تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (موسم حمادشة والدغوغيين لسنة 1916، جان هيربر) حوالي الساعة التاسعة صباحا، تظهر في الساحة مجموعة من الشباب، يحملون في أيديهم بلطات هائلة موجّهين أسنّتها إلى الأرض. يتقدمون ببطء رافعين جذوعهم وقاذفين بسيقانهم إلى الأمام في حركة شبيهة بحصان يسير خببا، تتعقبهم حشود من المارة، بينما تتكدس حشود أخرى على الأقواس وعلى سقوف الدكاكين المحيطة بالساحة الصغيرة، بينما تكتظ سطوح المنازل بالنساء المتفرجات على الحفل من خلف الحايك. يبدأ حملة البلطات العديدون في الوصول عبر الباب المشترك للمدينة والمسجد، ويكون بعضهم قد شرع في شجّ قمة رؤوسهم وهم يصيحون باسم الله، البعض الآخر يحملون بين أذرعهم جرّات كبيرة من الطين مملوءة ماء، يرمون بها في الهواء ثم يتلقّونها على رؤوسهم وهم يواصلون النداء باسم الله، تسمع زغاريد النساء اللواتي كان صفير الرجال يؤجج حماسهن ويزيد من اهتياجهن. يتدفق الدم غزيرا من الرؤوس، ويبرق تحت أشعة الشمس ويتجمد في بقع داكنة فوق الثياب. ولكي تصير الجروح أكثر عددا، يلجأ بعضهم إلى استعمال عدة بلطات في نفس الوقت لشجّ رؤوسهم، بينما يعمد رفاق لهم من المتعطشين إلى الدم إلى تجريدهم من بلطاتهم. بعض الأطفال، بعيون زائغة ومظهر متبلد، يقومون بتلطيخ وجوههم بواسطة أيديهم الحمراء من الدم، أو يتمسّحون برؤوسهم على برانس أولئك الذين لا يشاركون في الطقوس. هناك زنجي ضخم الجثة، متبوعا بجماعة من الشباب، يتحرك جيئة وذهابا بخطوات واسعة قالبا كل شيء في طريقه. أحد أعضاء الطائفة يبدو غير مبال باهتياج الحشود يستغرق في قرع رأسه على سندان، آخر أبعد قليلا يقذف بِكرة حديدية إلى الأعلى ويتلقّفها برأسه، وعندما تقع على الأرض يتسارع هو ورفاقه مثل وحوش إلى التقاطها. هناك دماء مسفوحة في كل مكان، وتنتشر في مجموع الساحة نكهة حريفة هي خليط من رائحة العرق والدم. تقترب الأصوات المختنقة للغيطة إيذانا بقرب وصول الطوائف، وعلامة على أن الاحتفال الطقوسي سيأخذ منحى جديدا. تبدأ الأعلام أولا بالظهور: حمراء، برتقالية، خضراء وزرقاء.. يرفعها قدماء الطائفة، يتقدمهم أحد الإخوان محملا بشموع خضراء وصفراء، وإلى جواره يسير عجل قد زيّن رأسه بمناديل النسوة من جميع الألوان. وبعدهم يأتي أعضاء الطائفة وقد اصطفّوا في شكل دوائر يرقصون بحسب الطقوس تحت رئاسة المقدّم، يصحبهم عازفو الغيطة والأكوال الذين يتقافزون فيما يوقّعون على آلاتهم. يجري إبعاد حملة البلطات ربما للاشتباه في إفراطهم في الهيجان أو لكونهم ينتسبون لطائفة الدغوغيين. غير أن بعضا منهم يواصلون التواجد داخل الدائرة المقدسة لحمادشة. وهم يضعون بلطاتهم أرضا، يركعون أمامها مشبّيكين أيديهم خلف ظهورهم علامة على الخضوع، ثم يتدخل المقدم ليفصل أيدهم عن بعضها فينهضون في إثر ذلك ويقبّلون كتفه، ودلالة ذلك أن البلطات الحادة ستكون رحيمة بأجسادهم. أعضاء آخرون يتمددون، صدورهم إلى الأرض، يمرّر المقدم يديه على أذرعهم لتمكينهم من البركة، وعندها يتأكدون من أن الله سيتولى تحقيق مرادهم. تتوالى ضربات البلطات وانبثاق الدم واختراق شباب حمادشة للحشود، ويتواصل تحطيم الجرار على الرؤوس، كل ذلك وسط ضوضاء تصمّ الأذان. غير أن طورا آخر من الاحتفال كان قد بدأ: الدور الأول الآن صار للراقصين. الله، الله، الدايم الله، المعبود الله. يقفز الراقصون من دون أن يغادروا مكانهم، تارة بأرجل مضمومة، وتارة بالتزام فاصل زمني بين الوثبات التي تقوم بها كل قدم على حدة، وتارة بالتأرجح مرتين على القدم الواحدة بالتناوب مع قذف الأيدي نحو الأمام. بعد الفراغ من الحركات الفردية تتوالى الحركات الجماعية على إيقاع موزون وغاية في التنظيم. وبين الحين والآخر يتدخّل بعض الإخوان أو أعوان القائد بواسطة النعال ليطردوا من الدائرة بعض المشاغبين الذي يشوّشون على القائمين بالشعائر المقدسة. ما زالت ضوضاء الحشد تملأ المكان، وتشتد صيحات النساء، وصفير الاستحسان، غير أن الأمر كله صار شبيها بطقس ديني تتخلله فوضى عارمة ومزعجة.