كشفت نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم "تاليس" 2024 بالمغرب، التي أنجزها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بشراكة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن متوسط أعمار أساتذة السلكين الابتدائي والثانوي لا يتجاوز 40 سنة، مع حضور قوي للمكون النسائي في التعليم الابتدائي بنسبة 64 في المائة. وأبرزت أرقام الدراسة التي كُشف عن نتائجها في ندوة صحافية بالرباط، اليوم الثلاثاء، أن "الأساتذة المغاربة يواجهون أقساما غير متجانسة تضم تلاميذ وتلميذات بخصائص أكاديمية ولغوية واجتماعية واقتصادية وسلوكية متباينة، إلى جانب محدودية الموارد. ومع ذلك، فإنهم يظهرون التزاما قويا وشعورا عاليا بالكفاءة الذاتية، حيث يساهم أكثر من أربعة أساتذة من أصل خمسة في تنمية الجوانب الاجتماعية والعاطفية للتلاميذ". وأشارت الدراسة ذاتها، التي تناولت آراء وتصورات هيئة التدريس حول الممارسة المهنية وظروف العمل داخل المؤسسات التعليمية، إلى أن "استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل الأساتذة يظل محدودا، حيث لم تستخدمه سوى 26,5 في المائة من أساتذة السلك الثانوي و28 في المائة من أساتذة السلك الابتدائي، وهي نسبة أدنى من متوسطات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المحددة في 36 في المائة، ومتوسط دراسة تاليس البالغ 37 في المائة". وكشف المصدر نفسه أن حوالي 63 في المائة من أساتذة التعليم الثانوي يحملون شهادة الإجازة، فيما تصل هذه النسبة إلى 62 في المائة بالنسبة لأساتذة السلك الابتدائي، مشددا على أن "شهادة الماستر ما تزال محدودة؛ إذ لا يتوفر عليها سوى 18 في المائة من أساتذة الثانوي الإعدادي، مقابل 57 في المائة كمعدل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية". وأضاف أن "الاستقلالية البيداغوجية للأساتذة المغاربة تظل أقل بكثير من المعايير الدولية؛ إذ لا يتمتع سوى نصف أساتذة الثانوي الإعدادي، ونسبة أقل في السلك الابتدائي، بالاستقلالية اللازمة لتكييف المنهاج الدراسي أو اختيار أهداف التعلم"، لافتا إلى أن "المكانة الممنوحة للأساتذة في المشاركة في القرارات حول المنهاج ما تزال محدودة للغاية". وأظهرت نتائج الدراسة الدولية للتعليم والتعلم "تاليس" 2024 بالمغرب، التي شارك فيها أكثر من 18 ألف مدرس، أن "العلاقات بين الأساتذة والتلاميذ في المغرب إيجابية في العموم؛ فالغالبية من الأساتذة، أي 9 من كل عشرة، يصرحون بأن لهم علاقة جيدة مع التلاميذ ويهتمون بسلامتهم النفسية والاستماع إليهم، فيما يشعر 88 في المائة من أساتذة الابتدائي و78 في المائة من أساتذة الثانوي الإعدادي بأن التلاميذ يقدرون عملهم". في سياق آخر، ذكرت الوثيقة عينها أن "78 في المائة من أساتذة الثانوي الإعدادي و71 في المائة من أساتذة الابتدائي بالمغرب اختاروا التعليم باعتباره خيارهم الأول، فيما عبّر أكثر من تسعة من كل عشرة منهم عن رضاهم عن مهنة التدريس"، مسجلة أن "الأساتذة المغاربة يعبرون عن أقل مستويات الرضا فيما يتعلق بأجورهم، بواقع 39 في المائة في الثانوي و21 في المائة في الابتدائي، رغم كونهم أكثر رضا عن باقي ظروف العمل". وتوصلت الدراسة إلى أن "تكوين الأساتذة في المغرب لا يزال غير ملائم بشكل كافٍ لتنوع السياقات، مع مواكبة محدودة وتكوين مستمر يركز أساسا على المضامين التقليدية؛ لذلك يعد تعزيز الطابع المهني للتكوين، وتنويع مجالاته، وتوسيع نظام التأطير والمواكبة، أمرا أساسيا لتحسين الفعالية التربوية"، مبرزة أن "الإرهاق المهني يؤدي إلى دفع جزء من الأساتذة، خاصة الأكثر خبرة، إلى التفكير في مغادرة المهنة، ويمكن أن تساعد مسارات مهنية محفزة، وفرص التنقل، وآليات الوقاية من الاحتراق المهني في الحفاظ على الالتزام والتحفيز على المدى الطويل". وقالت رحمة بورقية، رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في كلمة لها خلال افتتاح ندوة تقديم الدراسة، إن المجلس "قرر منذ أربع سنوات، عبر الهيئة الوطنية للتقييم، الانضمام والمشاركة في مشروع 'تاليس' بدافع تعميق معارفنا حول هيئة التدريس في بلادنا، وفي سياق الإصلاحات التي تقودها بلادنا في مجال التربية والتكوين، وبدافع الأهمية التي يوليها المجلس لهيئة التدريس وكل العاملين في هذا المجال، اعتبارا لكونها عماد المنظومة وقوام كل إصلاح فيها، وأحد الأعمدة التي يقوم عليها النظام التعليمي". وأشارت بورقية إلى "الأهمية التي يكتسيها كل العاملين في مجال التربية، حيث تمكننا دراسة 'تاليس' من المقارنة بين 50 دولة مشاركة في هذا المشروع، واستقراء آراء الأساتذة ومديري المؤسسات التعليمية حول كل ما يتعلق بالتدريس وطرقه وظروف العمل والتحديات التي تواجه المدرسين وكل الفاعلين في منظومة التربية والتكوين". وزادت: "نحن على اقتناع بأن المعرفة الواقعية للتعليم والتعلم أساسية في نجاح المنظومة التربوية، ولا يمكن الحصول على تلك المعرفة دون استقراء آراء الفاعلين الذين يعملون في ميدان التدريس والتكوين. كما تتيح دراسة 'تاليس' للأساتذة التعبير عن واقعهم المهني وممارستهم للتدريس واحتياجاتهم في التكوين والتنمية المهنية، التي يكون لها تأثير إيجابي على مردودية المدرس وعلى علاقته بالمهنة". وأوضحت رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن "هذه الدراسة تمكن من فهم واقع التعليم والتعلم، ومن إجراء تقييم مقارن لنظم التدريس، ودعم الأساتذة، وواقع تكوين المدرسين، وحالة مؤسسات التدريس"، مسجلة في هذا الصدد أن "المعارف والتحاليل في مجال التعليم والتعلم تمكن السياسات العمومية من معرفة واقع التعليم والتعلم، وهي معرفة ضرورية لكل سياسة عمومية في هذا المجال".