ثريا حسن رائدة من جمر المسرح.. امرأة استثنائية في زمن استثنائي... من منابت العناد والإصرار طلعت علينا زهرا ونشيدا.. جمرا لاهبا متقدا، وأيضا هالة إعجاب، وأسراب علامات دهشة واندهاش. في صبا يوم رمادي اخترق اسمها أسوار المدينة الحجرية المنيعة ذات الأبواب السبعة... تسلق الجذران والنوافذ والشرفات. اسم تقاذفته الأهواء والتيارات.. واقع بين دفء أحضان المحبة وصقيع اللعنات القاتمة. في ذلك الزمن الخشبي ومجتمع لازال بعض سدنة يتلاسنون ولكل حججه هل إدخال مكبر الصوت للمسجد حلال أم حرام؟...ولا زالت المرأة فيه تساق مجرورة إلى السجن بتهمة المروق عن القيم والأخلاق والأعراف بعد أن ضبطت متلبسة بجريمة استبدالها (الشربيل) بالحذاء العصري، أو(الحايك) بالجلباب الدخيل. لا تسألوا عن المسرح، فلقد كان من أكبر المحرمات.. محرم عليها حتى ارتياد قاعاته ولو كانت مرفوقة بمحرم، وحدها التي انبرت، تلميذة صغيرة كانت. لم تتجاوز ربيعها الثالث عشر رافضة واقعا ظالما. وحدها كانت رحيمو الناصري – ثريا حسن بعد ذلك- حينما قررت وأصرت على امتطاء المخاطر ومعاندة الموج، من أجل حقها وحق كل النساء في المسرح وفي التمثيل. كانت بحق أول من تجرأ وألقى بالحجر الأول على سطح البركة الآسنة لتتوالى بعد ذلك الأحجار. ولم يكن ظهورها في مسرحية «لأب النادم» كأول فتاة شمالية تصعد الخشبة غير عابئة بالقرارات لتمر مرور الكرام.. بلا غبار وكما للعشق ضريبته، فلكل ريادة أيضا ضريبتها خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمسرح وأكثر من ذلك المرأة والمسرح في مجتمع، أي مجتمع يكون محكوما بالأعراف والتقاليد يرى في كل انفتاح انفلاتا.. بل مروقا وتطاولا على القيم. وهنا تكون الفاتورة مرتفعة جدا اقتطعت قيمتها من حياتها وراحتها ومستقبلها... حلمها وأحلامها. وكانت البداية صبيحة اليوم الموالي للعرض. لحظة مثولها أمام الاختيار القاتل الذي وضعها فيه نائب التعليم والفنون الجميلة: - اسمعي إنه ليس عندنا تلميذات يمثلن فوق الخشبة... وعليك من الآن أن تحددي وتختاري بين التمثيل والمدرسة. وتركت الباب من ورائها مشرعا وهي تبكي مرددة بكل جنون: لقد اخترت المسرح. من هنا بدأت رحلتها مع الجمر، دشنت بقرارات جائرة بحرمانها من متابعة الدراسة كتلميذة منتظمة بمدرسة(العذراء) والتشطيب على اسمها من المعهد الموسيقي بعد ذلك. رحلة عرفت فيها من المضايقات ما يصعب حصره، متعددة المصادر والأساليب فعيون المخبرين و(المخازنية) و(العريفة) عند بابها منذ الصباح الباكر ووراء كل خطواتها، وكثيرا ما كان يحسم الأمر بسوقها إلى سجن (الباشوية) والتهمة دائما جاهزة: «الإخلال بالأخلاق العامة في الشارع» إغراء الفتيات وتحريضهن على الفساد/ المسرح، كما أن بيتها كان دائما مستهدفا للتفتيش وحجز ما به من متاع ودلائل الإثبات دائما متوفرة: صور ومنشورات مسرحية وبقايا أدوار مكتوبة على أوراق مهترئة... ولكن ليس مثل هذه المرأة من تسلم مركبها للرياح مهما عتت، فلقد أصرت على التجذيف في وجه التيار، وتحمل شواظ الجمر، لقد سكنها المسرح وتمكن منها رافضة- بعد تجربة فاشلة- كل مشاريع الزواج التي عرضت عليها، مواجهة أمها بقرارها النهائي: «لا أستطيع أن أوفق بين زوجين في وقت واحد... أعلن لكم أنني متزوجة برجل اسمه المسرح». وعندما أرغمت على الزواج بإلحاح من الأم وضغط الأسرة وقد أصبح عمرها 27 سنة اشترطت أن يتضمن عقد زواجها شرطا غريبا من الزوجة على زوجها»... وشرطت الزوجة على زوجها المذكور ألا يمنعها من التمثيل على خشبة المسرح، ولا يمنعها من السفر منفردة سواء كان السفر قريبا أو بعيدا...» وبذلك يكون أول عقد زواج من نوعه. إنه الزوج الذي ارتضت، العقد الذي لم ينفرط، والزواج الذي لا زال قائما ومتواصلا مع العمر، والجمر لا زال متقدا. فتحية لإنسانة من لهيب وصهد وحريق...لإنسانة هي المسرح في شموخه الشامخ اسمها ثريا حسن.