تعلن، مبدئيا، اليوم جائزة نوبل للآداب بالعاصمة السويدية ستوكهولم.. وككل عام، يقف الكثير من العرب عند الباب، ينتظرون صعود اسم عربي جديد، بعد 25 سنة (ربع قرن) من فوز الروائي المصري نجيب محفوظ بها. وكالعادة سيطرح الكثيرون السؤال: هل الأدب العربي يستحق؟. وهو سؤال فيه الكثير من التجني، لأن الأدب، كإبداع لا يقاس بالإنتماء القومي، بل بالإنتماء الإنساني، كتعبير عن أثر في الحياة. فالمعادلة ليست بقيم الإستحقاق للغة دون أخرى، أو ثقافة دون أخرى، أو قومية دون قومية، المعادلة هي أعمق من ذلك، مفروض. لأنه عليها مبدئيا أن تحلق في سماوات التقييم لمنتوج إبداعي يراكم أثرا في ذاكرة البشرية. هل هذا ما يحكم دوما الجهات المانحة للجائزة في ستوكهولم؟. الجواب الصريح هو: لا. لأنه ككل عمل بشري، فهو فيه بعض من أثر الذات، ومن أثر الرؤية المؤطرة بمرجعية ثقافية أو أدبية (وأحيانا سياسية). مما يؤكد مرة أخرى، لمن يحتاج إلى تأكيد، أنه في مجال مثل مجال الأدب، وفي مجالات العلوم الإنسانية عموما، فإن الأمور نسبية بدرجة عالية جدا. وبمنطق الأشياء، فإن أهل القرار، يطوقون أكيد ذواتهم بمنهجية اشتغال، الغاية منها ليس إرضاء أحد، بقدر ما غايتها تحقيق أكبر قدر من المصداقية للقرار وللإختيار وبالإستتباع للجائزة نفسها. ولن نعدم من يقول عن صواب: هل جائزة نوبل هي المقياس لأدبية الأدب؟ أليست أكثر من جائزة لها توليفة إعلامية نافذة ومؤثرة، وأنها مغلفة بأسطرة كغلالة تخلق وهما مستلدا من قبل جمهور المستهلكين؟. ليست الغاية هنا، تتفيه مبادرة عالمية مماثلة، متأسسة على صناعة تواصلية جد ذكية ومتقدمة واحترافية، بل فقط الإنتباه أن جمال الأدب (عربيا وعالميا) لا تمنحه هذه الجائزة ولا تزيله. بهذا المعنى، يحق لنا السؤال: هل كونها لم تمنح نفسها لشاعر كبير مثل محمود درويش، فإن ذلك يقلل من أدبيته الكونية والإنسانية؟. هل كونها لم تمنح نفسها لشاعر مثل أدونيس (الكردي الجميل، والعربي الأجمل)، يعني أن شاعريته مصابة بالعطب؟. هل كونها تتمنع على روائية مثل الأديبة الجزائرية آسيا جبار، فإن ذلك يقلل من روعة ما تنسجه شخوصها من جمال في مخيال قرائها؟. هل كونها لا تطل بغير قليل من الإنصاف على روائع الروائي الليبي إبراهيم الكوني، فإن ذلك يقلل من قيمة وألق تبره الشفيف الرائق؟. هل كونها لا تعترف بقوة الأجيال الأدبية الجديدة في بلاد العرب، من قيمة ووزن الروائي اللبناني ربيع جابر، فإن ذلك يقلل من قيمة «يوسف الإنجليزي» و «رحلة الغرناطي» و»دروز بلغراد» وغيرها من روائعه الفاتنة؟. هل وهل... إلى كل موصول لائحة الجمال الأدبي عربيا، في بعده الإنساني والكوني الرفيع. لا نحتاج لترسيم جواب هنا، فهو واضح، وضوح «الشمس في يوم جميل» كما تقول إحدى أغانينا المغربية. إن السر في جائزة مماثلة، كامن في ما تسمح به الآلية الجبارة من وسائط الإتصال التي تجري في ركابها وتدور في فلكها، من منح امتداد عالمي لأي اسم أدبي تختاره وكذا للثقافة التي صنعته وربته ورعته. بالتالي، فهي قناة للتعريف وليست إكلينيكا للولادة الجميلة للأدبية. والكثير من الأسماء العالمية الكبيرة في مجال الأدب، على امتداد القرن العشرين، لم ترى في الجائزة أكثر من لحظة للتباهي الإعلامي، الذي يحاول الركوب على سمو المنجز الأدبي لها، مما جعل بعض تلك الأسماء يرفض الحضور لتسلم الجائزة تلك ويبعث من ينوب عنه. بالتالي، أسمح لنفسي أن أحشر (بدون ادعاء) في زمرة من لا ينتظرون أبدا نتائجها، ولا تشكل هوسا قط، كضحية للتقنية التواصلية الإحترافية التي تمارس بها مؤسسة ضخمة مثل مؤسسة جائزة نوبل، إغراء الإنتظار عالميا. هي جائزة عالمية رفيعة نعم، لكن على المرء أن لا يترك النافذة مفتوحة طيلة الليل، مثلما يفعل أي عاشق ينتظر حمامة زاجلة من حبيب بعيد. على سماء الأدب أن تنام ملء جفونها، لأن شمس الجمال ستشرق في الغد على الأدب العربي سواء دق بابه السيد نوبل أو لم يدق.