1. الرئيسية 2. افتتاحية فضيحة امتناع تصويت أمريكا وأوروبا على أن العبودية أفضع جريمة ارتكبت ضد الإنسانية! الصحيفة - افتتاحية الخميس 26 مارس 2026 - 0:07 في لحظة اعتبرت خطوة تاريخية وانتصار للعدالة الدولية والذاكرة الجماعية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، قرارا يصف تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي والعبودية القائمة على أساس عرقي بأنها "أفظع جريمة ارتكبت ضد الإنسانية". وجاء القرار بأغلبية ساحقة بلغت 123 دولة، في مقابل معارضة 3 دول فقط (الولاياتالمتحدة، إسرائيل، والأرجنتين)، بينما اختارت 52 دولة (معظمها أوروبية) الوقوف في منطقة الظل عبر "الامتناع عن التصويت". ويمثل هذا التصويت "سقوطا مدويا" للخطاب الأخلاقي الذي تتبناه الولاياتالمتحدة والدول الأوروبية. فهذه الدول التي نصّبت نفسها "شرطيا عالميا" لحقوق الإنسان، وتعمل على إصدار تقارير سنوية تُحاكم فيها سجلات الدول الأخرى حقوقيا، وتستخدم ورقة "القيم الكونية" لفرض عقوبات وخنق اقتصادات دول برمتها، عجزت في لحظة الحقيقة عن إدانة الجريمة التي أسست لنهضتها الحديثة. وامتناع دول مثل فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، وهولندا عن التصويت ليس مجرد "موقف دبلوماسي"، بل هو فضيحة أخلاقية مكتملة الأركان، والتصويت كشف أن "حقوق الإنسان" في العرف الغربي هو أداة "سياسية" تُستخدم للضغط على الآخرين، وليست "مبدأ كليا" يطبق على الذات. وبعد صدور نتيجة التصويت تساءل الكثير من المتتبعين وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بطرح الأسئلة من قبيل: كيف يمكن لهذه الدول أن تقنع العالم بصدق دفاعها عن الحريات اليوم، وهي ترفض الاعتراف قانونيا ببشاعة استعباد ملايين البشر على أسس عرقية في الأمس؟ ولم يكن "هروب" الغرب من التصويت نابعا من إنكار وقوع العبودية، بل من الخوف من التبعات التي تلي هذا الاعتراف، وتتلخص خلفيات هذا الرعب في ثلاثة محاور من أهمها فوبيا "التعويضات المالية"، حيث أن التصويت ب "نعم" يعني إقرارا قانونيا بأن ما حدث هو "جريمة ضد الإنسانية". هذا التوصيف يفتح الباب واسعا أمام الدول الأفريقية للمطالبة ب "جبر الضرر" والتعويضات التريليونية، خصوصا أن الغرب يدرك أن بنوكه، ومصانعه، وبنيته التحتية بُنيت بدماء وعرق المستعبدين، وأي اعتراف رسمي هو بمثابة صك مديونية تاريخي لا يطيق دفعه. كما أن الامتناع عن التصويت أعاده البعض إلى الخوف من انهيار السردية التاريخية الغربية، حيث أن تبني القرار ينسف الرواية القائمة على أن الغرب هو مهد "التنوير" والديمقراطية، والاعتراف يحول هذه الدول في سجلات الأممالمتحدة من "رواد حضارة" إلى "كيانات قامت على الإبادة والاستغلال"، وهذا التغيير في السردية يغذي الحركات المناهضة للعنصرية داخل المجتمعات الغربية نفسها، مما يهدد الاستقرار السياسي الداخلي. إضافة إلى كل هذا، يخشى الغرب أن يؤدي اعترافه بجرائم الماضي إلى تجريده من سلطة "الانتقاد" في الحاضر، وبمعني زصح تجريده من السلاح الأخلاقي. فبمجرد أن يُسجل عليه رسميا ارتكاب أفظع جريمة في التاريخ، سيفقد حقه الأخلاقي في إعطاء الدروس للآخرين، وهو ما ترفضه العقلية الاستعمارية التي لا تزال ترى نفسها فوق المساءلة. كما تخشى أوروبا تحديدا من أن يصبح هذا القرار "سابقة" تُبنى عليها مطالبات أخرى تتعلق بالاستعمار الحديث، من نهب الآثار، وتدمير الثقافات المحلية.، وبالنسبة لبروكسل وواشنطن، فإن فتح ملف العبودية هو "صندوق باندورا" الذي إذا فُتح، فلن يُغلق حتى يتم تفكيك كامل الهيمنة الغربية القائمة على إرث التمييز. باختصار شديد، وضع هذا التصويت العالم أمام حقيقتين، أولها أن هناك "دول الجنوب" التي تسعى لاسترداد كرامتها التاريخية، و"دول الشمال" التي تتحصن خلف مصالحها المالية، وترفض الاعتذار وتخشى المحاسبة، والتصويت اليوم في الأممالمتحدة كان بمثابة اللحظة التي أثبتت أن "العدالة" عند القوى الكبرى تنتهي تماما حيث تبدأ "المسؤولية".