بداية، لن أنصب نفسي مدافعا عن هذه الحكومة، ولكني سأدافع عن المسلسل السياسي الذي أنتجها. هذه الحكومة وليدة تحول تاريخي شهده المغرب على مدى سنة لا ككل السنوات.. سنة الإصلاحات الدستورية والحراك الاجتماعي غير المسبوق. هذه الحكومة أنتجها مسلسل انتخابي استند إلى دستور جديد صوت عليه أغلب المغاربة، لذلك يجدر بنا أن ندافع عن حقها في العمل ونحكم على النتائج والحصيلة، فإن نجحت ربح الوطن ربحا مزدوجا، يتمثل أولا في حياة ديمقراطية وثانيا في تنمية مجتمعية شاملة، فإن أخفقت هذه الحكومة في الرهان الثاني، أي رهان التنمية، فإن الرهان الأول مضمون حتما؛ إذن وفق منطق الحساب والخسارة، سنربح دوما إن اتصف سلوكنا بالقيم الديمقراطية وتركنا لها المجال لتعمل دون ضغط ودون مزايدات تسيء إلى الوطن أكثر مما تسيء إلى حكومة الوطن.. عندما تصبح المزايدات إدمانا وتصبح السياسوية أداة لتصريف السلوكات المنافية للفكر الديمقراطي، عندها يصبح كل المغاربة مشاركين بهذا القدر أو ذاك في إغراق سفينة وطنهم.. وقياسا بعدة مؤشرات موجودة في واقعنا للأسف، من المتوقع أن تشهد الفترة الزمنية التي ستقضيها هذه الحكومة في الحكم أكبر الاحتقانات الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، وهم بهذا كمن يحكم على رضيع بكونه سيصلى جهنم فقط بناء على تخمينات أو لنقل متمنيات. وقد بدأت المزايدات منذ اليوم الأول لتعيين هذه الحكومة في مدينة تازة، وهذا لا يرتبط بما يمكن أن تنجزه وما تخطط لإنجازه، فالوقت مبكر جدا لطرح هذا السؤال، بل بوجود «تقليد» راكمه الفاعلون السياسيون والحقوقيون والاجتماعيون في المغرب يعتبر لغة المزايدات هي اللغة الرسمية لمن يريد أن يمارس حقه في «المعارضة»، حتى إن هناك سياسيين وحقوقيين «اشتهروا» في صفوف المعارضة في تاريخ المغرب بسبب «إتقانهم» لغة المزايدات، وعندما استفادوا بجهة من الجهات فإن «كفاءاتهم» الخطابية سمحت لهم بأن يصوغوا مبررات مضادة للوضعيات ذاتها التي كانوا يعارضونها.. خطاب المزايدات لم يستثن المواطنين العاديين، فالبعض لم يجد ما يزايد عليه، فانتقد حذاء رئيس الوزراء وكونه غير ملائم للبذلة، وآخرون انتبهوا إلى أن عقدة ربطة العنق قديمة ولا تتلاءم مع الموضة، وهناك من انتقد وزراء العدالة والتنمية في صورة جماعية لهم تظهر بعضهم يتكلم على الهاتف.. فلغة المزايدات أضحت عندنا ثقافة، ولأن المزايدات هي أخت شقيقة للنكران، فإنه مهما فعلت وخططت وحققت الحكومة الحالية لن نعدم الوسيلة لنجعل من مزايداتنا تبدو «فياقة» وحسا سياسيا ووطنيا.. حيث خرجت بعض الصحف بعناوين مثل «حكومة بنكيران تفشل في يومها الأول» و«انتكاسة المسألة النسائية في الحكومة الملتحية».. فهذه عناوين ليست لها أية معقولية لأن توقيت طرحها وخلفيات من طرحها تجعلها محض مزايدات.. ولأن المدمن على المزايدات هو أيضا شخص يعاني من فقدان الذاكرة، فقد حاول يساريون كانوا في الحكومة على مدى ثلاث عشرة سنة أن يحملوا الحكومة الجديدة مسؤولية ما وقع في تازة، ناسين أن معقولية نسبة وربط كهذين يجعلنا أيضا نحمل حكومة اليوسفي مسؤولية الخميس الأسود عندما ارتكب البصري مجازر في حق المعطلين بالرباط أسابيع بعد تولي اليوسفي مسؤولية الوزارة الأولى، فالحدثان والتوقيتان متطابقان، ذلك أنه في حالة اليوسفي سمعنا حديثا عن ديناصورات تقاوم التغيير، أما في حالة بنكيران فتم تحميله مسؤولية ما وقع في اليوم الأول لعمله، وكأن الديناصورات إياها انقرضت.. ولأن المزايدات هي غاية ما نتقنه في السياسة، فقد سمعنا أيضا أن استوزار امرأة واحدة هو انتكاسة للقضية النسائية وكأن تأنيث الحقائب هو الضامن الوحيد للاعتراف بالمرأة، وهذا الموقف صدر من مكونات سياسية وحقوقية تتعامل هي أيضا مع النساء بمنطق الأقلية، ونتساءل كم عدد النساء في الهياكل القيادية لأحزاب كالنهج الديمقراطي وحزب الطليعة والحزب الاشتراكي الموحد؟ كم امرأة استوزرها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إبان ثلاث عشرة سنة؟ لماذا «دفن» الاتحاد الاشتراكي نزهة بنشقرون في سفارة كندا؟ ثم هل منطق الكوطا هو اعتراف محترم لكفاءة المرأة؟ ماذا أضافت العشرات من النساء اللواتي استفدن من الكوطا النسائية التي تم اعتمادها منذ عقد تقريبا إلى المرأة المغربية؟ إن النقاش الحقيقي اليوم ينبغي أن يتجه إلى الجذور والأسباب لا النتائج، فالمشكلة الأولى هي وجود مشكلة ثقافية كبيرة في علاقة الحق بالواجب لدى المغربي اليوم، فمن أجل انتزاع حق في العمل يلجأ البعض إلى المساس بحقوق وممتلكات الآخرين؛ والمشكلة الثانية هي أن المسألة النسائية والحقوقية عامة هي مسألة يتم توظيفها غالبا من طرف وصوليين ووصوليات لا علاقة لهم بهموم الأغلبية الساحقة من النساء المغربيات البسيطات، وأنا الآن أتذكر أسماء لحقوقيات «مشهورات»، أو بالأحرى مغمورات لمعن أسماءهن بمعاناة البئيسات من المغربيات، فماذا فعلن على المستويات القانونية والثقافية لتكسير جدار ثقافة «الفحولة» في القوانين وتفسير القوانين؟.. أرجع وأقول لندع الحكومة الحالية تعمل، وستتاح لنا الفرصة جميعا لأن ننتقد أداءها، وبالتالي فتحكيم عواطف الانتماءات الإيديولوجية في إجراء «محاكمة» قبل الأوان لحكومة لم تعمل بعد، هو إقصاء ونحن الذين نطالب بالإنصاف.. وينبغي أن ننظر إلى ما يتم الآن على المستوى الاستراتيجي على أنه سيعزز دولة المؤسسات وسيعطي للشعب الثقة في العمل السياسي، وهذا مكسب كبير لن يتأتى لنا بالمزايدات.