1-لا نعرف حدود الطاقة التي يمتلكها الجسد، وتتيح لنا حالات الوَهَن التي تصيبنا، وخاصة منها تلك التي لها علاقة بالمرض ومقتضيات السن، الانتباه إلى جملة من الأعراض التي تعتري أجسادنا وتكشف هشاشتها. أدركت ذلك بوضوح عندما أصابني شللٌ نصفيٌّ مباغث، شمل الجانب الأيمن من جسمي. و تبينت خلال الساعات الأولى للإصابة بعض مظاهر وعلامات ما حصل، حيث تعطلت اليد اليمنى والرجل اليمنى وما بينهما، أي الجانب الأيمن من الحوض والبطن والصدر والعنق والكتف والظهر، حيث لحق العديد من أعضاء الجانب الأيمن في جسمي، أشكال من الخلل مماثلة لعطالة اليد وثقل الرجل اليمنى واللسان. نذكر في العادة عند حديثنا عن الشلل النصفي، الأعضاء البارزة في الجسم، من قبيل المشي والكتابة وتبادل التحية. لكننا ننسى أن جغرافية المنطقة اليمنى في الجسد بمختلف مكوناته، أكثر تعقيدا من الظاهر والبارز فيها من الأعضاء. وقد ننسى في غمرة اكتفائنا بالبارز والظاهر من الأعضاء، أننا نمتلك أعضاء أخرى في الجسد من الرأس إلى القدمين، تمتلك بدورها مواصفات اليمين واليسار، رغم أنها تحتل مكاناً بينهما، من قبيل الأنف والجبهة والرأس والعنق واللسان إلخ. وأن هناك أعضاء أخرى لا تُرَى تشترك في المواصفات عينها، وهي مفصولة عن بعضها البعض، مثل العينين والكليتين والرئتين والخصيتين، حيث تحضر العين اليمنى تحت الحاجب الأيمن، وتحضر اليسرى تحت الحاجب الآخر. وينطبق الأمر نفسه كما قلنا، على الكليتين والرئتين والأذنين وفتحتي الأنف ويمين فكي الفم، الأعلى ومنهما والأدنى. ينبغي أن لا نغفل الإشارة هنا، إلى الشبكة العصبية المنظمة للحركة في الجسم، وطبيعة العلاقة التي تحكمها بمناطق الدماغ، كما لا يجب أن نغفل الشبكة الدموية المرتبطة بدورها بدقات القلب، وعمليات ضخ الدم في كل أطراف الجسم وزواياه وما بينهما، وهما معا، أي الشبكة العصبية والدموية يحتلان مواقع توصف موضعيا باليسار واليمين، إلا أن كلا منهما يقوم بوظائف تتعلق بالجهة المقابلة له، حيث تتحكم الجهة اليمنى في الدماغ في الأعضاء اليسرى، مقابل عناية الجهة اليسرى بحركة أعضاء الأطراف الواقعة في اليمين. 2- أدركت بعد مدة من إصابتي المذكورة، أن ما لحقني من أعطاب في الأعضاء البارزة من الجانب الأيمن، يخفي أعطابا أخرى لحقت جوانب متعددة من الجانب الأيمن في الجسد. تبينت ذلك على وجه الخصوص، عندما بدأت أواجه صعوبات معينة في النطق ببعض الأحرف والكلمات، وخاصة عندما تلتقي أحرف بأحرف أخرى، كما أدركته عندما استشعرت ثقلا في مخارج الحروف، وبعض الصعوبة في الكلام المُستَرسل، حيث أصبحت تنتابني أحاسيس بالعياء أثناء الكلام. انتبهت إلى ذلك، وأنا أنطق بكلمات تجمع بين حرف اللام والسين، حيث أصبحت أجد صعوبة في النطق باللام والسين المتصلين في كلمة واحدة، مثلما هو عليه الحال في الأطلس واللسان واللسعة، وغير ذلك من الكلمات التي تضم الحرفين المذكورين متلاصقين. وحين كنت أتبادل الحديث مع الأقارب والأصدقاء، كنت أبحث عن البدائل والمرادفات لأتجنب الكلمات التي لا أستطيع النطق بها كما تعودت، وذلك قصد الحصول على الكلمات التي تسعفني بالكلام الواضح، بل تسعفني بمواصلة الكلام. وطيلة الأشهر الأولى للإصابة، بكل ما رسمته في وضعي الصحي من أمارات دالة على عنفها وقوة أثرها، أدركت جوانب جديدة من كفاءة الإنسان في التلاؤم مع مصيره، وقدرة جسمه على التوافق مع أحواله المستجدة، الأمر الذي يُمكِّنه من الاستمرار في القيام بأعماله بأقل الخسائر الممكنة. لم يكن هذا المظهر من مظاهر الإصابة في مخارج النطق بالحروف والكلمات وفي حركة اللسان، لم يكن فعلا ظاهراً ومجسماً في علامات محددة، مثلما حصل في إصابة اليد أو الرجل، بل كان يَرٍد بين الحين والآخر، ليجعلني أقف على مظاهر أخرى من صور الشلل في أعضاء أخرى من جسدي. عودت نفسي عندما انتبهت إلى هذا الأمر، على تجنب الأحرف والكلمات الكاشفة عن الأعطاب المتصلة باللسان ومخارج الحروف. إلا أن ما لفت نظري في الاختلاط الذي لحق بعض مظاهر نطقي، والصعوبات التي كانت تنبئني بحصول ثقلٍ وتلكؤٍ في أدائي الفونولوجي، جعلني أشعر أحيانا بصدور منطوقات تختلف عن المنطوقات التي تعودت عليها، وفي لحظة من اللحظات تذكرت أن الاختلاط المذكور الذي تبينته في نطقي، وتبينته على وج الخصوص في ردود فعل بعض من كنت أحاورهم، حيث كان بعضهم يطلب مني إعادة الكلمات الصادرة عني، كان لكل ذلك ما جعلني أشعر بأنني أنطق بكلمات لا تعكس المعاني المرسومة في ذهني، فانتابني شعور مفاده أنني أصبحت أمتلك لغة ثانية داخل لغتي، وأن ملفوظاتي الجديدة تستوعب مفردات تشبه المتداول من الكلمات ولا تشبهه في الآن نفسه، لقد أصبحت بناء على ذلك، أمتلك لغة أخرى في قلب لغتي. 3- تذكرت في لحظات التلكؤ التي لحقت نطقي، لغة الملك سليمان وما يتصل بها من مرويات في كتب التراث، من قبيل أنه كان يكلم الطير ويتواصل معه، كما كان يفهم لغة النمل والجن. فقلت في نفسي، قد يكون من المفيد أن لا أرى فيما حصل لي نقيصة أو عطباً أو مظهراً من مظاهر الخلل الفيزيزلوجي، بل قد يكون نعمة حتى وإن ارتبط بعلة محددة. وبدأت أتساءل هل أصبحت أمتلك لغة ثانية تؤهلني لمخاطبة الطير ومحاورته، مادامت كلماتي لم تعد كالكلمات؟ وأقنعت نفسي بذلك، ثم انخرطت في مسلسل جديد، مفترضا أنني أصبحت قادرا مِثْلَ الملك سليمان، على مخاطبة الطيور والتواصل معها في قضايا الملك والسلطة، بل وفي مختلف شؤون الحياة. تشير المرويات التراثية حول الملك سليمان، إلى ما كان يتمتع به من كفاءة تؤهله للاستماع للغة النمل وفهمها. وقد افترضت داخل السياق نفسه، أن الملك المذكور أصيب بما أصبت به، وأنني ربما أصبحت أنعم بما كان ينعم به، مع فارق كبير يجعلني أعرف حدود مقامي، كما أسلم بحدود مقامه، ودون أن يترتب عن شعوري بما وصفت، النتائج التي رتَّبت في موضوع الإمكانيات التي جعلتني أشعر بأن منطوقاتي الجديدة تؤهلني لجني ثمار لم أكن أتوقعها. بدأت أسترق السمع للطير وزقزقتها، والنمل وحركته، والخيول وصهيلها، بل ذهبت أبعد من ذلك محاولا الاستماع إلى ما يدور بين الإسماك في الأنهار والبحيرات، وكان ينتابني من جراء كل هذا شعور بالامتنان، يجعلني أرتضي حالي على حالها، وذلك رغم كل علامات السَّقَم التي أصبحت جزءا مني. وبدأت أجرب استعادة النطق بالكلمات التي أجد صعوبة في النطق بها، وفي غمرة التمارين التي كنت أقوم بها، وما صاحب ذلك من أحوال نفسية عارضة، بدأت أستطيب مكاسب الملك سليمان، المتمثلة في محاورته للطير وإدراكه على وجه الخصوص لمعاني العشق في لغتها، كما تروي ذلك المأثورات الشعبية. تحولت صعوبات النطق ببعض الكلمات، إلى أمر آخر يصعب أن يوصف بالكلمات. لقد أصبحت أمتلك كما أشرت آنفاً، لغة أخرى تؤهلني لولوج عوالم غير منتظرة. كنت في البداية لا أستطيع التمييز كثيرا بين أصوات الطيور، إلا أن استئناسي بتنوع إيقاعاتها كما تكشف ذلك علامات ارتفاعها وانقطاعها، جعلني أدرك بعض معانيها. وقد ساعدني في ذلك استحضاري لحالة الملك سليمان، فبدأت أشعر شيئا فشيئا بإمكانية فك بعض رموز أصوات الطيور. وقد تطور الأمر عندي، عندما اقتنعت بأن ما حصل لي من جلطة دماغية حصل أيضا للملك سليمان، رغم أنني لم أتبين ذلك في المرويات التي يحفظها الموروث الثقافي عنه. 4- ليس الملك سليمان وحده من كلَّم الطيور والحيوانات، ففي مرويات التراث الشعبي وذاكرة الثقافة الإنسانية عموما، شواهد عديدة على ذلك، نجد في كرامات الأولياء مرويات مماثلة، حيث يحدثنا بعض أصحاب الكرامات عن أحاديثهم مع الخيول والجمال والطيور.. وإذا كان باب الكرامات قريب من أبواب المُلْكِ والنُّبوات، من حيث الاصطفاء والتمييز والقيام بالخوارق، فإن الأمر الذي ظل حاضراً في ذهني، من يوم أن انتباني الشعور الذي حدثتكم عنه، هو أن المرويات المتعلقة بالموضوعات المذكورة لا تشفي الغليل، صحيح أنها تشير إلى علامات، لكنها لا تستخدم لا المنطق السببي ولا التعليل التاريخي، وتفتح المجال بدل ذلك، أمام الإيحاءات التي تستوعبها المرويات بكل فيوضاتها، وبكل المزايا التي تفصح عنها، دون أن تنطق بها أو ترسم معالمها. وما جعلني أقبل التسليم بمجمل ما سبق، أي تشابه حالي بجوانب من أحوال مُخَاطِبي الطيور والحيوانات من ذوي الكرامات ومختلف صور الاصطفاء، هو أن حظوة الامتياز لا تندرج بدورها ضمن منطق السببية، مثلما أن الإصابة بالوَهَن وركوب دروب الهلاوس والأحلام، لا تجد دائما تفسيرها المعقول والمقبول في حياة المصابين بالعلل المزمنة، وفي ضوء الاختلاط الحاصل هنا وهناك، ومع ذلك فقد سعدت بكوني أصبحت أفهم لغة الطير. فمن يستطيع أن يمنعني من ذلك؟. اعترضتني في البداية، صعوبات عديدة وأنا انخرط في دروب الاستماع للطيور والتواصل معها، فواظبت على عمليات الاستماع إلى الطير مُحلقاً ومُزقزقاً، وفي كل مرة كنت أتوقف في الشارع أمام حركة الطيور في السماء، أو أثناء عمليات انتقالها فوق أغصان الأشجار داخل الحدائق العمومية، لألتقط المعاني التي تدور بينها، كنت أحيانا أنجح في إدراك بعض ما يدور بينها، وكانت تغيب عني في الآن نفسه، معانٍ أخرى من دلالات أصواتها. وكنت مضظراً لإكمال صور النقص التي أشعر بها، فيختلط علي الأمر أحياناً وأتساءل، هل أنا بصدد الاستماع إلى لغة محددة، أم بصدد إسقاط معان على نقرات متشابهة قصد فك منطوقاتها؟ وعندما كان يضيق بي الحال، كنت أستحضر مرويات الملك سليمان، فأتجنب الهواجس والهذيان، لأغرق في عمليات البحث عن الدلالات القائمة في الأصوات، مُحاولاً استكناه دلالاتها ومعانيها، مُبتسماً ومُتمتماً، بل ومقتنعا أحيانا بان ما يصلني من معان شبيه بالمعاني التي تستقر عادة في أذهان من يمتلكون مزايا ما أصبحت أمتلك.. 5- استغرق البحث في دلالة ما كنت أسترق السمع إليه، من أصوات الحيوانات والطيور أشهراً عديدة. لم أُحدث أحداً في الأمر، بل اعتبرت أن الموضوع يتعلق بي وحدي. لكن تَعَذُّر حصول التواصل بيني وبين من أواصل التحديق فيهم في الأعالي وفوق أغصان الأشجار، جعلني انتبه إلى أمر آخر، فإذا كنت مقتنعا بمرويات المأثور التراثي في حالة سليمان، فإن عسر تواصلي مع الطيور اليوم يجد تفسيره، كما أفترض في نمط التطور الذي عرفته لغة الطيور والحيوانات منذ زمن الملك سليمان إلى اليوم. إن عدم قدرتي على فك رموز منطوقات الطيور رغم الجهود الكبيرة التي بذلت، يعود إلى أن الجيل الجديد من لغة الطيور في زمننا، يختلف عن شبكة اللغة وملفوظاتها في زمن الملك سليمان. وما زادني اقتناعا بذلك، هو عمليات التهجين والاستنساخ التي تحصل اليوم، في مختلف مظاهر الحياة، فقد ساهمت التحولات البيئية والمناخية في إلحاق متغيرات جديدة بشبكة النطق والمفردات في الأصوات وفي اللغات، والطيور والحيوانات ليست استثناء في هذا الباب. فأدركت في غمرة ما أصابني أن الهدهد يتكلم اليوم لغة أخرى.. إن النعجة دولي، وهي محصلة تجربة في التطور الاصطناعي، تؤكد أن المُسْتَنسخ من الكائنات الحية، لا يتمتع كلية بنفس مواصفات المنسوخ، ومن هنا فإنني أتصور على سبيل التمثيل أن صوت دولي لم يعد مثل صوت النعاج قبل التهجين، ومثل أصوات النعاج والطيور في زمن الملك سليمان. تختلف أصوات فصائل الطيور الجديدة التي تملأ الغابات اليوم عن أصوات الطيور في أزمنة خلت، كما أن شدو طيور الأقفاص في البيوت وفي حدائق الحيوانات، يختلف عن شدوها وهي تعانق حريتها في السماء. وبناء عليه، فإن لغتي ومنطوقاتي تختلف عن منطوقات الملك سليمان، ويُسْر تواصله مع الهدهد والنمل يوازي عُسْر تعثري في فك مغلقات ملفوظات أصوات الطيور والحيوانات. إن التبريرات التي جعلتني في مفترق الطرق، حيث وجدت صعوبة في إدراك مختلف معاني حركة نطق الطير وأصوات النمل، ومختلف الحشرات التي تطير، جعلني أتبين أن فك أسرار نطق الطير، يستدعي الانتباه أيضا إلى الرموز الجديدة التي أصبح لها دور كبير في قواعد اللغات في زمننا المعاصر. ينتج مما سبق، أن الأمل في مخاطبة الطير وفك رموز الأصوات التي تصدر عنه ما يزال وارداً، إلا انه يستدعي فك الشفرة التي تنتظم في إطارها الزقزقات ومختلف اللوينات الصوتية المكونة لنظامه في التواصل. لم أسقط الأمر من حسابي رغم أنني تمكنت من تجاوز حالة الاختلاط التي لحقت صُوَّر نطقي، بفعل تمارين الحديث المروِّض للسان التي قمت وأقوم بها. **** ترتب عن كل ما دار بخاطري في ضوء الصعوبات التي واجهتها في النطق بسبب الشلل الذي أصاب ذات يوم نصف لساني. وبعد استعادة عافيتي، واصلت التحصن بموقف النبي سليمان الذي خاطب الطير وابتسم للنمل، وتحدث مع الجن. فقد رتبت بيني وبين نفسي عملية اقتناع بأن فهم بعض من لغة الطير يكون أفضل من عدم فهم أي كلمة منها. وهكذا أصبحت ألتقط أحيانا إشارات من الطير، لا تتعلق بعلاقتي بها، فهي لا تخاطبني في أمر يخصني مثلما حصل للملك سليمان، بل أفهم أصواتها وهي تخاطب بعضها، فأفترض أحاديثها المنمقة عن الشؤون الحميمية المشتركة بينها، وقد كفاني ذلك عناء البحث في علاقاتي بها، ومنذ ذلك الحين، أي منذ أن أختلطت كلماتي، أصبحت أتذوق شدو الطيور أكثر من السابق، وأصبحت أصواتها تملأ فضاء الكون أمامي بألحان وإيقاعات رقيقة ومُسلية. - - - * آخر عمود نشره الفقيد الكبير قبل غيابه ضمن أسبوعية «لا في إيكونوميك»، عدد: 20/ 62 شتنبر الجاري.