حين تتحول الأيديولوجيا إلى بديل عن التفكير سمعتُ فيديو يتحدث فيه الأستاذ أحمد عصيد عن فشل التعريب في المغرب، وفي هذا أتفق معه إلى حد بعيد. فالتعريب، كما طُبّق، لم يكن مشروعًا علميًا متكاملًا، بل كان في كثير من الأحيان قرارًا إداريًا فوقيًا، بلا رؤية واضحة ولا مواكبة حقيقية للبحث العلمي. النتيجة كانت ارتباكًا لغويًا ومعرفيًا لدى أجيال من الطلبة الذين وجدوا أنفسهم يدرسون العلوم بالعربية في المدرسة، ثم يُقذف بهم فجأة إلى الفرنسية في الجامعة، دون جسر حقيقي بين المرحلتين. هذا التشخيص واقعي، ولا يحتاج إلى مزايدة. لكن ما أثار انتباهي هو القفزة التي تلت هذا التشخيص، حين يتحول نقد تجربة تعليمية فاشلة إلى حكم مطلق على لغة بأكملها، والقول إن العربية لا مكان لها في عالم العلم والمعرفة في عصرنا، بل أكثر من ذلك القول بأنه لا يوجد اختراع واحد بالعربية. هنا لا نكون أمام تحليل، بل أمام اختزال مخلّ يخلط بين الأداة والنتيجة، بين اللغة التي تُستعمل والعلم الذي يُنتج. بالطبع، من يتابع عصيد ويعرف توجهاته يدرك أن هذا الطرح لا ينفصل عن خلفية أيديولوجية وفكرية نقدية تجاه ما يرتبط بالحضارة العربية الإسلامية، غير أن هذا جانب آخر من النقاش يمكن تناوله في سياق مختلف. دعونا نتوقف عند العلاقة بين إنتاج العلم واللغة. العلم لا يُصنع في اللغة، بل يُترجم إليها. ما يُنتج العلم هو بيئة كاملة: جامعات حقيقية، مختبرات مجهزة، تمويل مستقر، حرية أكاديمية، وثقافة نقد. هذه الشروط هي التي تُخرج الباحث، لا اللغة التي يكتب بها. اللغة تأتي لاحقًا، كوسيلة لنقل ما تم إنتاجه. ولذلك فإن ربط العلم بلغة بعينها ليس فقط خطأ، بل هو تبسيط مخلّ يطمس جوهر العملية العلمية. إذا نظرنا إلى الواقع المغربي، سنفهم أين تكمن المشكلة الحقيقية. في كثير من الجامعات، الطالب لا يجد مختبرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل قاعات تفتقر لأبسط التجهيزات. البحث العلمي يعاني من ضعف التمويل، وغالبًا ما يكون نشاطًا هامشيًا بدل أن يكون قلب الجامعة. الأستاذ مثقل بالتدريس والإدارة، والطالب يتخرج وهو لم يلمس تجربة علمية حقيقية إلا نادرًا. في هذا السياق، يصبح النقاش حول لغة التدريس أشبه بنقاش حول لون الطلاء في بيت لم يُبنَ أصلًا. خذ مثال كليات العلوم أو الطب: أغلب الطلبة يدرسون بالفرنسية، ومع ذلك لا تتحول هذه المؤسسات إلى مراكز إنتاج علمي عالمي. لماذا؟ لأن المشكلة ليست في اللغة، بل في المنظومة. الفرنسية لم تصنع المعجزة، تمامًا كما أن العربية لم تكن سبب الفشل. اللغة هنا مجرد أداة، تُستعمل داخل بيئة ضعيفة، فتُنتج نتائج ضعيفة، أيًا كانت. دول أخرى كثيرة تدرس كل المستويات باللغة الإنجليزية، ومع ذلك فهي متخلفة لا تنتج علمًا ولا تخترع شيئًا. ثم انظر إلى الباحث المغربي حين يغادر هذا السياق. نفس الطالب، بنفس اللغة الأم، حين يجد نفسه في مختبر أوروبي أو أمريكي، يندمج بسرعة، يُنتج، وينشر في مجلات علمية مرموقة. هل تغيرت لغته؟ لا. الذي تغير هو البيئة: توفر الإمكانيات، وضوح المنهج، وثقافة البحث. وهذا وحده كافٍ لنسف فكرة أن اللغة هي العائق. أما عبارة "لا يوجد اختراع واحد بالعربية"، فهي في حد ذاتها تعبير عن خلط مفاهيمي عجيب. الاختراعات لا تُنسب إلى اللغات، بل إلى البشر والبيئات التي يعملون فيها. لا يوجد اختراع بالإنجليزية، ولا اختراع بالفرنسية أو اليابانية، بل يوجد علم يُنتج في سياق معين، ثم يُكتب باللغة السائدة في ذلك السياق. اللغة لا تُفكر، ولا تبتكر، بل تُعبّر فقط. التاريخ يوضح هذه الحقيقة ببساطة. العربية كانت في مرحلة معينة لغة علم، ليس لأنها تمتلك قدرة خارقة، بل لأن الحضارة التي حملتها كانت تُنتج المعرفة. وعندما انتقل مركز الإنتاج إلى أوروبا، انتقلت اللغة معه. اليوم، الإنجليزية مهيمنة، ليس لأنها أذكى، بل لأن مراكز البحث والتمويل توجد في فضائها. ولو تغيّر هذا المركز، ستتغير اللغة، دون أن يتغير شيء في طبيعة العلم. اختزال أزمة العلم في اللغة هو، في النهاية، نوع من الهروب. هروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تُحرجنا: لماذا لا نستثمر في البحث؟ لماذا جامعاتنا لا تُنتج؟ لماذا الطالب يتخرج دون مهارات علمية حقيقية؟ هذه أسئلة صعبة، تتطلب نقدًا للسياسات، وللبنية، وللثقافة. لذلك يُستبدل بها جواب سهل: المشكلة في العربية. ثم هناك مفارقة صارخة لا يمكن تجاهلها. من يُقنع الناس بأن العربية، بكل تاريخها وانتشارها ورصيدها، لا تصلح للعلم، كيف سيُقنعهم في المقابل بتعلم اللغة الأمازيغية التي ينعدم وجودها في البحث العلمي التجريبي العالمي؟ بأي منطق سيُطلب من الطالب أن يثق في قدرة لغة ما على حمل المعرفة، بعد أن قيل له إن لغةً يتعلم بها الملايين يوميًا عاجزة عن ذلك؟ حين تُزرع في وعي الناس فكرة أن اللغة هي التي تُنتج العلم، وأن بعض اللغات محكوم عليها بالعجز، فإن هذه الفكرة لا تتوقف عند حدود العربية، بل تمتد لتقوّض الثقة في أي مشروع لغوي آخر. وهنا يسقط الخطاب على نفسه. لأن الرسالة الضمنية تصبح واضحة: القيمة ليست في اللغة، بل في موقعها ضمن ميزان القوة العلمية. وبالتالي، لا يمكن بناء ثقة لغوية على خطاب يهدمها من الأساس. إن الحقيقة أبسط وأقسى في آن واحد. اللغة لا تصنع العلم، بل تكشفه. إن كان موجودًا، نقلته. وإن كان غائبًا، فضحته. المشكلة ليست في العربية، ولا في الفرنسية، ولا في الأمازيغية، ولا في أي لغة أخرى. المشكلة في غياب بيئة تُنتج العلم. وكل حديث خارج هذا الإطار، مهما بدا صاخبًا، يظل يدور حول القشرة... ويترك الجوهر بعيدًا عن النقاش. -أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي