الإدراك وإعادة تركيبه. الإعلام هنا لا يخطئ بل يُنتج ما يمكن تسميته "خطأً وظيفيًا" يخدم بنية القوة. إنه لا ينقل الواقع، بل يعيد صياغته ضمن قوالب تجعل العنف مقبولًا، بل وأحيانًا ضروريًا، وحتى موازين هذه القوة موجهة رغم أنف الواقع. إذن كيف يوظف الإعلام اللغة من أجل هندسة الوعي؟ بالإضافة الى أزيز الطائرات ودوي الانفجارات هنا وهناك، تندلع حرب إعلامية موازية، وفي قلب هذه العملية تقبع اللغة، فالكلمات الموظفة من قبل المراسلين والمحليين ليست بريئة، بل هي حوامل أيديولوجية مشحونة. حين يُقال "ضربة استباقية"، يتم اختزال زمن كامل من الاعتداء في لحظة دفاع. وحين تُسمى جثث الشهداء (القتلى) مجرد "أضرارًا جانبية"، يُمحى الإنسان من المعادلة، ويُستبدل بمعادلة تقنية باردة. هذا ما يكشفه تحليل الخطاب المعاصر، حيث تتحول اللغة إلى أداة لإنتاج واقع بديل. وهو ما يتوافق مع ما أشار إليه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، بقوله "الحقيقة ليست معطى، بل تُصنع داخل شبكات السلطة". والإعلام هو أحد أهم معامل هذه الصناعة. في هذا السياق، يصبح الإعلام جهازًا لإنتاج "القبول" فلم يعد المطلوب إقناعك بالحرب كضربة استباقية ضرورية مثلا تسويق أن إيران كانت على بعد أسبوع من صناعة القنبلة النووية وبالتالي فإن هذه الحرب خيار لا بديل عنه بل جعلك تتعايش معها كأمر طبيعي. هنا نستحضر فكرة الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي حول مفهوم "صناعة القبول"، حيث تُضبط حدود التفكير العام، بالشكل الذي لا يسمح بخروج النقاش عن الإطار المسموح به، كما لا يُمنعُ السُؤال، بل يُعاد توجيهه، فعوض التساؤل لماذا يُقصف المَدَنِيون وتهدم البنية التحية من مدارس ومستشفيات وخزانات الماء والطاقة مثلا؟ يصبح السؤال: هل كانت الضربة فعّالة؟. بهذا التحول، يتم نزع الطابع الأخلاقي عن الحدث، وتحويله إلى مسألة تقنية أو استراتيجية لا غير، كما أن الحرب الاعلامية تروم إعادة تعريف الإنسان/الضحية أكثر من تبرير العنف، فيُختزل الإنسان إلى مجرد رقم، أو يُقدَّم كتهديد كامن، أو يُربط بخطاب أمني يبرر قتله ضمنيًا، في هذه اللحظة، لا يُقتل الجسد فقط، بل يُقتل المعنى، وعندها تصبح المأساة بلا وجه، بلا اسم وبلا قصة، في هذه اللحظة بالضبط تبلغ هندسة الوعي ذروتها، وذلك عندما يتوقف المتلقي عن رؤية الألم كألم. كما أن من أهم وظائف الاعلام ممارسة استراتيجية التشويش، بحيث لم يعد التعتيم هو الأداة الأساسية، بل الإغراق. من خلال بث سيل من الأخبار والتحليلات والصور والتعليقات، بغرض خلق حالة من الإرهاق الإدراكي. في هذه الفوضى، لا يبحث المتلقي عن الحقيقة، بل عن أي سردية مستقرة يتشبث بها، وهكذا لا تُفْرَضُ الرواية بالقوة، بل تُقْبَل لأنها الأكثر وضوحًا وسط الضباب. ها هنا يتحول الإعلام إلى جبهة قتال، لأنه في الحروب القديمة كان الاعلام مرافقا وموثقا للمعارك، لكن الآن في الحروب المعاصرة صار جبهة قائمة بذاتها، وبالتالي لم يعد الهدف هو السيطرة على الأرض بل السيطرة أيضا على معنى الحدث وتفسيره وحتى توجيه موقعك الأخلاقي منه. ببساطة إنها حرب على الوعي، حيث يُعاد تشكيل الإدراك الجماعي بما يخدم موازين القوة. والمفارقة الكبرى في الخطاب الإعلامي تكمن في كونه لا يبرر العنف بشكل مباشر، بل يُغلِّفُه بلغة أخلاقية عبر إشاعة مفاهيم من قبيل "الدفاع عن النفس" أو "محاربة التهديد" كما قلنا سابقا مع إيران وقبلها قُدِّمت نفس الأسطوانة من أجل تبرير غزو العراق من خلال الادعاء بامتلاك نظام صدام حسين للأسلحة الكيماوية، أو "حماية الأمن الداخلي" وغيرها من السرديات، بهذا لا يُقدَّم العنف كضرورة فقط، بل كواجب أخلاقي. وبذلك يتحقق الانقلاب لدرجة يصبح الاعتراض على الحرب نوعًا من الشذوذ، وحتى خيانة للوطن لا موقفًا أخلاقيًا. إذن كيف السبيل لتشكيل وعي مقاوم؟ يجب أن نعلم أن هذه المنظومة الاعلامية رغم ما تبدو عليه من قوة، إلا أنها ليست مطلقة، بل بالإمكان هزيمتها ومقاومتها. وذلك يجب أن يبدأ من لحظة الشك، الشك في اللغة، الشك في الإطار، والشك في كل ما يُعْرَض وما يُخْفَى، لأن الوعي النقدي لا يعني امتلاك الحقيقة، بل إدراك أن ما يُقدَّم كحقيقة هو غالبًا نتيجة صراع مصالح. إذن المعركة الحقيقية ليست فقط في فلسطينالمحتلة أو في سماء لبنان أو أرض إيران، بل في وعي المتلقي نفسه، فحين يُعاد تشكيل الإدراك، يصبح الإنسان شريكًا في إعادة إنتاج ما يُمارَس ضده أو باسمِه. السؤال في هذه الحالة لم يعد من يربح الحرب؟ بل من يَنْجَحُ في تعريفها؟ لأن من يملك تعريف الحرب، يملك نتائجها، حتى قبل أن تنتهي. شفيق العبودي