طعن الاتحاد السنغالي لكرة القدم أمام محكمة التحكيم الرياضي    رحيل صاحب رائعة "أناديكم".. وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن 71 عاماً بعد مسيرة حافلة بالأغاني الملتزمة    مجد "الغاروم" المغربي    تصاعد مقلق للسل خارج الرئة في المغرب    تتويج مبادرات تربوية متميزة يختتم النسخة الثانية من "منتدى المدرس"    تيار اليسار الجديد المتجدد حقيقة تقض مضجع البيروقراطية التحكمية    المغرب.. توافد أزيد من 1,3 مليون سائح في يناير 2026    توقيف خمسة أشخاص بالدار البيضاء بعد نزاع عنيف تخلله رشق بالحجارة ومحاولة إضرام النار    موهبة اياكس ريان بونيدا يحسم اختياره بين المغرب وبلجيكا لصالح "أسود الأطلس"    بايتاس: 1,15 مليون كساب استفادوا من الشطر الأول من البرنامج الوطني لإعادة تشكيل القطيع الوطني        إصرار حكومي على إبقاء الساعة الإضافية!    جمهورية التشيك تعرب عن تقديرها الكبير لريادة جلالة الملك    الحب وحده ليس كافيا    لعل الجزائر عائدة إلى "التاريخ"... من مَعبر الصحراء المغربية    السردية الوطنية للخطابي ومساءلة اللفيف الأجنبي الجديد    بوريطة: المغرب يعتبر أن الضفة الغربية واستقرارها أمر أساسي لنجاح أي عملية تتعلق بقطاع غزة    الحكامة الترابية في زمن المخاطر... من تدبير الكوارث إلى هندسة الوقاية الاستباقية    هل فشل العمل الجمعوي في المغرب أم فشلنا في فهمه؟        الحملات الانتخابية السابقة لأوانها فضحت واقع الأغلبيات الهجينة    مجلس الحكومة يقر تعديلات جديدة لتنظيم تجارة السمك بالجملة وشروط الترخيص    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    كلميم.. "فيدرالية اليسار" تستنكر خرق شركة النقل لدفتر التحملات وتطالب بالتدخل لوقف الزيادات الأحادية    بايتاس: تلقينا نحو 68 ألف طلب للاستفادة من دعم النقل    الجابر يحصد جائزة "القيادة العالمية"    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا        استئنافية طنجة تُخفّض عقوبة التكتوكر آدم بنشقرون    البرلمان الأوروبي يوافق على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة بشروط    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الخميس والجمعة بعدد من مناطق المملكة    بنسعيد: وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي تتجاوز آليات المراقبة الأكاديمية    معرض يحتفي بالمكسيكيات في الرباط    الحرب تؤجل قرعة نهائيات كأس آسيا    العصبة الاحترافية تتسلم رسالة ودادية    بعد المواجهات التي خلفها فتح طريق لمقلع أحجار بقلعة السراغنة.. مطالب باعتماد الحوار بدل القوة        توقيف المغني Gims رهن التحقيق.. هل تورط في شبكة دولية لتبييض الأموال؟    مونديال 2026.. المرحلة الأخيرة من بيع التذاكر تفتح في الأول من أبريل المقبل    فينيسيوس يحسم الجدل: مستقبلي مع ريال مدريد ولا أفكر في الرحيل    كفاءة مغربية تنضم لخبراء "S&P Global"    مكناس تحتضن الدورة ال18 للمعرض الدولي للفلاحة في صيغة موسعة تمتد لتسعة أيام    المكتب الوطني المغربي للسياحة يعزز الشراكة مع الفاعلين الأمريكيين ويعزز ثقة السوق في وجهة المغرب    صحيفة La Razón الإسبانية: المغرب وإسبانيا... تحالف أمني نموذجي في خدمة استقرار المتوسط        فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    اليابان تواصل اللجوء للنفط الاحتياطي    صدمة ‬أسعار ‬المحروقات ‬تكشف:‬ المغرب ‬يضاعف ‬زيادات ‬الأسعار ‬مقارنة ‬مع ‬دول ‬أوروبية    مدرب إسبانيا: لامين يامال موهبة فريدة ولمساته سحرية    دولة تنهار وأخرى تتقهقر    ترامب يؤكد أن إيران تريد اتفاقا لإنهاء الحرب وطهران تقول إن لا نية للتفاوض    الجيش الإسرائيلي يشن ضربات "واسعة النطاق" في إيران وطهران ترد بصواريخ على إسرائيل ودول خليجية    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأطفال ذاكرة الأمة
نشر في ميثاق الرابطة يوم 29 - 04 - 2011

إنه لا توجد أمة تملك مثلما تملكه أمة الإسلام من ماض عظيم، وتاريخ مجيد، يطلب منها فقه الواقع السير على منواله، والاقتداء بهداه، وعلى منهاج هذا الماضي نجدد حياة أطفالنا لتحقيق آمالنا وآمالهم معا، وفهم آيات الله في الكون وتدبر ما تحمله من دلالات على الله وإشارات لنزداد علما بخالقنا، وبمثل هذا التصرف الحكيم نعالج مشكل التأصيل الأخلاقي والعملي لدى الأجيال الصاعدة.
والحضارات الإنسانية ليست ملكا لجيل بعينه من الأجيال، ولا هي وقفا على جيل دون الآخرين، ولا تفردت بها عقليات خصصت لها، لأنها صرح هائل قد أسهمت فيه كل الأجيال بنصيب، وهي محكمة الترابط متينة الحلقات، يؤثر الجيل السابق منها في اللاحق وتتأثر الأجيال الحاضرة منها بالماضية، وتستمد المستقبلية ما يجيئ به الحاضر، وحضارة الإسلام تمقت التعصب ولا تقبله، وتنهى عن الإقليمية ولا ترغب فيها وتحذر من الاتكالية والجمود.
والقناة التي من خلالها ننفذ إلى عقول الأطفال وقلوبهم، هو صمود هذه الأجيال من الأطفال طيلة ألف عام أو يزيد، كان هو العمق الروحي واليقين الإيماني، والسنن الإلهية وما لها من أثر في نهضة الأمم والشعوب، وما الغفلة عن ذلك إلا السير وراء الخرافات والأوهام، الذي أوصل أمة الإسلام إلى الإنهيار والتخلف، في حين كان عليها الأخذ بمفاتيح العلم وطرق كل باب من شأنه أن يوصل إلى الهدف الحضاري لتستقيم لأطفالنا حياتهم وما ينسجم مع الأقوال والأفعال، والنوايا والمعتقد.
ولتجلي معاني التطور لدى الأطفال، فلابد من مراعاة تطور الحياة للوصول إلى ما فيه الخير، والمناسب لأزمانهم وأمكنتهم، لأن الحياة تتطور وتتغير، وبهذا المنظار نستطيع أن ندلهم على آفاق المسالك وسط العوائق المحيطة والملابسات المصاحبة لنموهم العقلي والجسمي والاجتماعي، لذا أرى من الواجب إدراج فقه العمل والإرادة والجودة والإتقان، ولأن مكانة الأطفال في المجتمع لا تظهر من خلال أعمالهم إلا بما قيل: فقيمة كل امرئ بما يحسنه، وللتنبيه يجب أن يقال: لأن الأمة لما تقاعست وبان فيها الإبتعاد عن تعاليم الإسلام، انطفأت جذوتها العملية، ليحل محلها الأوهام والجمود، وانكفأت للمدائح والرقص، وكأن الدنيا ما خلقها الله إلا لهم.
والإرادة الحازمة هي نافذة النجاح وقنطرة العبور إلى الوصول إلى الغايات، ولا يتحقق ذلك إلا سيرا على الدرب الذي رسمه لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو سلكناه مع أطفالنا بما هيأ الله لنا من الأسباب لأغدق علينا سبحانه بالنعم والبركات مصداقا لقوله تعالى: "ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والاَرض" [سورة الاَعراف، الآية: 96]، وكل شعار لا يحقق لأطفال الأمة المناعة الثقافية والعقدية فهو شعار زائف، وتيار يلقون في أمواجه وهو شيء مخيف، وهم لا يحسنون السباحة في اندفاعه الجارف؛ لأنه يصرخ بافتقاد قيم العطف والحنان من الآباء والأمهات، مما يدمر تواصلهم مع أطفال الدنيا، وهنا يجب تصحيح كثير من المفاهيم التي لا تستند إلى حجة أو واقع، ويجدر بنا أن نرنو إلى هذا الطفل وهو يخاطب أباه وأمه اعترافا بفضلهما على لسان الشاعر القائل:
يا والدي أنا غرسة من غرسك الجميل
إذ أدبتني ورعيتني وهديتني خير السبيل
وحنان أمي نسمة كرقيق أنسام الأصيل
ما بين أمي وأبي أتفيأ الظل الظليل
واللغز الذي يجب أن يعرفه الكل: أن البون بيننا وبين الأطفال شاسع في الوعي والفهم، والإدراك وفقه الأشياء، والتأمل والبحث، ولا ينبغي إنكار أنهم جديرون بالحب والحنان، والشفقة والرحمة، والأطفال في كل زمان ومكان هم الحياة لها لون آخر وطعم آخر، وامتداد وثراء وهم للآباء رجاء الطفولة الذاهبة والشباب الغابر، والخلود في مستقبل الأيام مع امتداد العمر، وعز الحاضر وسخاؤه، ورحم الله العلامة عبد العزيز البشري لما قال حين سئل عن حبه الأوحد ومبلغه: [هؤلاء هم أكبادنا، فإذا غابوا عنا إلا شعرنا بنقص في نفوسنا، بل هم أحسن مافي نفوسنا حتى يردوا علينا، بل إنه ما اجتمع بهم شملنا إلا شعرنا بأنهم قطع فصلت عن نفوسنا].
وللوصول بالأطفال إلى الرقي المادي والمعنوي الذي به يدركون أسرار الخلق وجلال الخالق العظيم، لابد أن يزرع في أذهانهم أن عالمية الإسلام، تعني عالمية الزمان والمكان، وعالمية المعالجة، وبهذه المعالجة العالمية يستطيع الأطفال تغيير وجه الحياة على الأرض، وكشف أسرار هذا الكون، وتمييز الخير من الشر، والنافع من الضار والإنسان يوم يتسلح بالشرع والعقل يكون كما قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله: [أنموذج من نور الله]، وكما وصف ذلك الجاحظ رحمه الله: [وكيل الله عند الإنسان].
والعبد الصالح الله تعالى يحفظ أولاده من بعده، ويشملهم برحمته ورعايته، والبيئة الصالحة المستقيمة لها أثرها البالغ في حياة البنين والبنات؛ لأن الله سبحانه وتعالى يمهد لهم طريق الخير والهناء، ويذلل أمامهم المشاق والصعاب، فتسير بهم الحياة مطمئنة آمنة يغمرها الهدي والصلاح، ولدينا من توجيهات ديننا ما يحفزنا أن نسرع الخطى لبناء مستقبل الأطفال، وتحويل الأفكار إلى برامج نافعة، وفهم واع وإدراك صحيح وانتماء للدين والأوطان، والتبصر بأحوال البلاد والعباد، وصرف الهمة إلى اتباع الحق والصواب، حتى يكونوا أقوياء بالله يجري الحق على ألسنتهم وقلوبهم وكره النفاق، وبغض التملق قال تعالى: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر" [سورة الكهف، جزء من الآية: 29].
والله تعالى عهد إلى المسلمين أن يحرروا البشرية من الوثنية والأوهام، وما دام خط الحياة محفوفا بالإرهاقات فالنجاة لعبوره هي إصلاح الأطفال، وغرس الثقة بالله، والتوكل عليه في كل شيء، حتى يدكوا صروح الإلحاد، وتصبح كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والتقدم البشري في عصرنا هذا يحسب بالدقيقة والثانية، والمشاكل تنطلق كالمارد من القمقم أمامهم، ولا مناص من لحاق المتقدمين؛ لأن الإسلام يدفع إلى الاستمرار في استغلال الوقت والجهد، والتعاون والتشارك لتحقيق الذات في عزة الإيمان.
ألا ما أحوج الطفولة اليوم إلى أهمية العود الحميد للنبع الأصيل لتعود لنا بعود الأطفال إليه صورة مشرقة للحياة الآمنة والعيش الهنيء، والإيمان يهب أتباعه بصيرة كاشفة تنمو من خلالها المفاهيم الإسلامية للتخلص من براثن حضارة العصر الزائفة التي جعلت الإنسان في العالم المتقدم يفقد إيمانه لموت ضميره، والأطفال في الإسلام يحتاجون إلى كبح الأثرة الجارفة من نفوس خاوية لا تجد برد الإيمان.
والأمة إذا كانت ترغب أن تخرج من وضعها الآسن إلى فضاء أحسن، عليها أن تبث في أطفالها أن الإيمان مرهون بالعمل، ليعملوا بكل طاقاتهم لخلق حياة دنيوية رغدة توصل إلى حياة أخروية خالدة، والعود إلى القرآن وفهمه وتدبره ثم العمل به بدل الشرود، وإبعاد الإسلام عن قيادة الإنسانية من النكبات القاصمة، لم يعرف البشر لها نظيرا في كل ما أحاق بها من نكبات، وفصلت عن سياقها الإنساني فأضحت جسدا بلا روح، وكل جهد يبذل اليوم في الحديث عن سماحة الإسلام، وصورته الحقيقية التي تعرضت للتشويه والتخريب، ليس على يد أعدائه، وإنما على يد كثير من أبنائه ومعتنقيه، ولن يعيد إليه نصاعته وصفاءه إلا أطفال لم يرتعوا ذل الاستغلال، وإنما تذوقوا طعم القيم الكريمة التي جاء بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الأمل لتجسيدها واقعا حيا في دنيا الناس حتى نسعد ونكرم، وحتى تكون هذه الأمة من جديد أمة قائدة ورائدة قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه" [سورة الاَعراف، جزء من الآية: 58].
وصلاح الأطفال ينتج ثمارا صالحة هي النبل والكرم المخلوط بأدب ودين، مصفى بنقاء السريرة والعمل على بصيرة لصنع قلعة من قلاع الصمود على الأرض، والنموذج الرائع يتأسى به غيرهم لتزداد قلاع العلم الحضاري، لتشغيل الأيدي العاطلة، والنهوض بالقوى العاملة وهذا يتطلب توجيها مستنيرا لا تعارض فيه بين الإسلام والتقدم، ومخزونا ثقافيا ومشروعا حضاريا يتضمن كل خصائص الثبات والاستقرار والمحافظة على الهوية، وعدم الذوبان في الآخر، ويكفي أن الأنساق الثقافية لحضارتنا تميز بأنها إنسانية وعالمية جوهرها التعايش والتسامح وصيانة كرامة كل آدمي قال تعالى: "ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" [سورة الاِسراء، الآية: 70].
والمعول هم الأطفال لتفنيد مزاعم المشككين في الإسلام عقيدة وتاريخا وحضارة، فهم إن شاء الله خير من يبرز ذاكرة الأمة ورصيدها الحضاري باعتبارهم الكاشف عن حقيقة ذاتها وطاقاتها لبعث جديد للقيم في نفوس أبنائها وبناتها، والمضي لمعالم طموحاتها وآفاق مستقبلها وكما قيل: مكانة الشوامخ لا تقاس بالأجسام والأشكال ولكن تقاس بالأخلاق والفعال والأعمال ومكارم الطباع، وصدق الله العظيم إذ يقول: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" [سورة النحل، الآية: 128].
وختاما أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يهدي فلذات أكبادنا سبل السلام، وأن يجنبنا وإياهم التواكل والآثام، وأن يغفر لنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، وأن يدخلنا فسيح جناته إنه سميع مجيب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين آمين والحمد لله رب العالمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.