"البيجيدي" ينافس "البام" على رئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة    لجنة حماية المعطيات تنتظر أجوبة "فيسبوك"    نسبة ملء حيقنة سد الخطابي بالحسيمة تتجاوز 47 في المائة    روسيا تعتزم بناء مصفاة للبتروكيماويات بشمال المغرب بقيمة 2 مليار أورو    OCP تلتحق بالمجلس العالمي للمقاولات من أجل التنمية المستدامة    بلهندة مهدد بالإيقاف بسبب سلوكه    أياكس vs تشيلسي | زياش أساسي ومزراوي يبدأ على مقاعد البدلاء    "الطاس" يتأهل لنصف نهائي الكأس على حساب ا.الخميسات    مندوبية التامك تهاجم “مراسلون بلا حدود”: المطالبة بإطلاق سراح الأبلق تدخل في شؤون الدولة    “حشو وتشويه” يتهدد الأمن القضائي    وفاة الفنان الشعبي محمد اللوز أحد مؤسسي فرقة "تاكادة"    كارمين الكنز الإسباني الثمين    هرنانديز سيخضع لجراحة في أربطة الكاحل    خزينة الحسنية تنتعش بعد التأهل لدور النصف نهائي لكأس العرش    “الجوكر”.. رسائل فيلم “مثير للجدل” يفضح واقع “الرأسمالية المتوحشة”    في ظرف 10 أيام.. توقيف 8225 خلال عمليات أمنية بالدار البيضاء    المدير التقني الوطني روبيرت يعقد ندوة صحفية غداً الخميس    جلالة الملك يعزي إمبراطور اليابان على إثر الإعصار الذي تعرضت له بلاده    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الخميس    أخنوش يبرز بأوسلو التدبير المستدام لقطاع الصيد البحري في المغرب    أوسلو.. أخنوش: يسلط الضوء على سياسية المغرب لمكافحة تغير المناخ    قيس سعيد يقترح على التونسيين التبرع بيوم عمل على مدار 5 سنوات لتسديد ديون البلاد    مكانة المرأة المغربية في القضاء    بعد تأجيله.. رابطة « الليغا » ترفض موعد الملاسيكو    بث مباشر.. العثور على 39 جثة في حاوية شاحنة ببريطانيا    بعدما عصف به التعديل الحكومي.. العثماني يعين الصمدي مستشارا له في التعليم    العثماني.. لا نية للحكومة في الرفع من ثمن “البوطا”    عامل إقليم بوجدور يدعو لإشاعة الثقافة المقاولاتية ودعم المبادرات الفردية    مواجهة الخطر الإيراني توحد المغرب وأمريكا    الشرطة البريطانية تعثر على 39 جثة داخل شاحنة قرب لندن    الرئيس التونسي يتبرّع بيوم عمل ويرفض الإقامة في قصر قرطاج    وسط توتر المتظاهرين.. الجيش اللبناني يلجأ إلى القوة لإعادة فتح الطرق    روسيا، تطرد البوليساريو من قمة "سوتشي"    قانون مالية 2020.. الحكومة تواصل مسلسل الخوصصة    أحمد الفيشاوي يكشف أسرارا غير متوقعة عن هيفاء وهبي ونيته في وشم صورة زوجته – فيديو    على غرار المخدرات.. مصحات لعلاج إدمان الهواتف الذكية    المغرب يحتل الصف الثالث في مؤشر «أبسا » للأسواق المالية الأفريقية لسنة 2019    الجامعة تقنن الحضور الجماهيري بالملاعب    الاتحاد الاشتراكي يدشن بمراكش ورش المصالحة باحتفاء كبير    مصر "مصدومة" من تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي    فيلمان مغربيان بالمهرجان الدولي «سينميد»    فيلمان مغربيان في مهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير    الملتقى الوطني للمسرح الكوميدي بجهة فاس – مكناس    ندوة وطنية تقارب علاقة الشعر والسينما بالرباط    بطل مغربي في “التيكواندو” يختار ركوب قوارب الموت ويرمي ميدالته في البحر    استنفار في فرنسا.. رجل يُهدد الشرطة من داخل متحف بكتابات عربية    روسيا: أمريكا خانت الأكراد.. وإذا لم ينسحبوا فسيواجهون ضربات الجيش التركي    حجز بضائع مهربة بحوالي 2 مليون درهم    بعد مغادرته الحكومة.. العثماني يختار الصمدي مستشار له بقطاع التعليم كاتب الدولة السابق    علماء يطورون "أدمغة صغيرة" من أنسجة بشرية في إنجاز يثير مخاوف أخلاقية!    أزمة صحية جديدة بسبب الدواء المضاد للسل    طنجة تحتضن لقاء علميا حول موضوع خصائص وأصول المذهب المالكي    دراسة حديثة.. التمارين الرياضية قد تقلل خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى المدخنين    النص الكامل لمقال سيست من خلاله أسماء لمرابط الحجاب قبل خلعه    الحريات الفردية بين إفراط المجيزين وتفريط المكفرين    حوار حول الحرية    لاعبو كرة القدم أكثر عرضة للوفاة بهذه الأمراض التي تصيب الرأس والأعصاب    أحمد الريسوني يكتب.. أنا مع الحريات الفردية مقال رأي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لماذا تفسد مجتمعات المسلمين؟ -الحلقة16 –
نشر في بيان اليوم يوم 24 - 05 - 2019

هذه حلقات وسمتها ب “النظرية الأخلاقية في الإسلام”، جوابا عن سؤال: لماذا تفسد مجتمعات المسلمين؟. أضعها بين يدي القارئ الكريم سلسلة منجمة في هذا الشهر الفضيل، لعلها تسهم ولو بقدر يسير في إعادة إحياء السؤال، في زمن أصبح فيه سؤال الأخلاق ملحا أكثر من أي وقت مضى. فالناظر العارف المطلع يفهم أن باب السؤال، سؤال الأخلاق هو من الأسئلة المتسعة والتي تم تصنيفها منذ الفلسفة الأولى كباب من الأبواب الكبرى التي تهم الفلسفة. وعليه فباب الأخلاق وسؤال الحسن والقبيح والخير والشر وغيرهما من الثنائيات لم يخل مجتمع من المجتمعات المعرفية من الاهتمام بها والكتابة عنها وفيها. وربما كان هذا هو السبب في جعلي في هذه الحلقات لا أولي اهتماما كبيرا للجانب النظري والمناقشات النظرية، التي هي على كل حال مدونة مشهورة يعلمها العالمون. فقد ركزت بالأساس على ما يظهر من أخلاق المسلمين وبما يضمر اعتمادا في تفسير ذلك على خطاب الدين والمعرفة العامة.
وإذا كان هذا حال الذين من المفروض فيهم حماية كيان الأمة وحصنها والذود عنها، والذين يتحولون إلى ما يشبه العصابات تعمل فقط لمصلحتها الشخصية، فكيف نتصور حال المرعيين؛ فالأكيد أن الأمر سيكون أسوأ وأسوأ بكثير مما نتصور ونقول، فواقع المسلمين في المجتمع يقول كل شيء. وقد يحدث أن تخرج للشارع، وفي كل خطوة تخطوها، وفي كل اتجاه تتجهه ترى التقصير الذي سببه الفساد؛ فالفساد ينخر مجتمعات المسلمين إلى درجة أنه يصبح هو الأصل بينما يصبح القانون فرعا، يستعمل فقط حين توازن القوى أو مراعاة لمصلحة استمرار الفاسدين.
وكان مما دفعني للتعجيل بهذا الورقات؛ هو أني حين كنت أود القيام بإصلاح داخل المنزل في الشهور الأخيرة وقبل هذا بسنوات، فإني كنت أجد صعوبة في إيجاد حرفي مسؤول وبالمستوى المطلوب؛ فالغش والتهاون والتماطل والتعالم وكل الأسقام هي ميزة غالب الحرفيين؛ الذين يحولون سقمهم إلى شعارات يرددونها بينهم كقواعد للعمل. ومادام أن أجهزة الرقابة معطلة ومهمشة ولا تقوم بواجبها سواء على الطرفين؛ يبقى التعويل فقط على المعارف وتجارب المعارف وتوسم الخير، وعندما لا يحصل هذا يكون الإنسان فقط يغامر بما يملك. فكم من مواطن شوهت معالم بيته، وتحول الإصلاح فيه إلى إفساد وضاع ماله، وكم من مواطن سرقت أجزاء سيارته وهاتفه وآلاته المنزلية، وكم تأذى من مواطن في بدنه؛ بسبب طعام فاسد فساد الكيان الذي تخلى عن مسؤولياته، فيبقى التعويل فقط على الغيب.
إن ما كنت أطلقت عليه من قبل التفضل بالنسبة للحاكم المسلم؛ فإن الأمر نفسه ينطبق على المواطنين اليوم، فمع الفراغ القانوني القاتل وتفشي الفساد المدبر والممنهج، يصبح المواطن المسؤول أيضا في كثير من الأحيان مخيرا بين الصلاح والفساد، ويبقى التعويل فقط على الغيب في ردع المخالفين، وما نعيشه اليوم في مجتمعات المسلمين من نقط مضيئة؛ من حرفيين ومسؤولين يبقى دافعه في الغالب الوازع الديني أو الضمير الإنساني؛ وإلا فلا أحد سيحول بينهم وبين الإفساد؛ لهشاشة الرقابة الوضعية، والاستهتار بالقوانين، فينبري الفساد في عصب وعصابات وتراتبات وتكتلات مهمتها حماية المفسدين الصغار. فعندما يغيب القانون أو يتهمش يصبح العرف والعادة والأخلاق الاجتماعية والثقافية هي البدائل بحلوها ومرها، وقد تنجح هذه الأخيرة في شقها الإيجابي من وقاية المجتمع من الكارثة المتحققة، والوصول إلى الحالة القصوى من مجتمعات الموز؛ حيث الجنس والجريمة والفساد والعصابات تتحكم في البلد.
في الدول الديمقراطية لا يكون المواطن في حاجة إلى خبراته الكثيرة ومعارفه والتعويل على الغيب، في ما يمكن أن تصله رياح القانون الضابطة والرادعة، وإنما تكون وظيفته فقط إغناء ذوقه وحكمه الجمالي. فالمواطن هناك مثلا؛ يكفي أن يدخل إلى مطعم كيفما كان، وغايته فقط البحث عن طعام لذيذ وشهي أو البحث عن خدمات جيدة، يجتهد في تقديمها ملاك المطاعم وخدمه. أما جودة الطعام، ومسألة الصلاح و والفساد فتلك مهمة القانون لا دخل له بها، فالقانون صارم في مثل هذه الأمور التي تهدد سلامة دافعي الضرائب.
أما عندنا فالآية معكوسة، والمواطن لا يبحث غالبا عن اللذيذ والشهي، بقدر ما يشغل باله بجودة ما يتم تقديمه، ولهذا فهو يكون مضطرا من جديد لاستعمال خبراته واستفسار معارفه كما في كل نازلة، وقد يحدث أن يزور المواطن مدينة أو يقيم فيها لأيام أو يمر منها دون أن يأكل من طعامها الذي يبقى مفتوحا على المجهول، وإذا فعل فإنه فقط يغامر لا أقل ولا أكثر. وهكذا دواليك في المجالات كلها حيث تتحول لجان المراقبة إلى أدوات للاغتناء السريع، واستعمال ضغط القانون والمساطر في ابتزاز الفاسدين للامتثال للمساومات. ولا عجب أن ترى في الشارع العام سيارات مرت من المراقبة الشكلية حتى وهي غير صالحة، وتفسد جو آلاف المواطنين؛ والسبب هو فقط رشوة بسيطة تم تقديمها للمراقب الذي يغتني وهو مرتاح البال؛ لأن هناك من يحميه من فوق تراتب العصابة المفسدة. وقد نصل إلى ذلك المستوى الذي يصل فيه المراقب إلى باحث عن الفجوات والخروقات؛ ليرغم المواطنين على الرشوة، ولا يهمه من الأصل لا صلاح ولا فساد ما يراقبه.
وهكذا تضيع الأمانة والمسؤولية بسبب خيانة من أوكلت لهم مهمة الرقابة، ويصبح حاميها حراميها كما يقال، وتكثر الشكوى واللغط وينشغل الناس بأمور جلها كان من الممكن تجنبها وتجاوزها لو أن القانون كان صارما في ذلك، لا يمنعه مانع؛ يسري تماما كما يسري الدم في الجسد؛ فلا يحس أي كان أنه فوق القانون لاعتبار من الاعتبارات الفارغة، وما أكثر الذين هم فوق القانون في البلدان العربية الإسلامية،. وقد يحدث أن أشعر بالضيق والغمة؛ عندما أرى وأسمع ناسا يتحدثون عن وجوب التصويت لحزب أو فرد فقط لأنه لا يسرق، وقد تتبجح بعض الأحزاب بكونها مستقيمة وفيها شفافية ولا تختلس، دون أن تتحدث عن ما يمكن أن تقدمه للناخبين؛ لأن هذه الأحزاب تعي أين المشكل، تعي أن القانون لا يقوم بعمله حتى ينشغل الناس بما يجب أن تتنافس فيه الأحزاب؛ من البرامج القادرة على تجاوز المشاكل الاقتصادية والتحديات التنموية؛ التي ستعاني منها الأجيال القادمة. إنه الفساد؛ الذي أهلك الحرث والنسل بالتعبير القرآني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.