الشرطة و"AMDIE" يوقعان اتفاقية    ترامب يؤكد بقاء الجيش الأمريكي قرب إيران حتى يتم إبرام "اتفاق حقيقي"    أبطال أوروبا.. "PSG" يفرض إيقاعه على ليفربول وأتلتيكو يرد الاعتبار أمام برشلونة        بروفايل l حكيم زياش.. سيرة لاعب صنعته القيم قبل الملاعب    البيضاء.. إحالة شخص يحرض على قتل شخصيات تعتنق ديانات مختلفة على مستشفى الأمراض العقلية        أجواء باردة مع أمطار ضعيفة في توقعات طقس الخميس بالمغرب    أنفوغرافيك | ⁨المغرب خارج سباق المدن الذكية لسنة 2026⁩    أثناء معاينة حادثة سير.. دركي يتعرض لدهس خطير على مشارف طنجة    الماء مقطوع والفواتير مستمرة.. سكان دواوير بالقصر الصغير يعودون إلى الآبار    الأنظار تتجه لمحاكمة نائب رئيس مقاطعة مغوغة وحقوقيون يترصدون محاولات التأثير    بعد زيارته للسينغال.. موتسيبي يحل بالمغرب ولقاء مرتقب مع لقجع بالرباط        "الكاف" ينفي معاملة تفضيلية للمغرب    توقيع اتفاقية شراكة بين مجموعة بريد المغرب ووكالة التنمية الرقمية لتسريع التحول الرقمي    إحباط تهريب 181 كلغ من الشيرا        دوري الأبطال.. برشلونة ينهزم أمام أتلتيكو مدريد (2-0)    انتشار عسكري مكثف للجيش الاسباني على حدود سبتة المحتلة    سان جرمان يضع قدما بنصف النهائي    البرلماني بوعزة ينفي تزكية البام للتجمعي المكوثي في انتخابات 2026 ويعلق بشأن تجديد ترشيحه    ترامب: لبنان ليس جزءا من اتفاق وقف إطلاق النار    وزارة التربية تدعو النقابات إلى الحوار    مدرب "الأشبال" يأمل الفوز ب"الكان"    ترامب: اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران "لا يشمل" لبنان    مقتل 254 شخصا جراء غارات إسرائيلية على لبنان وإيران تهدد بالرد في حال استمرار "العدوان"    موزعو "البوطا" يشلون القطاع بإضراب وطني    المغرب والنيجر يعقدان الدورة الخامسة    الاتحاد الاشتراكي ومغاربة العالم مسار نضالي تاريخي وأفق سياسي متجدد في رهان 2026    الارتفاع ينهي تداولات بورصة الدار البيضاء    الهدنة تهبط بالنفط نحو 18 بالمئة دون 92 دولارا للبرميل    ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى 89 قتيلا    الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    وزان تحتضن المهرجان الدولي للسينما الأفروآسيوية    رياض السلطان يحتفي بتجربة فيروز وزياد الرحباني مع الفنانة سامية أحمد    جريدة آفاق الشمال تجربة فريدة في الصحافة الورقية بمدينة العرائش    الجامعة بلا شرط/16. كيف ترسُمُ الاقتصاد        استئناف الحركة في مضيق هرمز بعد وقف إطلاق النار    الميلاتونين بين زمنين    تطور البناء ينعش معاملات "صوناسيد"    الفلاحي كاش فرع القرض الفلاحي للمغرب يُبرم شراكة مع الصيادلة لتعزيز رقمنة الأداء داخل الصيدليات    غوتيريش يرحب بوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران ويدعو لاتفاق سلام "دائم وشامل"    "متحف بيكاسو مالقة" ينعى كريستين عن 97 سنة    المجلس الوطني لحقوق الإنسان يؤكد تتبعه لمحاكمة موقوفي "نهائي الكان" ويشدد على احترام ضمانات المحاكمة العادلة    "بين جوج قبور" يعرض في مونتريال        الكشف عن مخطوطة تاريخية نادرة تعود للقرن الرابع الهجري بالسعودية    عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب يحدّ من إجهاد كوفيد طويل الأمد    الوكالة المغربية للأدوية تحذر من مكملات شائعة للتنحيف قد تسبب اضطرابات خطيرة    المدرسة العتيقة تافراوت المولود تنظم ندوة علمية وطنية تحت عنوان " السيرة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتشييد العمران "    دراسة: الذكاء الاصطناعي يشخص سرطان الحنجرة    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان        فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قرير يلامس في مقال علمي "الاستراتيجية الإفريقية للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي"
نشر في الشمال 24 يوم 04 - 04 - 2026


عبد الله قرير
دكتور في القانون العام
جامعة عبد المالك السعدي
الملخص:
تمثل الاستراتيجية الإفريقية للمغرب إطارًا متكاملًا لتعزيز حضوره الإقليمي وتكريس قوته الناعمة عبر توظيف التنمية المجالية والتحولات الجيوسياسية وتعتمد على مقاربة شاملة تجمع البعد التنموي، الاقتصادي، والثقافي من خلال الاستثمار في القطاعات الحيوية، دعم المشاريع التنموية والاجتماعية، وتعزيز التعليم والثقافة والدين المعتدل كأدوات للحضور الرمزي كما تعزز أدوات دبلوماسية مبتكرة التعاون جنوب–جنوب وتكامل المغرب الإقليمي، بما يضمن شراكات مستدامة وتكامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع القوة الرمزية لتعزيز تأثير المملكة الدائم في إفريقيا.
مقدمة :
تعد القارة الإفريقية اليوم إحدى الساحات الأكثر دينامية في النظام الدولي المعاصر، بفعل ما تشهده من تحولات جيوسياسية عميقة ورهانات تنموية متشابكة جعلت منها محورا لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية وفي خضم هذه التحولات، برز المغرب كفاعل قاري يسعى إلى إعادة صياغة موقعه داخل المنظومة الإفريقية، عبر استراتيجية شاملة تمزج بين الرؤية التنموية، والحضور الجيوسياسي، وتوظيف أدوات القوة الناعمة لترسيخ نفوذه وتوسيع إشعاعه داخل القارة.
لقد مثلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 لحظة استراتيجية فارقة، أعادت توجيه السياسة الإفريقية للمملكة على أسس جديدة تقوم على الفاعلية الاقتصادية، التضامن جنوب–جنوب، والالتزام بالاستقرار الإقليمي وبذلك لم تعد المقاربة المغربية تجاه إفريقيا محصورة في البعد الدبلوماسي التقليدي، بل تحولت إلى مشروع تنمو ي مؤسسي يستحضر البعدين المجالي والجيوسياسي كركيزتين لتحقيق التكامل والتأثير داخل الاتحاد الإفريقي.
إن هذه الدينامية الجديدة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة المغرب على تحويل رهانات التنمية المجالية والتحولات الجيوسياسية إلى أدوات استراتيجية لترسيخ حضوره وتعزيز مكانته كقوة ناعمة فاعلة في القارة.
ومن هذا المنطلق، تطرح الإشكالية التالية نفسها:
إلى أي حد نجح المغرب من خلال استراتيجيته الإفريقية داخل الاتحاد الإفريقي في توظيف رهانات التنمية المجالية والتحولات الجيوسياسية لتعزيز حضوره الإقليمي وتكريس قوته الناعمة داخل القارة الإفريقية؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، سيتم تقسيم الموضوع وفق التصميم التالي:
* المطلب الأول: رهانات التنمية المجالية في الاستراتيجية الإفريقية للمغرب
* المطلب الثاني: التحولات الجيوسياسية وتنامي القوة الناعمة للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي
المطلب الأول: رهانات التنمية المجالية في الاستراتيجية الإفريقية للمغرب
تقوم الاستراتيجية الإفريقية للمغرب على تصور شمولي يجعل من التنمية المجالية أحد الأعمدة المركزية لتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية. فالمغرب أدرك مبكرًا أن استدامة حضوره داخل القارة لا يمكن أن تتحقق عبر الخطاب الدبلوماسي وحده، بل من خلال سياسات تنموية ميدانية تُترجم إلى مشاريع استثمارية، وبنيات تحتية، وشراكات اقتصادية واقعية.
إن الرهان التنموي في السياسة الإفريقية للمملكة ليس مجرد بعد اقتصادي، بل هو خيار استراتيجي يعكس تصورًا جديدًا للعلاقات الإفريقية، يقوم على تبادل المنافع وتعزيز القدرات المحلية للدول الشريكة ومن هذا المنطلق، عمل المغرب على ترسيخ حضوره داخل القارة عبر مداخل تنموية متعددة تشمل الزراعة، الطاقات المتجددة، البنيات التحتية، والقطاع البنكي، في أفق بناء شبكة من الشراكات المجالية القادرة على تحقيق الاندماج الإقليمي والتنمية المشتركة.
وفي هذا السياق، يتفرع هذا المطلب إلى محورين أساسيين:
* الفرع الأول: البعد التنموي كمدخل لتعزيز الشراكات الإفريقية
* الفرع الثاني: الدينامية الاقتصادية والاستثمارية للمغرب في القارة الإفريقية
الفرع الأول: البعد التنموي كمدخل لتعزيز الشراكات الإفريقية
يعد البعد التنموي في الاستراتيجية الإفريقية للمغرب أكثر من مجرد أفق اقتصادي، إذ يمثل أداة محورية لإعادة هندسة العلاقات القارية على أسس مستدامة ومتبادلة المنفعة، فالمغرب من خلال تركيزه على التنمية المجالية، يسعى إلى تجاوز مقاربات التعاون التقليدية، ليحوّل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية إلى رافعة استراتيجية لتعزيز الثقة وبناء شراكات قوية ومستدامة مع الدول الإفريقية.
ويتجلى هذا البعد في قدرة المملكة على ربط المبادرات التنموية بمشاريع ملموسة تركز على القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية، الزراعة، الطاقة والتكوين المهني، بما يتيح ليس فقط توسيع دائرة تأثيرها الاقتصادي، بل أيضًا تكريس حضورها السياسي والدبلوماسي داخل الاتحاد الإفريقي، واستثمار هذه المشاريع كوسيلة فعالة لتعزيز القوة الناعمة المغربية على الصعيد القاري.
الفقرة الأولى: مفهوم التنمية المجالية كأساس لتعزيز التعاون جنوب–جنوب
يمثّل مفهوم التنمية المجالية واحدًا من أكثر المفاهيم تطورًا في الدراسات التنموية المعاصرة، إذ يجمع بين البُعد المكاني والأهداف الاقتصادية والاجتماعية في منظور متكامل يربط بين الفضاءات المحلية والإقليمية والدولية وعلى عكس المقاربات التقليدية التي تنظر إلى التنمية بوصفها مؤشرات كميّة مستقلة (مثل الناتج المحلي الإجمالي)، فإن التنمية المجالية تُركّز على القدرة الكامنة للمجالات المحلية في تحويل مواردها إلى خطط تطويرية متماسكة ترتبط بأولويات الشركاء الآخرين.
وفي سياق العلاقات الدولية، ينظر إلى التعاون جنوب–جنوب كإستراتيجية بديلة للهيمنة التقليدية، ترتكز على تعزيز القدرات الذاتية للدول النامية وتمكينها من المشاركة المتوازنة في التبادلات الدولية. ويستمد هذا المفهوم من منطلق أن التنمية لا تُبنى بمعزل عن البيئة الجغرافية والموارد المحلية، بل عبر تكامل المؤسسات والفاعلين المحليين والدوليين ضمن شبكة تعاون تشاركي ومثمر.
ونظرا لأن البلدان الإفريقية تواجه تحديات متعددة تشمل الفوارق الإقليمية، ضعف البنى التحتية، والهشاشة الاقتصادية، فإن اعتماد التنمية المجالية كمدخل في الاستراتيجية الخارجية يوفر إطارا ليبراليا وإجرائيا يمكن من توجيه الاستثمار والموارد نحو تنمية مستدامة تحترم خصوصيات كل مجال وتُعزّز الشراكات متعددة الأطراف.
إن التطور الذي شهدته العلاقات جنوب–جنوب في العقود الأخيرة قد أعاد توجيه الاهتمام من مفهوم المساعدة التقليدية إلى شراكات تقوم على التكامل التنموي المشترك، حيث يتم تصميم المشاريع بحيث تلبي احتياجات الدول المعنية وتدعم أهدافها التنموية الوطنية، من أجل تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
وهكذا، يجعل مفهوم التنمية المجالية من التعاون جنوب–جنوب ليس مجرد علاقات دبلوماسية أو تبادلات تجارية، بل خارطة طريق للاستثمار المشترك في القدرات المحلية والإنسانية، وهو ما تجسده التجربة المغربية في تعاطيها مع الشركاء الإفريقيين، عندما تدمج بين الأهداف التنموية للمغرب واحتياجات التنمية في دول القارة.
الفقرة الثانية: توظيف المشاريع التنموية لبناء شراكات مستدامة
يشكل توظيف المشاريع التنموية أحد الركائز المحورية في السياسة الإفريقية للمغرب، إذ تحوّل من مجرد نهج تضامني إلى مقاربة مؤسساتية قائمة على الفعل الميداني وتعدد الفاعلين. فالرهان على التنمية لم يعد مقتصرًا على تقديم الدعم المالي أو التقني، بل أصبح مدخلًا لإرساء شراكات استراتيجية طويلة الأمد تراعي البعد المجالي والاجتماعي والبيئي في آن واحد.
لقد أضحى البعد التنموي عنصرا حاسما في تحديد طبيعة التعاون بين المغرب وشركائه الأفارقة، من خلال مشاريع تستجيب لأولويات الدول الإفريقية في مجالات الزراعة، الطاقة، التعليم، والبنية التحتية، بما يعزز الاندماج الاقتصادي والتكامل الإقليمي ويستند هذا التوجه إلى مقاربة تزاوج بين العدالة المكانية والإنصاف الاجتماعي، بما يضمن توزيعًا متوازنًا لثمار التنمية بين الأقاليم والمجتمعات المحلية.
إن المشاريع التنموية التي تراعي العدالة المجالية والموارد المحلية تسهم في تحقيق استدامة مؤسسية واقتصادية، لأنها تقوم على بناء قدرات الفاعلين المحليين بدل الاكتفاء بالمساعدات الظرفية. هذا التحول جعل من التعاون التنموي آلية لتقوية البنيات الوطنية وتدعيم القدرات الذاتية للدول الإفريقية في تدبير مواردها ومشاريعها الاستراتيجية وقد أظهرت التجارب الميدانية أن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا من خلال الاستثمار طويل الأمد وبناء الثقة بين الشركاء عبر آليات مشتركة للتمويل والتقييم.
وفي هذا السياق تشكل مشاريع البنية التحتية العمود الفقري للشراكات الإفريقية الجديدة، حيث تسهم في تحسين الربط بين الأسواق، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتحفيز تدفق السلع والخدمات على المستوى القاري كما أن تنمية شبكات النقل والموانئ والطاقة تمكن من خلق فضاءات اقتصادية متكاملة تُعزز قدرة الدول الإفريقية على تحقيق تنمية ذاتية ومستقلة. ويوازي هذا البعد المادي اهتمام متزايد بالبعد البشري، إذ أصبح التكوين المهني ونقل التكنولوجيا من أهم الأدوات الاستراتيجية في بناء الرأسمال البشري الإفريقي ورفع القدرة الإنتاجية المشتركة.
وقد اتجه المغرب نحو ربط التنمية الاقتصادية بالتحول البيئي، من خلال دعمه لمشاريع الطاقات المتجددة في عدد من الدول الإفريقية، وهو ما ينسجم مع أهداف "أجندة 2063" للاتحاد الإفريقي الرامية إلى إرساء تنمية مستدامة قائمة على الابتكار والتكامل الإقليمي هذه المقاربة الشمولية مكّنت المغرب من ترسيخ موقعه كفاعل تنموي موثوق داخل الاتحاد الإفريقي، يعتمد على منطق الفعل الملموس لا الخطاب السياسي، ويجعل من التنمية أداة للقوة الناعمة وبناء الثقة بين الشعوب.
إن الدينامية التنموية المغربية في إفريقيا تبرز أن التنمية ليست مجرد وسيلة لتحسين المؤشرات الاقتصادية، بل هي آلية لإعادة تشكيل العلاقات الإفريقية–الإفريقية على أسس التضامن والمصلحة المتبادلة. فهي تترجم رؤية جديدة للسياسة الخارجية المغربية، قوامها تحقيق المنفعة المشتركة عبر مشاريع إنتاجية مستدامة تُسهم في رفع مستوى الاندماج القاري وتثبيت الاستقرار السياسي والاجتماعي .
الفرع الثاني: الدينامية الاقتصادية والاستثمارية للمغرب في القارة الإفريقية
يشكل البعد الاقتصادي محورا رئيسيا في الاستراتيجية الإفريقية للمغرب، حيث تحوّل الاستثمار إلى أداة تنموية ودبلوماسية في آن واحد. فالمملكة اعتمدت نهجًا قائمًا على الشراكة المنتجة والمصالح المتبادلة بدل المساعدات الظرفية، مما جعلها فاعلًا اقتصاديًا مؤثرًا في القارة. وتبرز الدينامية المغربية من خلال توسّع مؤسساتها البنكية والصناعية والفلاحية في أسواق غرب وشرق إفريقيا بما يعكس رؤية تنموية متكاملة توظف الاقتصاد كرافعة للتعاون الإقليمي، وتعزّز حضور المغرب كقوة اقتصادية ناعمة داخل الاتحاد الإفريقي.
الفقرة الأولى: الاستثمارات المغربية في القطاعات الحيوية كرافعة للتنمية
تمثل الاستثمارات المغربية في إفريقيا إحدى الآليات الاستراتيجية لبناء التكامل التنموي القاري، إذ اتخذت المملكة من البعد الاقتصادي ركيزة أساسية لترسيخ حضورها في الفضاء الإفريقي وتطوير نموذج من "التنمية التضامنية" التي تجمع بين منطق السوق ومبدأ الشراكة المتوازنة. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، تبنّت الدولة المغربية توجهًا يقوم على توسيع مجال استثماراتها المنتجة في القطاعات الحيوية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين الأفارقة، بما في ذلك الفلاحة، الطاقة، البنوك، والاتصالات، والبنية التحتية .
وتظهر المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن المركز المغربي لإنعاش الصادرات 2023 أن أكثر من 60% من الاستثمارات المغربية المباشرة بالخارج تتجه نحو القارة الإفريقية، مما يجعلها أول مستثمر إفريقي في غرب إفريقيا وثاني مستثمر في القارة بعد جنوب إفريقيا هذه الدينامية الاستثمارية لم تكن عشوائية، بل نُسجت وفق رؤية ملكية متكاملة تستند إلى "مبدأ المنفعة المشتركة" وتضع التنمية البشرية في صلب التعاون الاقتصادي.
في هذا الإطار، برزت مؤسسات مغربية كبرى مثل المكتب الشريف للفوسفاط، الذي ساهم في تطوير الزراعة المستدامة وتوفير الأسمدة الميسّرة للدول الإفريقية، ما جعل من الأمن الغذائي محورا استراتيجيا للشراكة التنموية المغربية–الإفريقية كما أدّت المصارف المغربية ( التجاري وفا بنك، البنك الشعبي، وبنك إفريقيا) إلى دعم المنظومات البنكية الإفريقية وتوسيع الولوج إلى التمويل، وهو ما انعكس إيجابًا على قطاعات المقاولات الصغرى والاستثمار المحلي.
أما في قطاع الطاقة، فقد مثل الاستثمار في الطاقات المتجددة أحد أعمدة الرؤية المغربية في القارة، إذ ساهمت مشاريع الطاقة الشمسية والريحية في السنغال ونيجيريا وإثيوبيا في تعزيز الربط الكهربائي وتنويع مصادر الطاقة، تماشيًا مع أهداف "أجندة إفريقيا 2063 هذه المبادرات جعلت من المغرب فاعلًا تنمويًا متقدّمًا يعتمد مقاربة تقوم على نقل الخبرة بدل تصدير النموذج، وعلى تمكين الدول الإفريقية من قدراتها الذاتية في إدارة مواردها.
وعليه، فإن الاستثمارات المغربية في القطاعات الحيوية لا تُعدّ مجرد نشاط اقتصادي، بل رافعة استراتيجية لبناء استقلال اقتصادي إفريقي يقوم على الإنتاج المحلي والقيمة المضافة المشتركة، إنها تمثل امتدادًا دبلوماسيًا للقوة الاقتصادية المغربية، وتجسيدا لفلسفة التنمية التي تجعل التعاون جنوب–جنوب سبيلًا لتحقيق الأمن الغذائي والطاقي، والاستقرار الاجتماعي داخل القارة.
الفقرة الثانية: أثر الدينامية الاقتصادية على تعزيز النفوذ والحضور المغربي
لقد شكلت الدينامية الاقتصادية التي قادها المغرب داخل القارة الإفريقية تحولا بنيويا في مقاربته للعلاقات الخارجية، حيث أصبح الاقتصاد أداة دبلوماسية لتثبيت الحضور الاستراتيجي وإعادة التموقع داخل الفضاء الإفريقي. فمن خلال شبكة استثماراته الواسعة، أسّس المغرب نمطًا جديدًا من الحضور الإقليمي يقوم على الفعل التنموي لا على الخطاب السياسي، مما عزّز موقعه كفاعل مؤثر في توازنات القارة.
لقد أتاحت هذه الدينامية للمملكة أن تتحوّل إلى قوة اقتصادية ناعمة تجمع بين الاستثمار المنتج والدبلوماسية التنموية، بما مكّنها من اكتساب نفوذ متزايد داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، وتوسيع دائرة حلفائها من دول الساحل وغرب إفريقيا وقد أظهرت التقارير الصادرة عن اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة أن المغرب يُعتبر اليوم ضمن أبرز خمس دول إفريقية من حيث المساهمة في المبادرات القارية المشتركة، لا سيما تلك المتعلقة بالبنية التحتية والطاقات النظيفة.
من جهة أخرى، ساهمت الدينامية الاستثمارية المغربية في إرساء نموذج للتعاون القاري يقوم على مقاربة "المنفعة المتبادلة"، التي تمنح للدول الإفريقية الشريكة هامشًا أكبر من التملّك المحلي للمشاريع، ما عزز الثقة المتبادلة والمصداقية السياسية للمغرب كفاعل تنموي.
كما أن انتشار الشركات المغربية في أكثر من ثلاثين دولة إفريقية جعلها تساهم في خلق آلاف فرص العمل، وهو ما أكسب المملكة سمعة "الشريك الموثوق" في التنمية، لا "المتنافس الاقتصادي"، مما يميّز النموذج المغربي عن القوى الاقتصادية التقليدية داخل القارة.
وإلى جانب الأثر الاقتصادي المباشر، كان لهذه الدينامية تأثير رمزي واستراتيجي على مستوى الدبلوماسية الإفريقية، حيث استطاع المغرب أن يربط بين الاقتصاد والتنمية والأمن في رؤية واحدة. فالمشاريع الاستثمارية المغربية ساهمت في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في مناطق التوتر، كالساحل وغرب إفريقيا، وهو ما أعطى لسياسة المغرب بعدًا وقائيًا يعزّز مكانته كشريك في الأمن الجماعي للقارة.
إن هذه التحولات مجتمعة جعلت من الدينامية الاقتصادية المغربية أداة لإعادة تعريف النفوذ في إفريقيا على أسس التنمية الشاملة والمسؤولية المشتركة. فالمغرب لم يسع إلى الهيمنة أو فرض نموذج جاهز، بل إلى بناء حضور مستدام يُترجم القوة الناعمة التنموية، التي تربط بين الرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي، في انسجام مع مبادئ التعاون جنوب–جنوب وأجندة الاتحاد الإفريقي.
المطلب الثاني: التحولات الجيوسياسية وتنامي القوة الناعمة للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي
تشهد القارة الإفريقية تحولات جيوسياسية أعادت رسم موازين القوة وأبرزت أهمية الفاعلين الإقليميين في صياغة سياسات التنمية والاستقرار. وفي هذا السياق، اعتمد المغرب استراتيجية متكاملة تجمع بين التوظيف الاقتصادي والسياسي والثقافي لإعادة تموقعه داخل الفضاء الإفريقي وتعزيز نفوذه.
كما أصبحت القوة الناعمة أداة مركزية في الحضور المغربي، من خلال استثمار الثقافة، التعليم، والدين المعتدل لتعزيز الثقة والمصداقية لدى الشركاء الأفارقة ومن ثم، يركز هذا المطلب على محورين متكاملين:
* الفرع الأول: التحولات الجيوسياسية كرافعة لإعادة تموقع المغرب إفريقيا؛
* الفرع الثاني: القوة الناعمة كآلية لتكريس الحضور المغربي داخل الاتحاد الإفريقي.
الفرع الأول: التحولات الجيوسياسية كرافعة لإعادة تموقع المغرب إفريقيا
يشهد الفضاء الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولات جيوسياسية عميقة أفضت إلى إعادة رسم موازين القوة الإقليمية وتنامي تأثير الفاعلين المحليين والدوليين على السياسات القارية. وفي هذا الإطار، تبنّى المغرب استراتيجية متكاملة تهدف إلى التموضع الاستراتيجي داخل الاتحاد الإفريقي من خلال ربط المبادرات الاقتصادية بالشراكات السياسية والتعاون الأمني، بما يعكس قدرة المملكة على تحويل التحولات الجيوسياسية إلى فرص لتعزيز النفوذ الإقليمي واستدامة حضورها داخل القارة.
الفقرة الأولى: التحولات الجيوسياسية وإعادة رسم موازين القوة في القارة الإفريقية
تتعرض القارة الإفريقية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين لتحولات جيوسياسية هيكلية ومعقدة، انعكست على توازن القوى الإقليمي والدولي، وأدت إلى إعادة ترتيب أولويات السياسات القارية والدولية. فالتنافس المتزايد بين القوى الكبرى على الموارد الطبيعية، الأسواق الناشئة، والتحكم في سلاسل الطاقة، جعل من إفريقيا مسرحًا محوريًا للتفاعل بين الفاعلين الدوليين والإقليميين، الأمر الذي أعاد تعريف أبعاد القوة التقليدية وأساليب النفوذ.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحولات لم تكن مجرد إعادة ترتيب قوى، بل مثلت تحولًا في بنية العلاقات الدولية الإفريقية نفسها، حيث أصبحت الدول الإفريقية تتمتع بهامش أوسع من المناورة الدبلوماسية والاستراتيجية، يسمح لها بتقليص تبعيتها للنماذج الثنائية السابقة والتوسع في التعاون متعدد الأطراف وقد أدت هذه الديناميات إلى تعزيز دور الاتحاد الإفريقي كمحرك للتكامل السياسي والأمني والاقتصادي، إذ أضحى الإطار المؤسسي القاري منصة لإعادة صياغة السياسات بما يتوافق مع الأولويات الوطنية والإقليمية للدول الأعضاء.
كما أن التحولات الجيوسياسية الداخلية، بما في ذلك النزاعات الإقليمية، التغيرات الاقتصادية، والهجرة العابرة للحدود، أعادت رسم حدود النفوذ التقليدية، ما خلق بيئة ديناميكية تسمح للدول الإقليمية، مثل المغرب، بإعادة تموضعها وفق أسس استراتيجية تراعي التكامل بين المصالح الوطنية، التزامات القارة، وفرص التنمية الاقتصادية والسياسية.
إن هذا المشهد المتغير يؤكد على ضرورة فهم التحولات الجيوسياسية ليس بوصفها مجرد أحداث سياسية متفرقة، بل باعتبارها عاملًا محددًا لإعادة تصميم أولويات التنمية، الاستثمار، والفاعلية الدبلوماسية للدول في القارة، وهو ما مكّن المغرب من تبني رؤية استراتيجية شاملة تدمج بين القوة الصلبة والقدرات الاقتصادية والثقافية لتحقيق تموضع مستدام.
الفقرة الثانية: أدوات واستراتيجيات المغرب لإعادة التموضع الإفريقي
استجابة لهذه التحولات المعقدة، اعتمد المغرب استراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة التموضع داخل القارة الإفريقية، تجمع بين الدبلوماسية السياسية، الاستثمار الاقتصادي، التعاون الأمني، وتوظيف القوة الناعمة، بما يوفر تكاملًا بين الأهداف الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد تجلت هذه الاستراتيجية في توسيع الاستثمارات المغربية في القطاعات الحيوية كالبنية التحتية، الطاقة، الاتصالات، والقطاع المالي، ما عزز من شبكات التكامل الاقتصادي مع الشركاء الإفريقيين وخلق فرصًا لتعظيم القدرة التنافسية للأسواق المحلية والقارية .
كما لعبت الأدوات الدبلوماسية متعددة الأطراف دورًا محوريًا في إعادة التموضع المغربي، إذ استثمرت المملكة في المشاركة الفعالة داخل الاتحاد الإفريقي ومنصاته المتعددة لتوجيه السياسات القارية بما يتماشى مع مصالحها، مع التركيز على الأمن الإقليمي في مناطق استراتيجية مثل الساحل والصحراء، ما عزز مصداقية المغرب كفاعل سياسي مؤثر وموثوق
علاوة على ذلك، اتسمت استراتيجية المغرب بتوظيف القوة الناعمة عبر دعم التعليم العالي، البرامج الأكاديمية المشتركة، الثقافة، والشراكات في مجالات الدين المعتدل، ما ساهم في ترسيخ صورة إيجابية للمملكة وبناء شبكات تعاون طويلة الأمد مع النخب السياسية والاجتماعية في الدول الإفريقية.
إن دمج هذه الأدوات – الاقتصادية، السياسية، والثقافية – يعكس قدرة المغرب على الاستفادة الاستراتيجية من التحولات الجيوسياسية، ليس فقط لتعزيز تموضعه الإقليمي، بل لإرساء شراكات مستدامة تعكس توازنه بين مصالحه الوطنية ومتطلبات التنمية القارية. كما يشير هذا النموذج إلى أن الفاعل الإقليمي الفعّال لا يكتفي بالقوة الاقتصادية أو السياسية، بل يدمجها مع الأدوات الثقافية والمعرفية لبناء نفوذ طويل الأمد داخل الاتحاد الإفريقي.
الفرع الثاني: القوة الناعمة كآلية لتكريس الحضور المغربي داخل الاتحاد الإفريقي
تعتبر القوة الناعمة أحد أهم الأدوات الاستراتيجية التي تعتمدها الدول لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، إذ تتجاوز في فعاليتها القوة العسكرية التقليدية أو النفوذ الاقتصادي المباشر لتتمركز حول القدرة على التأثير الثقافي، السياسي، والاجتماعي.
وسيناقش هذا الفرع أبعاد القوة الناعمة المغربية من خلال تحليل الأدوات والاستراتيجيات التي استخدمتها الرباط لإعادة بناء حضورها، وتفعيل التأثير غير المباشر في صنع القرار القاري، بما ينسجم مع التحولات الجيوسياسية في إفريقيا والتحديات الجديدة التي تواجهها القارة.
الفقرة الأولى: الثقافة والتعليم والدين المعتدل كأدوات للحضور الرمزي
تعد الثقافة والتعليم والدين المعتدل مكونات مركزية في الاستراتيجية المغربية للقوة الناعمة داخل الاتحاد الإفريقي، حيث تمثل أركانًا متكاملة لتعزيز الحضور الرمزي للمملكة على الصعيد القاري. فالاستثمار في الثقافة يتجاوز الطابع الجمالي أو الفني للتراث، ليصبح أداة بناء هوية مشتركة وتعزيز القيم المشتركة بين المغرب والشركاء الإفريقيين، وهو ما يسهم في توطيد الثقة المتبادلة وخلق بيئة مؤسساتية واجتماعية مواتية للتعاون طويل الأمد وتُجسد المبادرات الثقافية المغربية، من معارض ومهرجانات وأنشطة فكرية وعلمية، استراتيجية مدروسة لعرض المملكة كفاعل إقليمي متوازن قادر على الجمع بين الأصالة التاريخية ومتطلبات الحداثة، بما يعكس وعيًا دقيقًا بأهمية الرمزية في السياسة الخارجية.
ويأتي التعليم كركيزة إضافية لهذه المنظومة، إذ يمثل أداة رئيسية لبناء القدرات البشرية وتعزيز الحضور المؤسسي للمغرب داخل الفضاء القاري ومن خلال برامج المنح الدراسية، والتكوين المتخصص، والشراكات الأكاديمية مع الجامعات والمؤسسات الإفريقية، يرسّخ المغرب شبكة علاقات استراتيجية تُعزز من دوره في صنع القرار العلمي والثقافي داخل القارة.
كما يعتبر الدين المعتدل عنصرا مكملا يساهم في ترسيخ قيم التسامح والاعتدال والعيش المشترك، بما يعكس قدرة المملكة على تقديم نموذج ديني متوازن، قادر على الموازنة بين خصوصياتها المحلية ومتطلبات الأطر الإقليمية والدولية، مما يُكسبها مصداقية واعترافًا موسعًا بين الدول الإفريقية.
ويعكس الجمع بين هذه العناصر الرمزية وعيًا استراتيجيًا متقدمًا، إذ يُمكن المغرب من التأثير بعيد المدى عبر بناء شبكات علاقات طويلة الأمد تشمل النخب الثقافية والتعليمية والدينية، ما يمنح المملكة القدرة على مواصلة التأثير في مختلف الفضاءات السياسية والاجتماعية والإقليمية بطريقة متكاملة ومستدامة. وبهذا يُصبح الاستثمار في الثقافة والتعليم والدين المعتدل ليس مجرد أداة دبلوماسية مؤقتة، بل مقاربة استراتيجية مستمرة تعزز من موقع المغرب كفاعل ذي قوة رمزية متماسكة داخل الاتحاد الإفريقي.
الفقرة الثانية: المشاريع التنموية والاجتماعية كرافعة لتعزيز النفوذ المغربي
تشكل المشاريع التنموية والاجتماعية إحدى الركائز العملية الأكثر فاعلية في تعزيز القوة الناعمة المغربية داخل الاتحاد الإفريقي، إذ تسمح بتحويل التأثير الرمزي إلى تأثير ملموس على الأرض من خلال دعم القدرات الاقتصادية والاجتماعية للدول الشريكة فالاستثمارات المغربية في مجالات البنية التحتية، النقل، الطاقات المتجددة، التعليم، والصحة توفر حلولًا عملية للتحديات التنموية، وتساهم في ربط الأسواق، تسريع حركة السلع والخدمات، وتحسين القدرة التنافسية الإقليمية، وهو ما يُعزز مصداقية المغرب كفاعل اقتصادي مسؤول وموثوق.
إضافة إلى ذلك، تلعب المشاريع الاجتماعية والتكوينية دورًا محوريًا في بناء رأس المال البشري وتعزيز القدرات المؤسسية للدول الشريكة، عبر برامج التكوين المهني، نقل التكنولوجيا، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية. وهذا يُعطي هذه المشاريع طابعًا مستدامًا يتجاوز الأبعاد الاقتصادية لتشمل التنمية البشرية والاجتماعية والقدرات المؤسسية، وهو ما يعكس وعي المغرب بأهمية الربط بين التنمية الاقتصادية والحضور السياسي والثقافي.
وعلاوة على ذلك، تُجسد هذه المشاريع استراتيجية مزدوجة المفعول: فمن جهة، تحقق المملكة أهدافها الاقتصادية والتنموية، ومن جهة أخرى، تعمل على تعزيز نفوذها السياسي والرمزي داخل الاتحاد الإفريقي. فالمشاريع المستدامة تتيح بناء ثقة متبادلة مع الشركاء المحليين، وتمكن المغرب من التعامل ببراغماتية وفعالية مع التحولات الإقليمية، مع اعتماد مقاربة قائمة على الشراكة والفائدة المتبادلة. وبالتالي، يتضح أن المملكة تعتمد على استراتيجية متكاملة تجمع بين الاستثمار الاقتصادي، التنمية الاجتماعية، والحضور الرمزي، بما يجعلها نموذجا رائدا في القوة الناعمة القادرة على تعزيز النفوذ الإقليمي وتكريس الحضور الدائم داخل القارة الإفريقية.
الخاتمة:
في ضوء ما سبق عرضه وتحليله يتضح أن الاستراتيجية الإفريقية للمغرب داخل الاتحاد الإفريقي تمثل نموذجًا متكاملًا يجمع بين الرؤية التنموية، الدينامية الاقتصادية، والتحولات الجيوسياسية، مع توظيف مدروس لأدوات القوة الناعمة. فقد أظهرت التجربة المغربية قدرة المملكة على استثمار رهانات التنمية المجالية لتقوية الشراكات الإفريقية، من خلال مشاريع تنموية مستدامة تستجيب للاحتياجات المحلية وتعزز التكامل الاقتصادي والاجتماعي بين الدول الشريكة.
كما يبرز الأثر الجيوسياسي للاستراتيجية المغربية في إعادة التموضع الإقليمي، إذ تمكن المغرب من استغلال التحولات الدولية والإقليمية لإعادة رسم موقعه ضمن خريطة النفوذ الإفريقي، سواء عبر المبادرات الاقتصادية، التعاون الأمني، أو التفاعل مع المنظمات القارية متعددة الأطراف. ومن خلال دمج الثقافة والتعليم والدين المعتدل والمشاريع الاجتماعية والتنموية، نجح المغرب في ترسيخ حضوره الرمزي، ما جعله قوة ناعمة قادرة على التأثير بعمق في القارة.
إن هذه الاستراتيجية المتكاملة لا تقتصر على تحقيق مصالح آنية، بل تهدف إلى بناء أسس متينة لشراكات مستدامة تؤمن للمغرب موقعًا استراتيجيًا دائمًا داخل الاتحاد الإفريقي. وبذلك، يمكن القول إن المملكة نجحت بدرجة كبيرة في توظيف التنمية المجالية والتحولات الجيوسياسية لتعزيز حضورها الإقليمي، وإرساء قاعدة متينة لقوتها الناعمة، مع الإشارة إلى أن استمرار هذا النجاح يرتبط بقدرتها على تحديث أدواتها ومواكبة التطورات الجديدة على الساحتين الإقليمية والدولية.
لائحة المراجع:
1. العلمي رضوان. التعمير والتنمية المجالية بالمغرب المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد 11، 2019.
2. داوود، عبد الكريم. التنمية والعدالة المجالية في تونس: قراءة جغرافية اقتصادية في مفهوم العدالة. جريدة دراسات، جامعة ابن زهر، 2021.
3. بوازدية، جمال. واقع وآفاق التنمية في إفريقيا وإشكالية التعاون: دراسة تحليلية في المبادرات الإنمائية. Journal of Legal and Political Studies, المجلد 7، العدد 2، 2022.
4. البوعزاوي، السعدية عبد القادر. القوة الناعمة في السياسة الخارجية المغربية تجاه إفريقيا. مجلة القانون والأعمال الدولية, مجلد 56، 2025.
5. لحمامي عبد القادر. سياسة المغرب الإفريقية من خلال الخطب والزيارات الملكية. مجلة ابن خلدون للدراسات القانونية والاقتصادية والاجتماعية, 1(5), 2024.
6. أيت قشي، عبد العزيز. سياسة المغرب الإفريقية وتأثيرها على موقف الدول الإفريقية من نزاع الصحراء المغربية: دراسة تاريخية تقييمية. مجلة ليكسوس: في التاريخ والعلوم الإنسانية, العدد 55، 2025.
7. الكوخي، محمد. استراتيجيات عودة المغرب للاتحاد الإفريقي والتوازنات القارية. مركز الجزيرة للدراسات، 2017.
8. بوحنيفة، غزلان؛ طموح السباعي، فاطمة الزهراء؛ أبيهي، محمد. العلاقات المغربية الإفريقية: من منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي (1963–2017). مجلة ليكسوس: في التاريخ والعلوم الإنسانية2025.
9. الدليمي، محمد. نجاحات السياسة الخارجية المغربية في إفريقيا. إيلاف 2025.
10. خطاب الملك محمد السادس أمام قمة الاتحاد الإفريقي، أديس أبابا، 30 يناير 2017. الرباط: الديوان الملكي، 2017.
1. Lamkies, J., & Kehel, M. Coopération décentralisée Sud Sud : le cas du Maroc comme vecteur d'un développement régional inclusif en Afrique. African Scientific Journal, Vol. 3, No. 33, 2025.
2. Coopération décentralisée Sud-Sud : le cas du Maroc comme vecteur d'un développement régional inclusif en Afrique. African Scientific Journal, 3(33), 2025.
3. Spatial development initiatives in Southern Africa: The Maputo Development Corridor. Tijdschrift voor Economische en Sociale Geografie, 92(3), 2001.
4. African Development Bank (AfDB). African Economic Outlook 2022: Supporting Climate Resilience and a Just Energy Transition. Abidjan: AfDB, 2022.
5. Arab Reform Initiative. Le Maroc en Afrique : Puissance douce et stratégies d'influence économique. Paris: ARI Publications, 2020.
6. NECHAD, Abdelhamid; BAHHA, Meryeme; LEBBAR, Adbelghani. Moroccan Soft Power in Sub Saharan Africa: The Role of Economic Diplomacy in Strengthening Morocco's Attractiveness. IJBTSR International Journal of Business and Technology Studies and Research, Volume 5, 2023.
7. DAFIR, Amine. Le Soft Power du Maroc en Afrique Subsaharienne : Une Diplomatie Culturelle au Service des Intérêts Economiques. International Journal of Accounting, Finance, Auditing, Management and Economics, Volume 5, 2024.
8. ZIZI, Youssef; EL MAJDOUBI, Ilham. Culture as a Strategic Resource for Moroccan Soft Power in Africa. International Journal of Social Science and Human Research, Volume 07, 2024.
9. OCP Africa. Rapport sur l'investissement agricole et la sécurité alimentaire en Afrique. Casablanca: OCP Group, 2023.
10. Banque Centrale Populaire. Rapport annuel sur l'expansion bancaire africaine du Groupe BCP. Casablanca, 2022.
- Advertisement -


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.