عاصفة انتقادات تلاحق أخنوش.. العلمي: ما حدث مصيبة.. الأزرق: “ساهام” وحدها قوة سياسية في الأحرار !    دورات تكوينية حول معالجة طلبات الحصول على المعلومات    تقرير رسمي : الحسيمة تسجل أقوى الارتفاعات في أسعار المواد الغذائية وطنيا في 2019    معرض الفرس بالجديدة.. مشاركة أكثر من 700 فارس من 40 بلدا    هذا هو برنامج ربع نهائي كأس العرش    جورجينا تُهنئ كريستيانو رونالدو بتشبيهه ب"جيمس بوند"    فريق إنجليزي كبير يرغب في التعاقد مع محمد إحتارن    البحرية الملكية تنقذ 329 مرشحا للهجرة السرية بسواحل الناظور والحسيمة وطنجة    طبيب عربي ينجح بجراحة هي الأولى من نوعها في العالم    الجامعة تعلن رسميا مواجهة المغرب و الجزائر بشباك مغلق    قبل أول ظهور له رسمي مع “الأسود”.. خاليلوزيتش يتطلع إلى تقديم أداء جيد ضد الغابون    رئيس الاتحاد البلغاري يستقيل بعد الهتافات العنصرية في مباراة إنكلترا !!    برلمانيون يتهمون عبد النباوي بخرق الدستور بإحالته لتقريره على رئيس لجنة    رعب في لبنان..حرائق تلتهم الأخضر واليابس وتلامس المناطق السكنية    مناهضو التطبيع بالمغرب: مشاركة وزير إسرائيلي سابق بندوة في مراكش “جريمة”    بعد يوم من انتخابه.. رئيس تونس قيس سعيد يرتشف قهوته الصباحية في نفس المقهى الشعبي الذي اعتاد ارتياده    إشارات على هامش افتتاح البرلمان    O C P تنظم ببن جرير النسخة الثانية من "المثمر أوبن إينوفاشيين لاب"    أثار الرعب في نفوس الركاب.. انحراف قطار عن سكته قرب برشيد (صورة) لم تسجل أية خسائر في الأرواح    الدوزي في حفل التسامح    عزيز أخنوش يفتتح سوق السمك بالجملة لمدينة إنزكان    الأمم المتحدة تحتفي بالنساء وتسلط الضوء على جهودهن في الاقتصاد الأخضر    استقبال بالدقة المراكشية.. النجم المصري محمد رمضان يصل إلى المغرب.. ما سر الحركة التي قام بها؟    ضحايا الاعفاءات يحذرون من خطورة استغلال المؤسسات في الحسابات “السياسوية”.. والرياضي تحمّل الدولة المسؤولية (فيديو)    العرائش.. تأجيل قضية “فرح” إلى الأسبوع المقبل    اتحاديو سوس يطالبون برأس لشكر    أمن العيون يوقف مسافرا بحوزته كمية مهمة من الذهب المهرب    مسابقة تضامنية لدعم “البولفار”    تكريم شرف بمؤتمر القاضيات    فيلم مغربي ينال حصة الأسد من جوائز مهرجان الأردن    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأربعاء    ترامب يفرض عقوبات على تركيا    وزارة الداخلية تنفي اتخاذها عقوبات تأديبية في حق بعض رجال السلطة    طنجة… افتتاح أشغال المؤتمر الإفريقي لربابنة الملاحة البحرية    ضربة موجعة لسان جيرمان بغياب نجمه ل 4 أسابيع    بعد أن اجتمع بهم وزير التجهيز والنقل: مهنيو قطاع النقل الطرقي للبضائع يعلقون إضرابهم    اليوم العالمي للمرأة القروية    رباب ناجد تجتاز عقبة الحلقة الأولى من «ذافويس»    مساواة بين النساء والرجال بمهرجان القاهرة السينمائي    مقدم شرطة يضطر لإستعمال مسدسه في مواجهة جانح    الملك يهنئ قيس سعيد بمناسبة انتخابه رئيسا للجمهورية التونسية    فرنسا : امرأتان حاولتا تفجير سيارة ملغومة أمام كاتدرائية نوتردام    قبل حلوله في المغرب.. محمد رمضان يخلق ضجة بقيادته لطائرة ركاب ويتسبب في توقيف ربانها    بسبب تغريدة تضامنية مع فلسطين.. سلطات السعودية تعتقل أحد أقارب العودة    « ظلال أنثى ».. إبداع جديد للمسرح الأدبي بالمغرب    غطاس يعتصم أمام مندوبية الصيد بالجديدة بعد إقصاء شركته من حصة تصدير الطحالب    مجموعة التجاري وفابنك في لقاء تواصلي مع الزبناء بأسفي + فيديو    الملكة إليزابيث تخرق العادات الملكية.. تخلَّت عن تاجها الملكي    بعد سنوات من الانتظار.. عائلة مغربية تستثمر بكوبا    الضغط الناجم عن مشاهدتك خسارة فريقك الكروي يمكن أن يؤدى للوفاة    بعد إصابة أكثر من 10 ملايين شخص بمرض السل سنويا.. العلماء يكتشفون علاجا فعالا للمرض يستخرج من قاع البحر    التسوس ينخر أسنان 92 ٪ من المغاربة تتراوح أعمارهم ما بين 35 و 45    اختبار جديد يحسن تشخيص وعلاج التهاب الكبد “بي”    ناشئة في رحاب المسجد    هذه تفاصيل كلمة خطيب الجمعة في حضرة أمير المؤمنين    إذ قال لابنه وهو يعظه    حمد الله يكذب خاليلوزيتش وحجي    قصص قصيرة جدا ..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





هل أصبح الكرابة ديكورا تتزين بهم الساحات العمومية؟
نشر في التجديد يوم 14 - 02 - 2008


الكرابة من منا لا يعرفهم، هؤلاء الرجال الذين يتسابق الصغار والأجانب لأخذ صور معهم يدسونها في محفظاتهم أو في كناش ذكرياتهم لعلها تذكرهم بزيارتهم لمدينة تاريخية أو مأثر جميل. كانت الساحات العتيقة تبدو بدونهم عطشى يتلهف روادها إلى شربة ماء مقابل قليل من المال أو كلمة شكر يرحم فيها على آبائهم كما في القول المأثور الله يرحم الوالدين، كما كانت الحوامل تقصدهم لإطفاء عطش الوحم القوي الذي يسكن بداخلهن وكانت قطرة ماء باردة تسكب من قربهم الجلدية كفيلة بأن تعطيهن الأمان والراحة لمدة غير قصيرة. أما اليوم فهؤلاء أصبحوا مجرد قطعة زينة أو ديكور تتزين بهم الساحات بالرغم عنها أو بالرغم منهم لا ندري، كما هي الأماكن السياحة من فنادق ومطاعم تؤثث فضاءاتها بهم من أجل تلبية رغبة عين زائر قادم من وراء البحار يريد رؤية جمال وبساطة الماضي والتقاليد أو إدخال مزيد من البهجة في السرور على نفوس مدعوين لعرس أو غيره.. الكرابة تعرفونهم حتما، إنهم أولئك الذين لا يلبسون مثلكم ولا يأكلون مثلكم ولا ينامون مثلكم، في عز الحر كما في عز الشتاء، لا ترى عليهم غير سراويل حمر مزركشة بأنواع من الخيوط التقليدية، وتلك القربة الكبيرة المصنوعة من جلد الماعز والمزينة بالقطع النقدية القديمة، والناقوس الصغير الذي ينادون به على من يريد شرب الماء، وفوق رؤوسهم قبعات لا تجدها إلا في أسواق نساء الشمال أو تحسبها قادمة من المكسيك، وتعلق بهم طاسات لامعة، لا يملؤونها ماء بقدر ما يتحينون فرصا لبيعها لسياح أجانب يعتقدون أنها من الزمن الغابر. في ساحة جامع الفنا بمراكش كما في ساحة محمد الخامس بالدار البيضاء كما في مناطق وأسواق أخرى من المغرب المديد، لا تجد من هؤلاء غير ابتسامة عريضة ورضى بما قسم الله، لا تسمع منهم إلا عدد 25 و30 و45 و65 سنة وهي المدد التي قضوها في هذه المهنة العجيبة دون أن يوصوا أحدا بمزاولتها. عبيدة لخلفية مازال يتذكر كل الذين مروا من هنا بدءا من بقشيش والصاروخ وغيرهم كثير، هو أحد هؤلاء الذي يفند كل النظريات التي تقول بضرورة الإحالة على التقاعد في سن الستين، فهو في الخامسة والثمانين من عمره بارك الله له فيه، ومازال يحمل كل صباح قربته، ويتزين بملابسه الجميلة المزركشة، ويقصد ساحة جامع الفنا طلبا للرزق. بدأ كرابا في العشرينات من عمره، يوم كان الفرنسيون حسب قوله يفرضون ضريبة الترتيب على الأولاد تقدر بـ 200 ريال للولد وعلى البهائم تقدر بـ 150 ريال، يوم كان لماء الكراب نكهة خاصة، في غياب المياه المعدنية المعلبة، بعض النساء المتوحمات يقصدون الكراب من أجل الارتواء من عطشهن الذي لا ينتهي، أما الآن فتقديم الماء للحوامل ممنوع كما يقول لخليفة لاعتبارات كثيرة مخافة أن يلصق بك تهمة الشعوذة أو غير ذلك، أو بالأحرى لم يعد للنساء غرض في ماء الكراب، فهؤلاء أصبحن يتوحمن على الأناناس ينهي كلامه باسما ثم ضاحكا. يضيف سي أحمد بعدما انتظر وقتا غير قصير من أجل الكلام أيضا، يا بني إن مهنة الكراب مهنة جميلة، وقد يبدأ غنيا ويقدر له أن يجمع قدرا غير يسير من المال، لكنه ما يلبث أن ينتهي متسولا في الشوارع والطرقات، وهاهو صديقي وعشرة عمري قد مات الأسبوع الماضي دون أن يلتفت لوجوده أحد غير أولاده وأحفاده طبعا. التسول تلك هي أكثر الكلمات التي يشمئز منها السي حسين أمين الحرفة بمدينة الدار البيضاء، بالرغم من أن ملامحه تبدي للناظر أن عمره المتوقع أكبر من الواقع، إلا أنه مرت عليه 35 سنة في الحرفة وأن هموما كثيرة تثقل كاهله من هذه الناحية، فهو لا يقبل أن يركب الكراب حافلة أو غيرها من أجل مد اليد إلى الركاب، الظاهرة بدأت تنتشر في المدينة الكبيرة دون أن يتصدى لها أحد، يقول السي حسين بمرارة، مضيفا لقد وجب على السلطات أن تنظم المهنة وتوفر لكل مزاول بطاقة يعرف بها والأماكن التي يعمل بها. هو يتذكر كيف شطب عليهم الورثة من أحد البيوت الذي كان يكتريها 35 كرابا. أما السي إبراهيم فهو يكلمك بساحة محمد الخامس بالبيضاء ويداه لا تكفان عن تلميع طاساته العجيبة بمادة عجيبة تسمى السكلا أو الحديدة الزرقا وقليل من الغاز السائل. تلك هي سمعتنا، يضيف بكل فخر، كلما كانت الطاسات لامعة كلما زدنا احتراما لدى الناس والعكس صحيح. يضيف صديقه أحمد إن الفرق بين كراب البيضاء وكراب مراكش أن هذا الأخير يحسب نفسه متطورا، فهو مستعد لبيع مائه بكلمة باسمة، ولا يتحدث إلا لغة الريال وليس الدرهم فهم مستعد مثلا لسقيك شربة ماء مقابل 4 ريال أو 10 ريال. يحكي عبيدة وهو يحاول أن يرفع صوته ما أمكن لمجاراة أصوات ناي عيساوة الذين يروضون الأفاعي، كيف أن كل شيء تبدل، وكيف أن كل شيء غلا ثمنه، فقربته الجلدية مثلا أصبح ثمنها يساوي ثمن دراجة، أما الناقوس الذي اشتراه أول مرة بـ 4 ريالات فهو الآن بـ 10 آلاف ريال (500 درهم) إذا وجدته طبعا في السوق، نظرا لحركة التصدير المستمرة لهم إلى البلاد الغربية، لأنه من طينة النحاس القديم الذي يتهافت عليه أصحاب التحف. صديقه الذي تحفظ على ذكر اسمه تحسر أيضا على ضياع أول طاقم كرابة عمل به في هذه المهنة، فهو يتذكر جيدا كما أن الحادثة وقعت بالأمس، كيف عمل الباشا الكلاوي على جمع الـ دوزان من كل الكرابة الذين كانوا في الساحة وأهداها للفرنسيين، ولو بقيت عنده لكان ثمنها يساوي ذهبا الآن. عبيدة دافع عن كرابة مراكش حين قال إن المسؤولين في المدينة الحمراء لا يلتفتون للكرابة ولا يتذكرونهم إلا عندما يكون هناك استعراض، وغالبا ما كنا نمشي على الأقدام إلى ساحة باب الجديد حيث لا يجد الناس الماء إلا في قربة الكراب. الحديث مع الكرابة شيق طويل، وقد يقودك الفضول إلى المكوث كثيرا إلى جانبهم علك تسمع دقة ناقوس أو موالا قديما من طراز أبرد أعطشان أو إينوب إينوب ينبه بها إلى أن الرازق هو الله، وقد يجرك العطش إلى طلب الماء من بعض الكرابة الذين يشغلهم تصيد زوار الساحة لحثهم على أخذ صور تذكارية معهم يكون هو أحد وجوهها أو صديقه وقد يتحول الكراب بنفسه في بعض الأحيان إلى مصور فوتوغرافي بارع بعدما يكون قد سمح في طربوشه.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.