مجموعة الجماعات الترابية الدارالبيضاء–سطات للتوزيع نموذجا تعد جهة الدارالبيضاء–سطات من أبرز الجهات بالمغرب من حيث الثقل الديمغرافي والاقتصادي، إذ بلغ عدد سكانها حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 ما مجموعه 7.651.967 نسمة، منها 5.605.152 بالوسط الحضري، كما تساهم بنسبة 32.2% من الناتج الداخلي الخام. ويعكس هذا المعطى مكانة الجهة باعتبارها القلب الاقتصادي والصناعي للمملكة، لاحتضانها العاصمة الاقتصادية وتوفرها على بنية تحتية قوية وتنوع مجالي يجمع بين المراكز الحضرية الكبرى والمناطق الصناعية والسهول الفلاحية والسواحل الأطلسية. وأمام هذا الثقل المجالي، أضحى اعتماد نموذج التعاون ضرورة لضمان التكامل والنجاعة في تدبير المرافق العمومية، خاصة في قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل. في هذا السياق، تم إحداث مجموعة الجماعات الترابية "الدارالبيضاء–سطات للتوزيع" في أكتوبر 2023 تنفيذا للقانون رقم 83.21 المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات، بهدف توحيد تدبير مرافق التوزيع عبر الشركة الجهوية متعددة الخدمات في أفق 2027 ولمدة 30 سنة. وتضم المجموعة عمالات وأقاليم الجهة، ويتكون مجلسها من 214 عضوا يمثلون مجالس العمالات والأقاليم والجماعات المكونة لها. وعلى المستوى المالي، تم تحديد مساهمات متفاوتة بين الجماعات بحسب حجمها، بما يعكس مقاربة تضامنية في تمويل المجموعة. وقد شهدت الدورة المنعقدة بتاريخ 25 دجنبر 2023 انتخاب السيدة نبيلة أرميلي، رئيسة مجلس جماعة الدارالبيضاء، رئيسة للمجموعة، إلى جانب انتخاب أربعة نواب وكاتب المجلس ونائبه، وفق ما تنص عليه اتفاقية الإحداث. كما عقدت المجموعة أول اجتماع لها في 18 أبريل 2024 خصص للدراسة والتصويت على نظامها الداخلي. ويتكون مجلس المجموعة من خمس لجان وظيفية تشمل الجوانب المالية والتقنية والقانونية والاجتماعية والتعاون، بما يعكس توجها مؤسساتيا نحو توزيع الاختصاصات وتعزيز العمل التخصصي. وخلال الدورة الاستثنائية المنعقدة في 12 شتنبر 2024، صادق المجلس على بروتوكول إنهاء خدمات شركة ليديك وتفويض مهامها إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات، في خطوة شكلت أول تجربة وطنية لتنزيل مقتضيات القانون 83.21 في مجال توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل. كما صدر قرار لوزير الداخلية بتاريخ 4 فبراير 2025 يقضي بتصنيف المجموعة ضمن الفئة الثالثة من الجماعات، وتمت المصادقة على تنظيم إدارتها والتأشير عليه في يونيو 2025، مما يعكس استكمال البناء المؤسساتي والتنظيمي. على مستوى الهيكلة، يعتمد التنظيم الداخلي للمجموعة نموذجا هرميا وظيفيا، تتصدره رئاسة المجموعة باعتبارها سلطة التوجيه والتمثيل، ويليها مدير يتولى التنسيق الإداري، بما يكرس فصلا نسبيا بين الوظيفة السياسية والوظيفة الإدارية. وتضطلع المصالح الإدارية والمالية بإعداد وتنفيذ الميزانية وضمان التوازن المالي، بينما تتولى مصلحة الاقتصاد المالي والتتبع والمراقبة تعزيز آليات التقييم وفق مقاربة التدبير المرتكز على النتائج. كما تضطلع المصلحة القانونية بضمان المشروعية، في حين تعنى المصلحة التقنية والعقود بالجوانب التقنية والتعاقدية المرتبطة بالعلاقة مع الشركة الجهوية. ويبرز مكتب الضبط والشكايات كواجهة إدارية لتعزيز التواصل مع المرتفقين وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. وباعتبار حداثة إحداثها، تركز هذه المجموعة في المرحلة الراهنة على جملة من الأولويات الأساسية، وفي مقدمتها مواكبة عملية نقل الاختصاصات، وضمان استمرارية المرفق العمومي في ظروف عادية ومنتظمة، وتتبع الاستثمارات، وتحسين العلاقة مع المرتفقين. غير أن حداثة التجربة تطرح جملة من المخاطر البنيوية المرتبطة بطبيعة النموذج التعاوني وتعدد المتدخلين. وتشمل هذه المخاطر أبعادا قانونية ومؤسساتية ناجمة عن تعقيد النصوص أو ضعف التنسيق، وتنظيمية نتيجة غموض الاختصاصات، ومالية بسبب احتمال عدم استقرار الموارد، وبشرية تتصل بنقص الكفاءات وصعوبات الاندماج، فضلا عن مخاطر تقنية ورقمية وأخرى مرتبطة بالحكامة وتضارب الرؤى. ولمواجهة هذه التحديات، يتعين على الإدارة تبني مقاربة استباقية تشمل تحديد المخاطر وتحليلها ووضع آليات للتخفيف منها مع تتبع دوري، عبر تعزيز الاستشارة القانونية القبلية، وضبط المساطر الداخلية، واعتماد برمجة مالية واقعية، وتطوير سياسة لتدبير الموارد البشرية، وتحديث البنية الرقمية وتأمين المعطيات، إلى جانب تكريس آليات حكامة تقوم على الشفافية والتشاركية ووحدة الرؤية الاستراتيجية. إن مجموعة الجماعات الترابية "الدارالبيضاء–سطات للتوزيع" تمثل تجربة نموذجية لتنزيل إصلاح تدبير مرافق التوزيع على المستوى الجهوي، وتعكس انتقالا من التدبير المجزأ إلى نموذج مندمج قائم على التعاون والتضامن والحكامة المؤسسية، مع بقاء نجاحها رهينا بقدرتها على تدبير المخاطر وترسيخ النجاعة والاستدامة في خدمة المرتفقين. (*) باحث في العلوم القانونية متصرف ممتاز بجماعة الدار البيضاء