تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (عن كتاب «رحلات إلى المغرب : 1899 1901 1903»، دو سيغونزاك) أما الأبناء الخمسة لمولاي عبد السلام فهم على التوالي: مولاي العربي، وهو الابن البكر ورئيس الزاوية والمؤتمن على "البركة"، ويعيش بين القصر الكبيرووزان، وكان نصف مجنون ومدمنا على الحشيش والأفيون وتدخين الكيف، غير أن جنونه لم يكن مؤذيا. وكان من غريب أحواله أنه يغادر على حين غرة مقرّه لينخرط في جولات طويلة بدون هدف ومن غير حراس اللهم أربع نساء ممتطيات جيادا من غير أسرجة..وكان الشرفاء يتعقبونه ويمسكون به ويجبرونه على العودة إلى الديار. وقد حلّ في السنة الماضية مع فريقه الغريب في زيارة لوزيرنا المفوض بطنجة..ولهذا كانت جميع شؤون الزاوية بين يدي كاتبه أو ابني أخيه مولاي أحمد ومولاي علي. وقد أنجب ثلاثة أبناء، واحد من عبدة سوداء وهو في الثامنة عشر من عمره واسمه مولاي الطيب، وابنتان إحداهن في الثامنة والأخرى في العاشرة وكلتاهما متزوجة من ابن عمها. الابن الثاني، مولاي أحمد، وقد مات مجنونا مخلّفا عبدة سوداء واثنين من الأبناء هما مولاي أحمد ومولاي علي. وقد تزوجا من بنات عمهما متّبعين في ذلك التقليد الإسلامي الذي يعطي لأبناء العم نوعا من حق الشفعة في ابنة العم ويدعو إلى الزواج بين الأقارب كوسيلة لاستمرار جودة الأصل وتمتين الروابط العائلية. ومولاي أحمد هو ذلك الشاب البدين الذي استقبلني بالأمس. أما مولاي علي فمن المنتظر أن يعود هذا المساء من حملة قام بها إلى بني مسارة. وأما الابن الثالث فهو مولاي التهامي، وهو يعاني كذلك من الاختلال العقلي ويوجد محتجزا في أحد المستشفيات قرب مرسيليا. أما الابنان الأخيران فيسميان مولاي علي ومولاي أحمد، تماما كابني عمّهما، وهما من ذرية الشريفة الإنجليزية التي تقطن في طنجة. هذا هو وضع الفرع الرئيسي لشرفاء وزان. أما الفروع المائة الأخرى المنحدرة من نفس الجذع، فتضاف إلى شجرة النسب ذات الأوراق المعقدة والمتشابكة. وهؤلاء في الغالب شرفاء معوزون نجد من بينهم أبناء كبارا بدّدوا ممتلكاتهم وينظرون بعين الحسد إلى الآخرين، وأبناء صاروا إلى العوز وانتهوا بامتهان التسوّل، وأبناء عمومة بعيدين، وأقارب يعيشون على الكفاف، وطفيليين يقتاتون من فتات الزاوية التي تصير بالنسبة للكثيرين بمثابة المؤسسة الأم التي تضمن الإيواء والطعام . وأخيرا فإننا أينما حللنا في المغرب نصادف شرفاء وزانيين. فقد رأيتهم في الريف، وفي سوس عند البربر، كما أنهم يوجدون في تافيلالت وحتى في واد درعة. قيل لي، قبل لحظات، بأن مولاي أحمد في انتظاري، لأن عمّه مولاي العربي في حالة صحية تمنعه من استقبالي، ولذلك أوكل إلى كاتبه مهمة أخذ علم بمشاريعي. كانت المقابلة قد امتدت لوقت طويل تداولنا فيها الكثير من العبارات التي لا أهمية لها، ولم يجر الالتزام من طرفهم بأي شيء. ذلك أن الديبلوماسية المغربية لا تقل عن ديبلوماسيتنا لطفا ومماطلة. وقد استعرض الشريف وكاتبه وفقيه مولاي العربي على أسماعي جميع أسماء شهداء الريف والأساطير العربية والإسبانية التي تجعل من هذه المنطقة البربرية قلعة للرعب. وأبلغاني بأن هناك شخصا وحيدا يمكنه أن يكون دليلي، وهو قريب فقير اسمه سي محمد، وكان قد تخصص في القيام بجولات لجمع الصدقات لفائدة الزاوية في المناطق البربرية. ويقيم سي محمد هذا في مدينة فاس، ولكنه يوجد الآن في سفر. وفي جميع الأحوال، فرئيس الزاوية مولاي العربي وحده هو المخوّل لكي يكلّفه بمهمة مرافقة مسيحي إلى أعماق الريف. عليّ إذن أن أتصل برئيس الزاوية وأن أحصل منه على رسالة اعتماد وأخيرا أن أعثر على سي محمد. لا يزال المطر يهطل.