دفعت حرائق الغابات المتفاقمة وموجات الحر الشديدة وارتفاع منسوب المياه السلطات المعنية في اليونان إلى تكثيف جهودها لحماية مواقع أثرية ثمينة تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنوياً. وتُدرّ هذه المواقع، المنتشرة في أنحاء البلاد، ملايين الدولارات على اليونان من عائدات السياحة، إلا أن وجود العديد منها في مناطق ريفية دفع المسؤولين إلى تأكيد ضرورة تحسين خطط الطوارئ، خصوصاً في حال إجلاء أعداد كبيرة من الزوار. وبعد دراسة استمرت ثلاث سنوات شاركت فيها مؤسسات علمية بارزة، حدّدت وزارة الثقافة اليونانية 19 موقعاً أثرياً تحتاج بشكل عاجل إلى تعزيز الحماية من المخاطر الطبيعية، مع خطط لتوسيع الجهود لتشمل مواقع إضافية بحلول عام 2030، في أول تقييم وطني من هذا النوع. وتشمل المواقع المعنية: أولمبيا المهدَّدة باستمرار بحرائق الغابات، ومسرح دلفي القديم المعرّض لانهيارات صخرية، وموقع ديون الأثري المعرّض للفيضانات. وصرح رئيس بلدية أولمبيا أريستيديس باناجيوتوبولوس لوكالة فرانس برس أن حماية الموقع، الذي يُعد مهد الألعاب الأولمبية ويضم ملعباً أثرياً ومجمّعاً دينياً واسعاً ومتحفين، تتطلب "يقظة دائمة". وأضاف في رسالة إلكترونية: "يبقى قلقنا مرتفعاً، لأن منطقة أولمبيا القديمة واسعة، وتضم مساحات خضراء كبيرة ونباتات كثيفة، غالباً ما تكون غير منظّمة وعشوائية". وتابع: "على الرغم من التدخلات الكبيرة التي نُفّذت، فمن الواضح أنها غير كافية وحدها لتلبية جميع الاحتياجات". وفي عام 2007، دمّرت حرائق الغابات البيئة الطبيعية المحيطة بالموقع، وأودت بحياة أكثر من 40 شخصاً في منطقة إيليس. بالإضافة إلى حرائق كبيرة اندلعت أيضاً في الأعوام 2021 و2022 و2024. وأشار رئيس بلدية أولمبيا أريستيديس باناجيوتوبولوس، في حديث لوكالة فرانس برس، إلى أن كميات الأمطار الكبيرة هذا العام أدّت إلى نمو كثيف للنباتات، ما يستدعي إزالتها قبل موسم الحرائق. وأضاف: "هذا العام، وبعد هطول أمطار غزيرة جداً، بنحو 40% فوق المعدل السنوي، ومع توقّع ظروف حارة وجافة خلال موسم الجفاف، ستكون النباتات وفيرة بشكل خاص". وقد خفّضت اليونان بالفعل ساعات زيارة موقع الأكروبوليس في أثينا لحماية الزوار من موجات الحر خلال أكثر فترات اليوم حرارة، لكن تزايد الظواهر المناخية المتطرفة يستدعي إجراءات أوسع. وخلال الفترة بين 2022 و2025، درس باحثون من الجامعة الوطنية في أثينا والمؤسسة الوطنية للأبحاث الظروف المناخية والجيولوجية في 19 موقعاً، مع تحليل الأضرار السابقة لتحديد مدى تعرضها للمخاطر مستقبلاً. وشملت الدراسة التعرض للحرائق والفيضانات وموجات الحر وارتفاع مستوى البحر، بمشاركة خبراء في المناخ والجيولوجيا والهندسة والترميم والعمارة ومواد البناء. وإلى جانب أولمبيا ودلفي وديون، ضمّت الدراسة مواقع براورون قرب أثينا، وفيليبي في الشمال، موكناي وميسيني وميستراس ومعبد أبولو إبيكوريوس في البيلوبونيز، إضافة إلى القصور المينوية مثل كنوسوس في كريت، ومدينة رودس القديمة، وجزيرتي ديلوس وساموس اللتين تواجهان تآكلاً ساحلياً. وساهم المرصد الوطني في أثينا ومركز "ديموكريتوس" للأبحاث في المشروع، الذي بلغت كلفته أكثر من 20 مليون يورو بتمويل أوروبي ووطني. وتهدف الخطة إلى تغطية شبكة تضم 40 موقعاً في اليونان بحلول عام 2030، وفق ما أوضحت وزيرة الثقافة لينا مندوني خلال مؤتمر الشهر الماضي. وصرحت مندوني خلال المؤتمر: "تتميّز بلادنا بكثافة عالية وانتشار جغرافي واسع للمعالم الأثرية المفتوحة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الطبيعية، ما يجعلها عرضة لتقلبات درجات الحرارة وارتفاع الرطوبة والأمطار الغزيرة والرياح". وأضافت: "التغير المناخي لا يخلق بالضرورة مخاطر جديدة بالكامل، بل يعزّز المخاطر القائمة ويزيد من تكرارها وحدّتها". وبحسب وزارة الثقافة، سيتم هذا العام تركيب أجهزة استشعار للحرائق في 21 موقعاً، إلى جانب إعداد خطط حماية لأكثر من 60 موقعاً أثرياً. وتُظهر البيانات الرسمية أن أولمبيا استقطبت أكثر من 300 ألف زائر في عام 2024، فيما تجاوز عدد زوار كنوسوس مليوناً، وبلغ عدد زوار دلفي أكثر من 290 ألفاً. وأضاف رئيس بلدية دلفي باناجيوتيس تاغاليس لوكالة فرانس برس إن انهيارات صخرية على طريق أمفيسا-ليفاديا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 تسببت في "مشكلات خطيرة للوصول إلى الموقع الأثري ومتحف دلفي، وكذلك للسكان والعاملين والشركات والزوار في المنطقة". وأشار إلى أن الوزارة ثبتت شبكات معدنية على المنحدرات الصخرية المطلة على الموقع، فيما قامت البلدية بفتح طريق ريفي قريب ليكون مساراً بديلاً للطوارئ للمركبات الصغيرة. وأضافت مندوني: "قبل عشرين عاماً كان إنشاء ممرات عازلة للحرائق في المناطق المحمية أمراً محظوراً تماماً… لحسن الحظ تغيّرت الذهنية الآن".