في وقت يواصل فيه القطاع السياحي بالمغرب تسجيل أرقام قياسية وانتعاشًا لافتًا، يسير مطار ورزازات في الاتجاه المعاكس، مسجلًا تراجعًا بنسبة 4 في المائة في عدد المسافرين عبر الرحلات الدولية، وفق معطيات المرصد الوطني للسياحة، في مؤشر مقلق يعكس اختلالات عميقة في تدبير الربط الجوي لهذه الوجهة السياحية. هذا التراجع يكتسي دلالة خاصة، لأنه يأتي في سياق وطني يتسم بدينامية قوية، حيث حققت عدة مطارات مغربية نسب نمو لافتة، من بينها الصويرة بنسبة 40 في المائة، والرباط ب30 في المائة، وطنجة ب23 في المائة، إلى جانب مراكش التي عززت مكانتها بنسبة نمو بلغت 11 في المائة، وهي أرقام تكرّس مفارقة صارخة بين وجهات مستفيدة من انتعاش السياحة، وأخرى تعاني من تراجع رغم مؤهلاتها. ويرجع مهنيون هذا التراجع أساسًا إلى توقف عدد من الخطوط الجوية الحيوية، وعلى رأسها خط لندن – ورزازات، الذي تم تعليقه نهاية أكتوبر 2025، ما أدى إلى فقدان تدفقات سياحية مهمة، خصوصًا خلال الموسم الشتوي. ويُتوقع أن تتعمق هذه الأزمة خلال سنة 2026، في ظل الغياب المستمر لهذا الخط الاستراتيجي. لكن ما يكشفه هذا الوضع يتجاوز مجرد توقف خط جوي، ليطرح إشكالًا بنيويًا في مقاربة تدبير القطاع. فحسب متتبعين، تم خلال الفترة الأخيرة التركيز بشكل لافت على الحملات الترويجية والأنشطة الإشعاعية، مقابل تراجع الدعم الفعلي للربط الجوي، ما خلق فجوة واضحة بين الترويج كأداة تسويقية، والولوج كشرط أساسي لجذب السياح. فالسائح، مهما بلغت جاذبية الوجهة، لن يصل إليها دون وسائل نقل مباشرة وميسرة. وتتعمق هذه المفارقة أكثر بالنظر إلى الدينامية الاستثمارية التي تعرفها ورزازات، حيث شهدت المدينة توسعًا ملحوظًا في الطاقة الإيوائية وارتفاعًا في عدد الأسرة السياحية، غير أن محدودية الربط الجوي تظل حجر عثرة أمام تحقيق مردودية هذه الاستثمارات، ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات المعتمدة، في ظل غياب الانسجام بين مختلف مكونات المنظومة السياحية. في هذا السياق، يوجّه عدد من الفاعلين أصابع الاتهام إلى المكتب الوطني المغربي للسياحة، باعتباره الجهة المكلفة بالترويج والتنسيق مع شركات الطيران، معتبرين أن الاستراتيجية الحالية لم تراعِ خصوصيات الوجهات الداخلية، ولم تواكب التحولات المتسارعة في قطاع النقل الجوي، خاصة فيما يتعلق بضمان استمرارية الخطوط الجوية وربط المدن بالأسواق الدولية الرئيسية. ويجمع مهنيون على أن الترويج السياحي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن عرض جوي قوي ومتنوع، مؤكدين أن إعادة تموقع ورزازات ضمن الخريطة السياحية الوطنية والدولية يمر حتمًا عبر تعزيز الربط الجوي وفك العزلة عنها، باعتباره المدخل الحقيقي لتحقيق تنمية سياحية متوازنة ومستدامة، في ظل منافسة متزايدة بين الوجهات المغربية. وبين استثمارات تنتظر عائدها، وخطوط جوية تتلاشى، يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تعيد الجهات المعنية تصحيح المسار قبل أن تفقد ورزازات موقعها في خريطة السياحة، أم أن الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد في ظل غياب رؤية مندمجة تجمع بين الترويج والولوج؟