لخطاب الفلسفي ينزع إلى خطاب عقلي برهاني. يقبل الحوار والرأي والرأي الأخر. قادر على التعميم والتجريد والصياغات النظرية للقوانين. إنساني النزعة متفتح على الحضارات الأخرى . أما الخطاب الإجتماعي السياسي الهدف منه الترابط الإجتماعي والصراع أحد مظاهره، يبدأ من المجتمع ويصدر عنه التأثير في الناس وتوجيههم، يكشف عن صراع الأهواء والمصالح والإرادات والقوى الإجتماعية والتنظيمات السياسية في حراك إجتماعي . إذا سلمنا بهذه الأنواع من الخطابات يتضح لنا المجال الذي يشتغل فيه كل خطاب على حدة. فمشاكل المجتمع في الوطن العربي والإسلامي تناقش وتطرح على جميع الخطابات ولا يحتكر كل واحد منهم ويدّعي أنه يمتلك الحلول السحرية للأزمة . وأحيانا يتراخى الخطاب الإجتماعي السياسي عمدا ليترك المجال للخطاب الديني ليبرر فلتاته القاتلة، كما حدث ويحدث في أرض الكنانة مع صاحب الخطاب الديني الذي دائما يمر فوق قشور الموز وينزلق. وهذا ما دفع أدونيس في مقالته ليتساءل عن المعنى الثقافي الذي تعممه " ثقافة الفتوى" اليوم ؟ إن الدعوة إلى الإبداع والمعرفة، وإقامة مراكز البحوث العلمية، وضرورة التقدم، والابتكار، والاختراع ، أنا أعتبر هذه الأمور لا تحتاج إلى فتوى؛ بقدر ما هي تحتاج إلى جهد ثقافي يعمل فيه كل من الخطابين الفلسفي والإجتماعي السياسي . وإذا انتظرنا الخطاب الديني حتى يفتي لنا؛ قد نكون حكمنا على أنفسنا بالجهل والجمود . فإذا كانت الفتوى المتساهلة الصادرة عن الخطاب الديني الرسمي لا تعجب البعض من مثقفي هذا العصر، فكيف يتم التعامل مع الفتوى المتشددة ؟ إنني أرى أن الخطاب الديني على الرغم من بعض سلبياته في جانب اشتغاله في مجال الفتيا، مهما تشدد في خطابه يبقى هو الخطاب الغير المسؤول عن الوضعية التي تعيشها الأمة العربية والإسلامية . والدليل على ذلك، الانحلال الخلقي، والفساد المهول، والتعاملات الربوية، تبديد الثروات، الغزو الثقافي، ... بقدر ما هي مسؤولية الخطاب الإجتماعي السياسي. إن الخطاب الإجتماعي السياسي في الوطن العربي والإسلامي قد فشل في تعبئة المجتمعات وتحصينها، بل ساهم في انسلاخها، فحاول أن يجرب كل المدارس الوضعية، من الدعوة إلى المدرسة الداروينية مرورا بالمدرسة الإجتماعية الدوركايمية وصولا إلى الدعوة لقيام المدرسة الماركسية، فجاء من الطبل ما أسكت الزمر، فما حصدنا من هذه المدارس إلا النتائج السلبية، وكانت منتظرة لافتقارها لأسس منهجية سليمة وصادقة، ومعتقدات صحيحة نقية تستند إليها، وهكذا كانت أخطاؤهم أكثر شناعة من " الخطاب الديني" عبرت عن السلبية المطلقة والعمى الإيديولوجي والتحيز المذهبي الذي يحول دون التوصل إلى حقائق الأشياء . عندما ننظر في الآيات القرآنية نجدها صريحة في إثبات شخصية كل من الفرد والمجتمع، كما يتحدث القرآن عن المسؤولية الجماعية وعن آجال الأمم ومصيرها، كآجال الأفراد " ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون". " كل أمة تدعى إلى كتابها" وتبقى المجتمعات هي الموجودات الحية الشاعرة والقابلة للتكليف والخطاب . والفرد يبقى له إستقلاله الذاتي. إن الخطاب الإجتماعي السائد الآن في المجتمعات العربية والإسلامية، ينظر له المتتبع أو الدارس للظاهرة الإجتماعية بأنه سلوك فردي، لا ينسب إلى المجتمع، وهنا تتشابك الخيوط، وهذا بالذات ما يحدث مع الخطاب الديني. وفي الحقيقة أن القرآن في بعض الأحيان ينسب العمل الصادر من الفرد إلى مجتمعه، كما حدث مع قوم ثمود حيث عمد أحدهم إلى عقر ناقة صالح فاعتبروا جميعا مشتركين في الجريمة وحق عليهم العذاب " فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها" . إن الفرد له القدرة الكاملة بغية ممارسة العصيان تجاه مقتضيات المجتمع، استنادا لفطرة الله التي فطر الناس عليها " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جنهم وساءت مصيرا" . إنهم يعتذرون عن أفعالهم بإلقائهم اللوم على الجبر الإجتماعي، والقرآن ينفي ذلك كله،بل يقترح حلولا قوية، فباستطاعتهم أن يخرجوا من الوضع الإجتماعي الفاسد إلى وضع صالح " أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم " والآية واضحة على أن الفطرة تمنع الجبر الإجتماعي و إتباع الآباء وتقاليدهم . فالمجتمع وإن كان له قدرة غالبة على قدرة الفرد إلا أن ذلك لا يستلزم جبر الفرد في الأمور الإجتماعية . فالجبر الذي يقول به المذهب الإجتماعي قائم على أساس الغفلة عن أصالة الفطرة في الإنسان وهي التي لا تمنحه نوعا من الحرية و التمكن من العصيان أمام مقتضيات المجتمع . [2] هوامش: [1] أنظر " الرد على من أخلد إلى الأرض و جهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض " تقديم وتحقيق الشيخ خليل المس. [2] كلام للشيخ مرتضى المطهري ذكره الدكتور محمد أمزيان في منهج البحث الإجتماعي بين الوضعية والمعيارية ص 257 .