تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (موسم حمادشة والدغوغيين لسنة 1916. جان هيربر) يشكل حمادشة طائفة دينية تعمل على تمجيد وليّها سيدي علي بن حمدوش، أما الدغوغيون فيكرّسون طقوسهم للاحتفاء بصاحبهم سيدي أحمد الدغوغي. وليس بين هاتين الطائفتين أي نزاع أو خصومة، بل إنهما يعملان جنبا إلى جنب على أداء تمريناتهم الشعائرية، وبوسع بعض أتباعهما أن يغيّرا ولاءهما وينتقلا من هذه الطائفة إلى الأخرى من دون يلومهم أحد على ذلك. كما أنهما يقيمان احتفالهما في نفس اليوم، ومذهبهما واحد من الناحية الروحية، وكذلك الأمر بالنسبة لشيخيهما، فقد كان سيدي أحمد الدغوغي من المريدين والأتباع المخلصين لسيدي علي. ويذكر أوجين أوبان (1904) بأن الطائفتين تستقطبان أوسع الفئات المستضعفة بالمغرب، في شكل مجموعات من المتشنّجين والمعتوهين الذين يجدون ضالتهم في جملة من الممارسات كالغناء والرقص والجذب الديني تنتهي بهم إلى ذروة الانتشاء الصوفي...حيث يقوم حمادشة بتلقي ضربات قوية على رؤوسهم، ويتولى الدغوغيون تهشيم جماجمهم بواسطة بلطات حادة.. إن رؤية الدم يسيل على الوجوه، وقوة الروائح المنبعثة، وفرط الاهتياج الذي يكون عليه بعض هؤلاء المتعصبين..كل ذلك يستفز الشعور والفكر أكثر مما تفعل ذلك تلك الرقصات الطقوسية، متقنة الإيقاع، وربما لهذا السبب أحجم الرحالون الأجانب عن دراسة تفاصيل هذه الطقوس التي لم يكونوا يرون فيها سوى مظهرها "المقزز". وينتشر حمادشة والدغوغيون في جميع بقاع المغرب. غير أن أصل الطائفة هو بلاد زرهون، وخاصة مدينة مولاي إدريس التي كانت تربتها حتى السنوات الأخيرة تشكل "حُرما" للمظلومين وطالبي اللجوء. وإلى هذا اليوم من بداية الحرب (الأولى) ما يزال يقام بها الموسم السنوي لهذه الطائفة بطريقة حماسية لا نظير لها في أي مكان آخر من البلاد. وتستعد المدينة عن بكرة أبيها لإحياء هذه المناسبة على أرضية ساحتها الصغيرة الممتدة بغير اتساق بين هضبتين، وهي مغطاة بسطوح المنازل التي تأخذ شكل مدرجات شبيهة بمسرح يوناني سيكون فضاء لاحتفال الدم المنتظر. ويمتلئ المكان عن آخره بالسياح الذين يكون حضورهم أكثر إثارة لسخط حمادشة من نظرات الاستخفاف التي يسددها لهم أرباب الإسلام المحافظ. ومع أن هذا الاحتفال قد فقدَ ألقه القديم القائم في أصل نشأته، فإنني سأعمل على وصفه كما شاهدته هذا الموسم (1916) وأحاول ما وسعني ذلك أن أقدم تفسيرا لمجرياته. يقام احتفال سيدي علي بن حمدوش وسيدي أحمد الدغوغي في اليوم السابع بعد المولد النبوي، وهو يبدأ في الحقيقة انطلاقا من اللحظة التي تجتمع فيه الطائفتان وتتوجهان إلى بني راشد وبني أوراد. ويذكر أوبان الذي يصور هذه الطقوس بأن حمادشة كانوا يسيرون بموكبهم السنوي في اتجاه فاس قبل أن يحول انعدام الأمن في هضبة السايس بينهم وبين زيارة وليّهم. وهناك في واقع الأمر طقسان، الأول يقام عند انطلاق الحجاج، والثاني يتزامن مع موعد وصولهم. ويكون موعد الطقس الأول بمكناس ليلة الاحتفال، ويحتاج الزوار إلى ظهيرة بالكاد لعبور السهل الذي يفصل مكناس عن مدينة زرهون، ولقرب المكان فإن أطوار الاحتفال تجري خلال يوم واحد. وتكون البداية من بيت المقدم الذي يقدّم وجبة كسكس لأعضاء الطائفة قبل طلوع الشمس. وينطلق الاحتفال مع بداية النهار بموكب استعراضي يمرّ عبر أحياء المدينة تسبقه أعلام الطوائف ويسير في أعقابه الثور الذي سيقدم كذبيحة للولي وعازفو الغيطة. ويقوم القايد مصحوبا بالشرفاء بتوزيع الهبات على المشاركين، ويقدمون لهم العسل والخبز، أما النساء فيلتمسن البركة بربط مناديلهن إلى قرني الثور، أو يغرسن أقراص الخبز على رؤوس البلطات التي يحملها بعض أعضاء حمادشة. وتجري جميع هذه الأنشطة في الهواء الطلق عبر أزقة المدينة.