توشيح الأستاذ محمد المغاري بوسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة        الارتفاع يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    بعد ضياع حلم كأس إفريقيا.. من يشرح للمغاربة ماذا حدث؟        عملية رعاية .. أزيد من 1300 مستفيد من قافلة طبية متعددة التخصصات بورزازات    مايكروسوفت تتخطى توقعات إيرادات خلال الربع الأخير من 2025    أخنوش يرحب بوفد برلماني فرنسي    دوري أبطال أوروبا.. حارس بنفيكا يقر بعدم إدراكه حسابات التأهل في لحظات جنونية    قرارات انضباطية مثيرة للجدل عقب نهائي ال "كان" بين المغرب والسنغال    تحذير فلسطيني من استهداف "أونروا"    ناسا تقدم موعد إطلاق مهمة كرو -12 لدعم طاقم محطة الفضاء الدولية        المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى اعتماد اقتصاد رعاية مندمج ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية    محمد المهدي بنسعيد ينفي الاتهامات الخطيرة وغير المسبوقة الموجهة إلى شخصه والمرتبطة بملف معروض على أنظار القضاء    فيتنام وأوروبا يرقيان التعاون التجاري    العدوان الامبريالي على فنزويلا    عامل إنزكان أيت ملول يلجأ للقضاء الإداري لعزل خمسة منتخبين بسبب تنازع المصالح    الملك محمد السادس يطلع على تقدم سير العمل بمشروع المركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط    "تويوتا" تحتفظ بلقب أعلى شركات السيارات مبيعا في 2025    الاتحاد الصيني لكرة القدم يدين الفساد        أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    "مايكروسوفت" تتخطى التوقعات بإيرادات بلغت 81.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025    السعدي: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أحدث أزيد من 24 ألف منصب شغل خلال 2025        وزارة التربية الوطنية تصادق على الدليل المرجعي لعلامة "مؤسسة الريادة"    توقعات أحوال الطقس لليوم الخميس    كيوسك الخميس | التجربة الأمنية الاستخباراتية المغربية تستقطب شراكات دولية    السلطات تدعو ساكنة القصر الكبير إلى اليقظة وتجنب ضفاف الوديان    فرنسا تمهد لتسليم قطع فنية وتراثية منهوبة    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا            الكاف تصدر قرارها بخصوص احداث مقابلة المغرب والسنغال    الجيش الملكي يودّع نصف نهائي كأس أبطال السيدات بخسارة ثقيلة أمام أرسنال    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحطم أرقاماً قياسية رقمية وتتجاوز 6 مليارات مشاهدة    فرنسا.. مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود للحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كيف نصنع هويتنا؟

يتحدث التاريخ في الكثير من صفحاته عن "هويات قاتلة" أنتجت الكثير من التعصب، ثم الكثير من العنف القاتل، لا يبتعد عنا كثيرا النموذج الألماني أيام الثلاثينيات الذي كان ممجدا للقومية الوطنية، مشيدا بالتفوق الآري على باقي الأعراق وما انتهى إليه حال ألمانيا من افتعال حرب طاحنة ربما لم يعرف لها التاريخ نظيرا.
إن كل النماذج القومية وقعت بشكل أو بآخر في عنف مدمر، عانى من ويلاته الأقليات الدينية والعرقية بشكل أساسي؛ هذه النظرة الأولية تحيلنا مباشرة إلى مساءلة الأنماط التي تصوغ الهوية عن صلتها المباشرة بإنتاج العنف وإعادة الإنتاج أيضا.
ينبغي أن نعترف في سياقنا المغربي المعاصر أننا أمة تحاول أن تصنع هوية ما، تتلمس الخيوط نحو أمن هوياتي يرسخ الوجود المغربي كأمة متميزة بهوية دالة عليها أساسا. ليس مستغربا في هذه الحالة أن يكون تدافع القوى الفاعلة في المجتمع على أشده من أجل ترك بصمة على الهوية التي تتشكل ببطء شديد.
الخطر المحدق هنا، يكمن في الطريقة التي نصنع بها هويتنا؛ حيث أن مستقبل علاقتنا بالآخرين، وانسجام المجتمع الواحد بكل ما فيه من تلوينات عقائدية وعرقية يبدأ من هذه الصناعة التي يرعاها بشكل أساسي منطق الأغلبية التي ليس من شيمها أن تكون ديمقراطية بأي حال من الأحوال.
"نظرتنا هي التي غالبا ما تسجن الآخرين داخل انتماءاتهم الضيقة، ونظرتنا كذلك هي التي تحررهم"، هكذا قال الأستاذ أمين معلوف – محقا- في كتابه الهويات القاتلة.
من المهم جدا الحديث عن المشروع الديني ودوره في صياغة الهوية، فهو الأقوى تأثيرا على الساحة الثقافية المعاصرة، بما يمتلكه من زخم شديد يرجع إلى المشروعية الإيمانية كحق مطلق يحجم أكثر الناس عن النقاش فيه، أو إبداء آراء خاصة حول طريقة تفكير ممثليه، وكذلك إلى عمق الشعارات الواعدة التي يطلقها أنصاره والتي تلقى قبولا واسعا من طرف الجماهير التي تعاني بؤسا متزايدا مع واقعها الرث، وتأمل في واقع أجمل لن يتحقق في نظرها إلا عبر المشروع الذي لم يجرب بعدُ.. المشروع الديني بكل ما يختزنه ماضيه من قصص عظيمة وخيال جامح.
"هويتنا هي الإسلام"، لا يتوانى أبناء الحركة الإسلامية والتيار السلفي على الخصوص في التذكير بهذا الأمر. يتساءل الإنسان: ترى هل يطمح المغاربة إلى هوية أخرى مناقضة للإسلام؟
ينتهي الغبش سريعا حين تتيقن من أن المقصود "نسخة معينة من الإسلام"! تأويل محدد للدين يستلهم مواده – جميعها – من سياق تراثي صرف، هنا الإشكال والمأزق.
أحب أن أؤكد في البداية على أن الطموح إلى الحقيقة التامة، والدين الذي يريده الله، يعد من أكثر الأشياء أهمية بالنسبة لكل المسلمين دون استثناء، يبقى الإشكال في كيفية الوصول إلى هذه الحقيقة الصافية: الحركات السلفية ومثلها كثير من الإخوانية ترى في التراث أساسا وحيدا للوصول إلى تلك الحقيقة، عبر استعادة الاجتهادات السياسية للفقهاء، غيرهم يرى أن واقع الفقهاء في العصور الماضية لا يلزمنا، لحجة تتمثل في أن الإنتاج التراثي كان مرتبطا بسياق سياسي مسيطر على العالم آنذاك، وليس له علاقة بالنص الديني الذي لم يؤطر المسألة السياسية والهوية الوطنية بخطوط حاسمة.
إن الاستدعاء التراثي الكثيف في سياق تشكيل الهوية المغربية أمر شديد الخطورة، يستبطن قدرا من "الارتداد" عن سياق التفكير العالمي المعاصر الذي يعرف تقدما كبيرا لا يمكن للإسلام إلا أن يثمنه لأجل اشتراكهما في المبادئ الأساسية المتعلقة "بتكريم الإنسان"، بل أجده يحمل عدوانية تجاه فئات عريضة من أبناء المجتمع الواحد.
لقد تطورت عدة مفاهيم متعلقة بالفقه السياسي الإسلامي في سياق يتعلق بالدولة السلطانية، مفاهيم كالحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية، والشورى عوض الديمقراطية، وأحكام أهل الذمة، أحكام المشاركة السياسية بشكلها التراثي، كلها مفاهيم خطيرة للغاية حين نستحضرها في سياق مختلف عن سياق الدولة السلطانية التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ بدايته.
نحن نعيش اليوم في إطار دولة حديثة، السلطة فيها للمؤسسات عوض الأشخاص، لم يعد لشخص سلطة مطلقة في القيام بما شاء متى شاء، بل تطور النظام السياسي الدولي وابتدع شكلا – يعد أفضل الأشكال دون أن يخلو من عيوب كأي تجربة إنسانية – من أشكال التدبير السياسي يقوم على أساس المواطنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتأسيس العميق لمفهوم التعاقد.
أي مسوغ لأحكام أهل الذمة بشكلها التراثي الذي يعد الكتابيين أفرادا من الدرجة الثانية في سياق المواطنة السياسية المعاصرة؟ وأي معنى يكون لمفهوم الاحتساب في سياق النظام الديمقراطي القائم على ضمان كامل للحريات في إطار توافقي بين أطياف المجتمع؟
أتابع – على سبيل المثال- هنا بالمغرب ما يسميه كثير من المشايخ بالاحتساب، فأجده تعبيرا عن عدم استيعاب كبير لواقع الدولة المغربية المعاصرة، مع نمط اشتغال يفترض أن المغرب اليوم لا زال دولة تعيش واقعا زراعيا ما قبل الثورة الصناعية، وواقعا سياسيا سلطانيا ما قبل التنظيم الحديث. من شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى خلق الهوية القاتلة.. الهوية العنيفة التي أتحدث عنها الآن!
إن المفروض اليوم هو القيام بمراجعات عميقة في البنية الفكرية السياسية والحقوقية الإسلامية وتحديثها، عوض الجمود على الإنتاج التراثي واعتباره أمرا مقدسا بلسان الحال كما هو واقع أكثر المنتسبين للتيارات السلفية اليوم، ليس من قبيل الصدفة أن يكون أغلب ما نشهده من أفعال عنيفة يرتبط وجدانيا بدرجة من الدرجات بمنهج التفكير السلفي المعاصر! لا ينبغي الهروب نحو الأمام وإنكار ما نراه بأم أعيننا صباح مساء… لم تعد التبريرات الكلاسيكية مقبولة بأي حال من الأحوال: هؤلاء الشباب لم يطلبوا العلم على يد كبار العلماء، غير متخصصين، جهال… تبريرات من هذا القبيل لم تعد تنطلي على أحد على الإطلاق.
الواقع اليوم أن محاولات بناء الهوية يتم عبر ممارسات عنيفة عنفا رمزيا، من كثير من أبناء الحركة الإسلامية، ومن المناصرين للرؤية العلمانية أيضا، يستنجد كل واحد منهما بالديمقراطية ليس إيمانا بروحها، بل لخطب ود الشارع والاستقواء على التيار الآخر لمحاصرته والتضييق عليه ومنعه من المضي قدما في طرح رؤيته والدعوة إليها.
أذكر بفتاوى التكفير التي لا زالت تجد مكانها بيننا، وتطال عددا من الوجوه السياسية والفكرية والإعلامية، دعوات التكفير رغم كل المكتسبات الحقوقية والقانونية والأمنية لا تزال حاضرة بيننا، وتطال شخصيات عمومية ومؤسسات رسمية وجمعوية..
إن الهوية حين تأخذ شكلا حاسما، وقالبا محددا منحصرا في الأبعاد، ومتعاليا عن الزمان والمكان، علمانية كان أو إسلامية، تصبح أكثر انفتاحا على السلوكيات العدائية تجاه الآخرين، من هنا يكتسب الاجتهاد الفقهي أهمية راهنة لعقد مصالحة بين الواقع المعاصر والتفكير الفقهي، وهو الأمر الذي يمارس منذ زمن طويل، لكن مشكلته تكمن في كونه تفكيرا نخبويا، لا يجد صداه عند عامة الإسلاميين، وجمهور السلفيين، ومشايخهم أيضا. اجتهادات المفكرين والمتنورين لا تلقى رواجا واسعا ضمن الأوساط الإسلامية لشيوع الخطاب الصدامي تجاه الفكر العلماني والفكر الحداثي بإطلاق، وهو ما يعني أننا أمام عمل طويل وشاق، وفي حاجة لإرادة سياسية، وعمل مجتمعي، للخروج من خطر الهويات القاتلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.