الداخلية تفتح باب الترشيحات لخلافة بوعيدة على رأس جهة كلميم والأخير: “هذا طحن للقانون وللشرعية”    مملكة البحرين تجدد التأكيد على موقفها الداعم للحقوق المشروعة للمغرب على أقاليمه الجنوبية    انطلاق أشغال الدورة ال 14 لمجلس الشراكة المغرب – الاتحاد الأوروبي ببروكسل    المغرب يخطط لجعل ميناء طنجة الأكبر في البحر المتوسط    هجوم إرهابي وسط العاصمة التونسية    “الكاف” يعين حكما كاميرونيا لإدارة مباراة “الأسود” ضد ساحل العاج    أمم إفريقيا 2019 .. المصري وردة يعتذر عن فضيحته الانضباطية    موعد مباراة الجزائر والسنغال اليوم    حقوق البث: احنا و«البي إين»!    توقعات أحوال الطقس غدا الجمعة    منع التهريب المعيشي بمعبر سبتة بسبب الجالية المغربية    بمعدل 20/21.. تلميذة مغربية تحقق أعلى معدل بإيطاليا -صور    روسيا: المبادرة الأمريكية المطروحة ب”مؤتمر المنامة” غير بناءة    نادلة بار تبصق على ابن ترامب!    الغابون تؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي تعد "حلا توافقيا أساسيا" للنزاع حول الصحراء    مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي يعرب عن شكره للملك محمد السادس    دور مؤسسات الأمم المتحدة في عملية التنمية : هل يكفي التمويل في غياب كفاءات تقود مسلسل التنمية؟    كشف عنها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية .. ترقيم أزيد من 4،5 ملايين رأس من الأغنام والماعز المعدة لعيد الأضحى والرقم سيرتفع إلى 7 ملايين    ندوة صحفية لرونار    جوارديولا: دافيد سيلفا من أساطير الكرة الأوروبية    ولي العهد يترأس حفل تخرج الفوج 19 للسلك العالي للدفاع والفوج 53 لسلك الأركان    نوبة ارتجاف جديدة تصيب ميركل قبيل قمة العشرين (فيديو)    كلمة السر الفلسطينية لحماية المشروع الوطني …    الأمم المتحدة: المخدرات تودي بحياة أكثر من نصف مليون شخص سنويا    الصداع عند الطفل.. متى يجب القلق؟    المرصد المغربي لنبذ الإرهاب والتطرف ينظم دورة تكوينية في مجال آليات تفعيل الديمقراطية التشاركية    مجلس النواب.. أعضاء لجنة العدل والتشريع يطلعون على حصيلة عمل رئاسة النيابة العامة منذ تأسيسها    بنشعبون يوقع مرسوم قرض ب52 مليارا للدعم الاقتصادي للشباب.. نُشر في الجريدة الرسمية    الأطفال في وضعية إعاقة.. الحكومة تطمح للرفع من عدد المتمدرسين في الأقسام الدامجة ل 16 ألف تلميذ    الرصاص يلعلع في تيزنيت لاعتقال “شخص مخمور” عرض حياة المواطنين وعناصر الشرطة للخطر    أسعار النفط تسجل انخفاضا اليوم الخميس    250 ألف دولار في انتظار المقاولة الفائزة في برنامج مجمع الفوسفاط    كأس أمم إفريقيا 2019 : الفرنسي بن زيمة يشجع المنتخب الجزائري    قتيل وجريحين خلال حادث إنقلاب بيكوب    البنج يشكر نفسه.. ويصرح: هذا السر وراء نجاحي    ديانا كارازون تظهر ب »لوك جديد »..وتعد جمهور موازين بليلة تاريخية    ال MDJS الأفضل في المعايير الدولية في مجال الأمن والنزاهة    مهرجان إفران الدولي يميط اللثام بالرباط عن مفاجآت نسخته الرابعة    بالفيديو.. أجواء مراكش تزيد من روعة أغنية Hola Señorita Maria لمالوما وغيمز    إجلاء أزيد من 270 مهاجراً من جنوب الصحراء نحو أزيلال    عملية إعدام أزيد من 100 كلب تقسم المواطنين    في اليوم السادس لموازين.. الجمهور يستمتع بحفل رائع لناكامورا ولترافيس سكوت    مدرب الكونغو: حاولنا التعادل وهدفنا التأهل كثالث المجموعة    بنشعبون يصدر تعليمات جديدة لاحترام آجال الأداء    لقاو مادة في القهوة كتعاون على فقدان الوزن    سلطنة عمان غادي تفتح سفارة ديالها في فلسطين    إليسا تسحر جمهور "موازين" في خامس لياليه    صدور العدد الرابع من مجلة أواصر الفكرية مقدمة بعنوان: الطريق إلى فلسطين    فلسطين ليست للبيع    يونس "مول الشاطو" يكشف حقيقة "الديو" مع لمجرد والبشير عبدو    صورة.. عبير براني تصدم متابعيها بصورة فاضحة على البحر ثم تعتذر    الهيبوكوندريا : نتا مامريضش...أنت تتوهم المرض فقط    افتتاح: “فيلا بيغان” تفتح بالبيضاء    حركة التوحيد والإصلاح بالقصر الكبير في دورة تربوية    "المرأة ذات الخمار الأسود"    مفتي مصري ” يجيز ” مشاهدة مباريات كأس أمم افريقيا شرط ترك ” الصلاة والعمل”    صورة قائد مغربي على عملة جبل طارق    بالشفاء العاجل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لماذا تفسد مجتمعات المسلمين؟
نشر في بيان اليوم يوم 19 - 05 - 2019

هذه حلقات وسمتها ب “النظرية الأخلاقية في الإسلام”، جوابا عن سؤال: لماذا تفسد مجتمعات المسلمين؟. أضعها بين يدي القارئ الكريم سلسلة منجمة في هذا الشهر الفضيل، لعلها تسهم ولو بقدر يسير في إعادة إحياء السؤال، في زمن أصبح فيه سؤال الأخلاق ملحا أكثر من أي وقت مضى. فالناظر العارف المطلع يفهم أن باب السؤال، سؤال الأخلاق هو من الأسئلة المتسعة والتي تم تصنيفها منذ الفلسفة الأولى كباب من الأبواب الكبرى التي تهم الفلسفة. وعليه فباب الأخلاق وسؤال الحسن والقبيح والخير والشر وغيرهما من الثنائيات لم يخل مجتمع من المجتمعات المعرفية من الاهتمام بها والكتابة عنها وفيها. وربما كان هذا هو السبب في جعلي في هذه الحلقات لا أولي اهتماما كبيرا للجانب النظري والمناقشات النظرية، التي هي على كل حال مدونة مشهورة يعلمها العالمون. فقد ركزت بالأساس على ما يظهر من أخلاق المسلمين وبما يضمر اعتمادا في تفسير ذلك على خطاب الدين والمعرفة العامة.
إن ما يطرحه الإسلام من مبادئ عامة تبدو مغرية إلى حد بعيد؛ لأنه يروم تخليص الفرد والكيان من سلطة الأهواء، فالأهواء كما قلنا من قبل هي الخضوع والاستسلام للمزاج والغريزة والطبيعة بدلا من حزم القانون. والإسلام بهذا يظهر كنظام مثالي، بل غارق في المثالية ، إنه كغيره من الأنظمة المثالية والطوباوية قادر على تحقيق مالا نهاية من الاحترام وسط كل جيل؛ إنه يجعل المسلمين جماعات وفرادى يحنون ويشرئبون بخيالهم إلى هذا العالم الذي يسكن مخيلاتهم، بل والقادر على إيجاد أجوبة فورية لكل مشاكلهم المطروحة اليوم، وهذا ما يفسر كيف أن المسلم حتى وهو لا صلة كثيرة تربطه بالإسلام إلا ما ورثه من والديه؛ تجده غارقا في تدينه الزائف الحالم بما فعله به الخطاب الوعظي الانتقائي الذي صور له الماضي كمثاليات مفصولة عن أي واقعية اجتماعية.
لا يستطيع أحد كيفما كان أن يقول: إن الإسلام جانب الصواب في كل الذي أقررناه إلى الآن في خطاطة الأخلاق، بل من حق أي كان أن يتساءل، لماذا يعجز الإسلام في أن يكون واقعا، فلا بد أن هناك من الموانع الصريحة التي تحول بين تحقق ذلك.
إن فشل الكيان الإسلامي واقعا من الممكن أن نفسر جزءا منه اليوم بنظريات المؤامرة، وحتى وأني من أكثر من تصدوا لهذا النمط من التفكير والتفسير، فإني قد أسلم هذه المرة بوجود شيء من المؤامرة على المسلمين، والتي هي واقع لا يمكن إنكاره. ولكن المؤامرة ليست كل شيء، ولا يمكن أن نفسر بها كل شيء، فالمسلمون يحملون أسباب عجزهم فيهم، وفشل المسلمين للأسف تعدد في الزمن والجغرافيا وحالات القوة والضعف والأشخاص على اختلاف مراتبهم الدينية. وما اختلاف الصحابة واقتتالهم بعد موت النبي إلا يؤكد هذا الفشل. والواقعات البسيطة التي جعلت النموذج ينجح نسبيا وفي أشخاص معدودين على الأنامل على امتداد قرون من الزمن والجغرافيا الشاسعة، إلا يؤكد القاعدة بدلا عن أن ينفيها. وهذه الواقعات البسيطة الاستثناءات تجعلنا نطرح سؤالا فرعيا ولكنه محوري وهام جدا يقول: إذا كان النموذج الإسلامي نجح في واقعات قليلة معدودة محدودة، وفي أشخاص يسهل حتى على الوعاظ حصرهم وحفظهم وتكرارهم، إذن ما الذي يمنع هذه الواقعات من أن تصبح هي القاعدة وتمتد لتصنع النموذج الأرضي الذي بشرنا به منذ البداية؟
إن واقعات النماذج الناجحة لا تتعلق فقط بمراتب أعلى السلطة، ولكن داخل مجتمع المسلمين اليوم وعلى امتداد قرون داخل الزمن والجغرافيا نماذج ناجحة على امتداد المسؤولية بما يبشر به حديث” كل راع، وكلكم مسؤول”، فشرطية الإيمان خلقت لنا كثيرا من النماذج الناجحة، حتى وهم متاح لهم أن يفسدوا من غير حسيب أو رقيب، فالرقابة آلياتها ضعيفة في مجتمع المسلمين، وهذا الضعف كان من الممكن أن يؤدي بنا إلى مجتمعات الموز لولا آلية الإيمان التي تستطيع على الأقل أن تمنع الكارثة المعممة تحت مبدأ ما قال النبي: “وقليل ماهم”.
لقد كان بإمكان الخليفة الأموي عمر أن يفسد، ويفسد جدا، وكان ممكنا أن يتعدى ببغيه حتى حرمات المسلمين المادية والرمزية كما فعل بنو أمية، ولم يكن بمقدور أي قوة أن تمنعه من ذلك إلا بعض أصوات العلماء الذين يعرضون حياتهم للخطر دفاعا عن ما آمنوا به، وهم قلة نادرة. بل إن الخليفة ينبري له من يبرر له أفعاله حتى باختلاق نصوص من الخبر أو تأويل أخرى، والتاريخ يكشف حوادث كثيرة من هذا النوع في الجرأة في التأويل، فيروى مثلا؛ والواقعة مشهورة، أن الوليد بن عبد الملك يريد أن يجعل قوله تعالى في حادث الإفك “والذين تولى كبره منهم له عذاب أليم” يريد أن يجعلها نازلة في خصمه علي بن أبي طالب، وقد سلم له بذلك بعض وأنكر ذلك بعض، ولم يرض الخليفة مطلقا أنها نزلت في أبي بن خلف رأس النفاق في المدينة.
لقد استحضر الخليفة عمر بن عبد العزيز عظمة الله والدار الآخرة، وهذه الآلية هي الوحيدة التي يعول عليها المسلمون في صلاح دنياهم، أي التعويل على حصول الإيمان في قلوب مسؤوليهم، ولا غرابة أن تجدهم في جمعهم وجمعاتهم يرفعون أكفهم بالضراعة راجين من الله أن يرزقهم البطانة الصالحة، لأنهم يفهمون أن فساد أو صلاح الحاكم يبقى خاضعا للقدر، وأن صلاح دنياهم معلق بمزاج وهوى الحاكم لا بحزم القانون، وأن ما يقيد الحاكم هو التفضل وليس الواجب والإلزام. وهذا هو المشكل المركزي الذي أنهك وأهلك الإسلام؛ حيث إنه يحدد ما يجب أن يكون عليه الحكم والمجتمع من الفضائل، لكنه بالمقابل لا يضع ولا يحدد آليات واقعية في الضبط والحد من سلطة الحاكم الإله.
إن صلاح عمر كان يمتد فقط إلى ذاته وحياته، ومهما اجتهد عمر بنفسه البشرية فلن يصل إلى ما تحققه آلة القانون الذي لا يرحم، والعلماء الذين يعول عليهم الإسلام كأداة للرقابة هم أيضا مشروطون بقوة إيمانهم وصبرهم وتعففهم وجرأتهم في قول ما يرونه حقا، وتحريض العوام على الفاسدين والمتجبرين، وهؤلاء العلماء من آليات الرقابة غالبا ما يتحولون إلى كهنوت يؤكلون ويبررون ويستفيدون.. فمن يصلح الملح إذا المح فسد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.