ثمة ظاهرة باتت تتكرر بصورة لافتة في المشهد السياسي المغربي الراهن، وتستحق أن تُستحضر بكل وضوح وجرأة على طاولة النقاش العام؛ لا لأنها تُمثل خطراً وجودياً على مؤسسات الدولة أو على التوازنات الكبرى للمشهد السياسي، بل لأنها تنخر بصمت مريب في جدار الثقة التي يُفترض أن تربط المواطن بالفاعل السياسي، وتنال من مصداقية العمل الحزبي برمته. إنها ظاهرة التدليس والتضليل المنظَّمَيْن، اللذين لا يصدران في معظم الأحيان عن خصم صريح يجاهر بموقفه ويُعلن انتماءه المضاد، بل يصدران في المقام الأول عمن كانوا بالأمس القريب يجلسون على مقاعد الاجتماعات الداخلية، ويحتسون قهوة النضال ذاتها، ويُرددون الشعارات نفسها. ولا بد قبل الخوض في صميم هذه الظاهرة من تحديد مفاهيمي دقيق، لأن الخلط بين التدليس والكذب العادي يُضيّع علينا عمق المسألة ويختزل الظاهرة في أبسط تجلياتها. فالكذب السياسي العادي ظاهرة قديمة قِدَم السياسة ذاتها، رصدها الفلاسفة منذ ميكيافيلي وما قبله. أما التدليس السياسي فهو بنية أكثر تعقيداً وأشد خطورة، لأنه لا يعتمد بالضرورة على المعلومة الكاذبة الصريحة، بل يشتغل في الغالب على انتقاء تعسفي للوقائع يستحضر حقائق جزئية مع إسدال ستار الصمت على سياقها الكامل، فيُنتج في نهاية المطاف صورة مُشوَّهة تبدو في ظاهرها موضوعية لكنها في جوهرها تزوير ممنهج. يُضاف إلى ذلك إعادة تشكيل المعلومة الصحيحة داخل إطار تفسيري مبتور يُغيّر دلالتها جذرياً ويُوظفها لخدمة أجندة معلومة مسبقاً، فضلاً عن توظيف التوقيت المُحكم الذي يُدرك فيه المدلِّس الماهر أن للمعلومة عمراً زمنياً وسياقاً يُطلقها فيه في اللحظة التي يكون تأثيرها فيها أشد وطأة، بعيداً عن أي إمكانية للتصحيح أو الرد المتوازن. وهذا التركيب المُحكم يجعل من التدليس السياسي فعلاً حسابياً واعياً، لا مجرد ارتجال انفعالي، وهذا بالضبط ما يجعل مقاربته تستلزم قراءة نفسية قبل أن تكون قراءة سياسية. ولا يُجادل عاقل في أن المشهد السياسي المغربي يعيش مرحلة من إعادة التشكيل والتموضع، تتقاطع فيها ضغوط اجتماعية متصاعدة مع إصلاحات مؤسسية حقيقية، وتلتقي فيها أجيال جديدة لم تتشبع بثقافة الفعل الحزبي الكلاسيكي مع رموز تشكّلت في مدارس نضالية مختلفة. وفي هذه الحقبة المائلة بالتناقضات، تجد ظاهرة التدليس السياسي تربة خصبة للنمو والانتشار، خاصة حين تتكاثف مع ظاهرة مجاورة لها صلة وثيقة بموضوعنا، وهي ظاهرة الخروج المأجور عن الجسم الحزبي. إذ باتت الأحزاب المغربية العريقة التي خاضت النضالات الكبرى وتحملت عبء المعارضة في مراحل كان ذلك يكلف ثمناً حقيقياً، تعيش في السنوات الأخيرة نمطاً مكرراً من المشاهد؛ شخصية سياسية احتضنها الحزب لسنوات وأتاح لها منابره ودوائره الانتخابية وساندها في محطات عسيرة، تُقرر فجأة أن الطريق قد ضاقت أو أن الإصلاح من الداخل أصبح متعذراً، فتغادر بصخب مدروس وتتحول في ظرف وجيز إلى مصدر لا ينضب من الاتهامات والكشوفات المتسقة مع أجندة الجهة التي ارتمت في أحضانها. والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح هنا بكل صراحة ليس لماذا يغادر الأفراد الأحزاب، فالمغادرة حق مشروع وممارسة ديمقراطية طبيعية لا غبار عليها. السؤال الحقيقي هو لماذا يتحول الخروج في بعض الحالات إلى حرب دعائية تعتمد بالضبط الأدوات ذاتها التي كان هؤلاء يُدينونها حين كانوا داخل الحزب، بل يتصدرون أحياناً المدافعين عنه؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يستدعي الموضوع الاستعانة بعلم النفس السياسي لفهم ما يجري في عمق هذا السلوك. فأول ما يطالعنا في هذا الحقل هو ما يمكن تسميته ب"ضرورة مبرر الخروج"، إذ يجد الإنسان الذي يُقرر مغادرة بيئة نضالية أمضى فيها جزءاً من حياته نفسَه أمام حاجة نفسية ملحّة لتبرير قراره، ليس أمام الآخرين فحسب بل أمام ذاته أولاً وقبل كل شيء. وهذا التبرير يستلزم بالضرورة بناء رواية متسقة تجعل من مغادرته فعلاً بطولياً لا تكتيكياً، ومن الجسم الذي غادره عبئاً لا رافداً. ولما كانت الحقائق الكاملة متشعبة ومتناقضة ولا تُنتج الصورة الأحادية اللون التي يحتاجها المغادر لتبرير خطوته، فإنه يلجأ لا شعورياً أحياناً وبوعي حاد أحياناً أخرى إلى التدليس كضرورة وجودية لا مفر منها. وإلى جانب هذا الدافع، يبرز في الغالب ما يمكن تسميته ب"عقدة الخائف من الهامش". فكثير ممن يغادرون الهيئات الحزبية العريقة لا يفعلون ذلك بدافع قناعة فكرية جديدة أو رؤية بديلة ناضجة، بل هرباً من شعور متراكم بعدم الاعتراف والهشاشة في التموضع الداخلي. هؤلاء يُدركون في قرارة أنفسهم أن صوتهم لم يكن مسموعاً كما أرادوا، وأن الدوائر التي كانوا يطمحون إليها ظلت موصدة أمامهم. غير أن الاعتراف بهذا الدافع الحقيقي يُشكّل ضرراً نفسياً بالغاً على صورتهم الذاتية، فيُحوّلونه في لا وعيهم إلى موقف مبدئي ونضالي ويُلبسونه لباس الخروج الأخلاقي الرفيع. فوق ذلك كله، ثمة آلية ثالثة لا تقل أهمية عن سابقتيها، وهي "الثمن المدفوع مسبقاً"؛ إذ إن الفاعل السياسي حين يرتمي في أحضان جهة جديدة، سواء أكانت منصة إعلامية أم تياراً سياسياً منافساً، فإن هذه الجهة لا تستقبله مجاناً بل في مقابل "خام" يملكه وحده، هو ما يعرفه عن الداخل وما يستطيع توظيفه في الإساءة إلى المكان الذي جاء منه. وهذا ما يُفسر كيف يجد بعض هؤلاء المغادرين أنفسهم في منطقة لا رجعة، مدفوعين إلى مواصلة الحديث لأن الصمت سيُفقدهم القيمة التبادلية التي اشترتهم بها الجهة الجديدة. ومن منطلق أخلاقي ومنهجي معاً، لا تهمنا في هذا السياق أسماء بعينها بقدر ما تهمنا البنية المتكررة التي يسير وفقها النمط، لأن الظاهرة أهم وأعمق من الأشخاص. وهذا النمط يمر عبر مراحل متتابعة تبدأ بالحصول على المعلومة من الداخل عبر سنوات من الانتماء الفعلي، ثم الخروج بأقصى ما يمكن من الضجيج لأن الهدوء لا يُسوَّق، ثم إعادة تأطير كل ما جرى بعيون "الخارج" بحيث تُصبح المشاركة السابقة إما غير موجودة أو مُعاد تفسيرها كشهادة على الفساد لا كمساهمة في البناء، وتنتهي الدورة بتزويد المنابر المعادية بمادة دسمة تحت مسمى "الشاهد من أهلها". وحين يتكرر هذا النمط لا يبقى في دائرة الحادثة الفردية بل يرتقي إلى مستوى الظاهرة التي تستحق تفكيراً جدياً من كل من يهتم بصحة الحياة السياسية المغربية. وحين نقرأ هذا السلوك من زاوية الفكر السياسي لا من زاوية الأخلاق الشخصية فحسب، يتجلى لنا أن التدليس المنهجي ينمّ عن قصور فكري عويص يتجاوز مسألة النية والطوية. فأول تجليات هذا القصور هو العجز التام عن بناء خطاب نقدي حقيقي يستند إلى أفكار بديلة وبرامج متعارضة، لأن الناقد الحقيقي يُقدم رؤية مستقلة تُقنع من تلقاء ذاتها دون الحاجة إلى تشويه المنتقَد. أما من يعجز عن بناء هذا الخطاب البديل فلا يملك إلا أداة واحدة وهي الهدم المنهجي لما كان بالأمس يُقدم نفسه حارساً له وناطقاً باسمه. ويُضاف إلى هذا القصور وقوع هؤلاء في فخ التعارض الذاتي، إذ إن شخصاً قضى سنوات يُبرر نفس القرارات التي يُدينها اليوم أو يصمت عنها على أقل تقدير، يُقدم لمتلقيه وبإرادته الحجة الدامغة على انعدام مصداقيته. والمفارقة المُرّة أن كثيراً من هؤلاء لا يُدركون هذا التعارض الصارخ أو يظنون أن الزمن كفيل بمحوه من ذاكرة الجمهور، وهذا وهم يدل بدوره على قراءة قاصرة لطبيعة التلقي في عصر يُوثّق كل شيء ولا يمحو شيئاً. بل إن أعمق تجليات هذا القصور الفكري هو ما يمكن تسميته بالتبعية الخطابية، إذ يجد هؤلاء المغادرون أنفسهم في الغالب لا يُقدمون خطابهم الأصيل بل ما يظنون أن الجهة الجديدة تريد سماعه، فيُعيدون بذلك إنتاج نفس العلاقة التبعية التي يزعمون أنهم فرّوا منها، ليكونوا في النهاية قد غيّروا السجن دون أن يغيّروا مبدأ السجن ذاته. على سبيل المثال، يُفاخر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بتاريخ نضالي ممتد، ومن طبيعة هذا التاريخ الطويل أنه شهد تجارب مفصلية متعددة تنازعت فيها القناعات الفكرية مع المطامح الشخصية، وتقاطع فيها الفعل الجماعي مع الانتهازية الفردية. والحزب الذي اختبر ضغوط الاختراق ومحاولات الإضعاف في محطات حرجة من تاريخ المغرب، يمتلك من المناعة التاريخية ما يجعله قادراً على قراءة هذه الظاهرة بهدوء واتزان، لا من موقع الضحية المنكسرة ولا من موقع التعالي المتكبر. غير أن القراءة الهادئة لا تعني الصمت المتساهل، ولا تعني القبول بمرور التضليل دون تفنيد واضح وموثق. فالرد الحضاري على التدليس لا يكون بالتدليس المضاد، بل بالتوثيق الصارم للحقائق الكاملة في سياقها الصحيح، والثقة في عقل المواطن المغربي الذي بات يمتلك من الأدوات النقدية ما يُمكنه من فرز الحقيقي من المزيف، والمحافظة على مستوى خطابي رفيع يجعل الفارق بين المتدلِّس ومن يُواجهه فارقاً جلياً دون الحاجة إلى الإعلان عنه صراحة. وفي نهاية المطاف، ثمة حقيقة سيكولوجية وتاريخية موثقة تقول إن الحملات المبنية على التدليس والتضليل قد تُحدث ضجيجاً واسعاً في المدى القصير، لكنها تنهار حين يُغادر أصحابها المشهد، لأنها لا تملك من المادة سوى شخوص أصحابها، في حين أن الحقيقة الكاملة تظل قائمة وشاهدة بعد رحيلهم. وما يُحزن حقاً في هذه الظاهرة ليس مسألة الخسارة التنظيمية للأحزاب ولا حدة المنافسة السياسية الطبيعية، بل الإهدار الصافي لطاقات كان يمكن توظيفها في نقد بنّاء ومساهمة فكرية مُخصِّبة. فالديمقراطية في أمس الحاجة إلى معارضة حقيقية تُقدم بدائل جدية وتُغني النقاش العام، لا إلى رهط من المتدلسين ينتقلون من سفينة إلى أخرى حاملين نفس حقيبة الأوهام ومُلبسيها ثوباً جديداً في كل محطة. وللتاريخ عادة قاسية في معاملة هذا النوع من الفاعلين؛ إذ لا يذكرهم بما زعموا أنهم خرجوا من أجله، بل بالفجوة الصارخة بين ما قالوه قبل الخروج وما أذاعوه بعده، وهذه الفجوة وحدها كافية لتكون حكماً تاريخياً أبلغ وأصدق من كل ما يمكن لأي قلم أن يكتبه.