1. الرئيسية 2. الشرق الأوسط مصر غارقة في الظلام.. سريان قرار "ترشيد الكهرباء" يفرض إغلاقا يوميا شاملا ابتداء من التاسعة مساء بما يشمل القاهرة ويستثني السُّياح الصحيفة - بديع الحمداني الأثنين 30 مارس 2026 - 12:00 بدا المشهد الليلي بشوارع العاصمة المصرية القاهرة، غريبا خلال اليومين الماضيين، بعدما بدأت السلطات تنفيذ قرار "ترشيد" استهلاك الكهرباء في ظل ارتفاع أسعارها الناجم عن أزمة الطاقة الدولية بالموازاة مع الحرب في الشرق الأوسط، حيث غرقت المدينة ذات ال26 مليون نسمة في "ظلام قسري" شأنها شأن باقي المحافظات، فيما جرى استثناء المناطق التي تستقطب السياح. وابتداء من مساء أول أمس السبت، دخلت مصر مرحلة جديدة من تدبير الطلب على الكهرباء عبر حزمة إجراءات استثنائية تروم احتواء كلفة الاستيراد والحفاظ على استقرار الشبكة الوطنية، في ظل ضغوط متزايدة فرضتها التطورات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة الحرب على غيران التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، وما نتج عنها من تقلبات حادة في أسعار الوقود. وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي عن شروع الحكومة في تنفيذ خطة عاجلة لترشيد استهلاك الطاقة، تمتد مبدئيا لشهر قابل للتمديد، مبرزا أن فاتورة استيراد الوقود عرفت قفزة كبيرة خلال فترة وجيزة، إذ ارتفعت من نحو 1,2 مليار دولار في يناير 2026 إلى حوالي 2,5 مليار دولار في مارس من السنة نفسها، وهو ما فرض، بحسبه، تدخلا سريعا لتفادي انعكاسات أعمق على المالية العمومية وتوازنات الاقتصاد. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه منظومة الكهرباء في مصر، حيث تعتمد البلاد بشكل ملحوظ على استيراد الغاز الطبيعي المسال والمنتجات البترولية لتأمين حاجياتها، ما يجعلها عرضة لتقلبات السوق الدولية، وفي هذا الإطار، شدد المسؤول الحكومي المصري على أن الإجراءات المعتمدة تستهدف تحقيق توازن دقيق بين ضمان استمرارية الخدمات الأساسية وعدم تحميل الاقتصاد أعباء إضافية، مع الحفاظ على استقرار الشبكة الكهربائية. وشملت التدابير المعلن عنها تقليصا ملحوظا في أنماط الاستهلاك، من خلال فرض إغلاق المحلات التجارية والمطاعم والمراكز التجارية ودور الترفيه عند الساعة التاسعة مساء، مع تمديد التوقيت إلى العاشرة ليلا خلال عطلة نهاية الأسبوع والمناسبات الرسمية، على أمل أن يسهم هذا القرار في تقليص الطلب على الكهرباء، خصوصا في فترات الذروة المسائية، التي تشهد عادة أعلى مستويات الاستهلاك. وأقرت الحكومة أيضا خفضا بنسبة تصل إلى 50 في المائة في إضاءة الإعلانات بالشوارع، إلى جانب تقليل إنارة الطرق والفضاءات العمومية، بما فيها الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة، الذي تقرر إغلاقه في حدود الساعة السادسة مساء، وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقاربة تروم تقليص "الاستهلاك غير الضروري" دون المساس بشروط السلامة العامة، وفق ما أوردته السلطات. ولم تقتصر الخطة على الجانب الكهربائي فقط، بل امتدت لتشمل استهلاك الوقود، حيث تم تقليص مخصصات البنزين والسولار للمركبات الحكومية بنسبة 30 في المئة، في خطوة تستهدف خفض الضغط على الموارد الطاقية وتقليل النفقات المرتبطة بها داخل الجهاز الإداري. كما تقرر إبطاء وتيرة إنجاز المشاريع الكبرى كثيفة الاستهلاك للطاقة لمدة شهرين، من أجل إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية. وفي السياق نفسه، جرى اعتماد نظام العمل عن بعد يوما واحدا في الأسبوع، هو يوم الأحد (اليوم الأول من الدوام الرسمي في مصر)، بالنسبة للعاملين في القطاعين العام والخاص، باستثناء الأنشطة الإنتاجية والخدمات الأساسية والمؤسسات التعليمية. ويُتوقع أن يسهم هذا الإجراء في تقليل التنقلات اليومية، وبالتالي خفض استهلاك الوقود والكهرباء في آن واحد. ورغم الطابع الشامل لهذه الإجراءات، حرصت السلطات المصرية على استثناء عدد من القطاعات الحيوية والسياحية من القيود المفروضة، من بينها الصيدليات ومحلات المواد الغذائية، لكن المثير للانتباه أيضا هو أنها استثنت المنشآت السياحية في مناطق رئيسية مثل الأقصر وأسوان وجنوب سيناء والغردقة ومرسى علم في البحر الأحمر، وذلك بهدف الحفاظ على "دينامية القطاع السياحي" الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. ويأتي تفعيل هذه الحزمة في أعقاب قرار سابق برفع أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وهي زيادات أقرت الحكومة بأنها لا تغطي سوى جزء محدود من الارتفاع الكبير في كلفة الاستيراد، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في ظل استمرار التقلبات الدولية. هذه الإجراءات، ورغم غصرار الحكومة على "ضرورتها" في الظرف الراهن، إلا أنها لا تلقى ترحابا عاما من المصريين، إذ يرى العديد منهم أنها تعيق السير العادي للحياة الاجتماعية، كما قد يكون لها انعكاسات مباشرة على النشاط الاقتصادي اليومي، خاصة بالنسبة للتجار وأرباب الخدمات الذين قد يتأثرون بتقليص ساعات العمل، فضلاً عن تأثيرها المحتمل على وتيرة الاستهلاك الداخلي. فيي المقابل، يعتبر المؤيدون لها أنها ستخفض بشكل كبير مستوى استهلاك الطاقة، وستُسهم في تفادي سيناريوهات أكثر صعوبة، مثل اللجوء إلى انقطاعات مبرمجة للكهرباء، كما قد تدفع هذه الأزمة إلى تسريع توجه مصر نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة، في محاولة لتقليص التبعية للأسواق الخارجية وتقوية الأمن الطاقي على المدى المتوسط والبعيد.