أثناء استقباله من طرف بنعتيق: غوتيريس يشيد بالسياسة الجادة لجلالة الملك ويطمئن على صحة عبد الرحمان اليوسفي    19 يوما فقط للاستفادة من الإلغاء الكلي أو الجزئي للضرائب    مجلس المستشارين يصادق بالأغلبية على الجزء الأول من مشروع مالية 2019    فرنسا تكشف أن منفذ الهجوم الارهابي بستراسبورغ من أصول مغربية    مؤشرات تؤكد نية المغرب عدم الترشح لاستضافة كأس أمم إفريقيا 2019    مايكل أوين: صلاح قوي مثل الثور.. والمدافعون يتساقطون من حوله    نجم جديد يستعد للنزول من سفينة برشلونة!    رحلة خاصة لجماهير اتحاد طنجة نحو ولاية بشار الجزائرية    إنتقام ومخدرات وراء جريمة قتل شخص لطليقته بإقليم شفشاون    10 سنوات سجنا لرئيس جماعة أولاد غانم وكاتب المجلس بسبب "التزوير في محضر رسمي"    انتصارات المغرب في الاتحاد الأوربي تُغضب الانفصاليين و”البوليساريو” تهدد باللجوء إلى القضاء    وهبي يدخل على خط قضية حامي الدين ويجر الوزير الرميد إلى المساءلة بالبرلمان    متحديا الكونغرس وال"سي آي إيه".. "ترامب": أدعم "ابن سلمان" لأنه حليف جيد لنا    الرجاء يكمل عقد المتأهلين لربع نهائي البطولة العربية..تعرف على باقي الأندية    إقصاء واعتذار..هكذا ودع مدرب الإسماعيلي فريقه من “دونور”    البرلمان البريطاني يجري تصويتا لسحب الثقة من رئيسة الوزراء “تريزا ماي”    “لارام” تتسلم في أمريكا طائرة بوينغ جديدة ذات مواصفات تكنولوجية متطورة    تونس.. ممثل سوري يخرج عاريا على المسرح والجمهور يغادر    دياراف داكار يحشد الجماهير لمساندته أمام الوداد    أزولاي يشيد بملوك المغرب الذين شرفوا ذاكرة اليهود المضطهدين خلال الهولوكوست    الملك محمد السادس يبعث بهبات إلى شرفاء زوايا طنجة    اعتقال أشخاص متصلين بمنفذ "هجوم ستراسبورغ"    أنطونيو غوتيريش بقمة المناخ بكاتوفيتشي البولونية    أمن طنجة يفكك عصابة إجرامية متكونة من ثلاث أشقاء وصديق لهم    “القابلات” يرفضن سياسة التعاقد وينزلن غدا إلى شوارع    أحوال الطقس غدا الخميس.. أمطار مرتقبة في بعض المناطق    جلالة الملك يهنئ الرئيس الكيني بمناسبة احتفال بلاده بذكرى استقلالها    براق "طنجة".. خطوة في اتجاه التأهيل النوعي للشبكة السككية    الرقم الأخضر يطيح بقائد وكاتب ضبط    رئاسة النيابة العامة تتشدد في حماية الحياة الخاصة للأفراد    نور الدين امرابط أفضل لاعب في الجولة ال12 للدوري السعودي    القارئ الممتهن القراءة    الكتابة الإقليمية للإتحاد الاشتراكي بجهة طنجة تطوان الحسيمة،تنظم الملتقى الجهوي للمنتخبين بإسم الإتحاد الإشتراكي في البرلمان والجماعات الترابية والغرف المهنية    « الفايسبوك » يطيح ب »مجرم فاس »    10 أفلام تتنافس على جوائز الدورة العاشرة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة    الدكتور عبد السلام الوزاني بالمقهى الأدبي باسفي    بحثا عن أفق ثقافي وشعري جديد: الملتقى الأول للشعراء المغاربة والإسبان بتطوان    بعد شيشاوة…داء ال جدري يضرب قطعان جهة الشاوية    مراكش.. اختتام المؤتمر الحكومي الدولي من أجل المصادقة على الميثاق العالمي للهجرة    فرنسا تجهز “سلاح سري” للقضاء على أصحاب “السترات الصفراء”    صور وتفاصيل جديدة على هجوم ستراسبورگ.. والارهابي اللي تيرا فالناس طلع مغربي الاصل    أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدرهم    جولة مسرحية ل «زهر وشوك» لفرقة مسارات    بالصور.. افتتاح المهرجان الدولي لفيلم الطالب    شارلز لورانس.. ممثل ومسرحي عالمي أنجبته طنجة الدولية    إقليم الفحص أنجرة : تسليم هبة ملكية للشرفاء "العجبيين"    عشرات المواطنين من الأقاليم الجنوبية يتوجهون للبحث عن الترفاس وسط رعب الألغام    القضاء الكندي يفرج بكفالة عن المديرة المالية لمجموعة الصينية هواوي    هذه خطة لجنة مناخ الأعمال لإقناع فريق «دوينغ بيزنس»    شركة سامسونغ تستعد لإطلاق هاتف ذكي واجهته كلها شاشة    تعرّف على أهمية شرب الماء خلال فصل الشتاء    تفاديا لتكرر معاناة حجاج المغرب.. التوفيق يجتمع بوزير الحج السعودي بمكة تحضيرا لموسم الحج المقبل    رسالة العلماء .. حلقات يكتبها أحمد الريسوني الحلقة الأولى: العلماء ورثة الأنبياء    جدل المساواة في الإرث يصل إلى الحكومة والتقدم والاشتراكية يطالب بإقراره    عصير البرتقال يحمي من مرض عقلي خطير    دراسة: هكذا يؤثر "الهاتف الذكي" على دماغ الطفل    دراسة تؤكد فعالية التأمل في علاج اعراض ما بعد الصدمات    الحكواتية أمال المزروري تتألق في الملتقى العاشر للسيرة النبوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





النقد " المانهايمي " العربي للأيديولوجيا
نشر في هسبريس يوم 15 - 03 - 2010

لست في وارد رفض الأيديولوجيا ؛ فكل ما قدمناه يؤكد على عدم إمكانية تمثل الفكر خارج غوايتها. فالمقصود واضح ههنا، حيث يتعلق الأمر بالحذر من فخاخها ولو في الحد الأدنى. ويستتبع ذلك حقيقة أخرى تتعلق بخلو فكر البشر من العصمة إلا ما كان تمسكا بما من شأنه عصمة الفكر من الخطأ. ولا نقصد بالضرورة أن المنطق عاصم من الخطأ لأنه هو نفسه تحول إلى محل لأخطاء ومغالطات ، ومن هنا كان محلا لتجددات وتنسيقات متنوعة. بل نقصد أن فكر البشر متى ما لم يتمسك بحبل عاصم مشروع فهو فكر قابل للأخذ والرد والنقد لا مانع من ذلك. ومن هنا نقرر ما يلي:
لقد دخلت الايديولوجيا في إطار الاهتمام العربي-الإسلامي المعاصر – كلغة واصفة- في ستينيات القرن المنصرم. و قد انخرط في النقد الايديولوجي لفيف من المثقفين و الايديولوجيين، مما نتج عنه موروث ميتا –ايديولوجي في غاية التوتر ، خضع هو الآخر لمؤثرات الايديولوجيا. و مع أن ثمة ما هو مشترك في هذا النقد، إلا أن فشل المثقف العربي في ممارسة النقد خارج دائرة التأثير الايديولوجي الغربي جعل محاولته بهذا الصدد تواجه الإخفاق. لأن وقوعها في أيديولوجيا الأيديولوجيا سوف يكون على غرار " تهافت التهافت" !
لقد تحددت مهمة الايديولوجي العربي، في أن يطبق أدوات جاهزة، دون أن يمارس حولها حقه في المساءلة أو المساهمة في النقد الايديولوجي خارج تلك الحدود المفروضة. و طبعا إن واقعا كهذا ليس الغرب هو المسؤول عنه، بل المثقف العربي نفسه مسؤول عن خضوعه لهذه التبعية الشاملة، التي تبدأ من النظرية حتى تقنية الممارسة. و من الايديولوجيا حتى الميتا-ايديولوجيا.
ويبدو أن أقدم من انخرط من المثقفين العرب، المعاصرين في هذا المجال ، هو د.نديم البيطار من خلال كتابه الكبير "الايديولوجيا الانقلابية"، وكذا د.عبد الله العروي من خلال كتابه "الايديولوجيا العربية المعاصرة". بالإضافة إلى ما تلاه من أعمال تقديمية أو نقدية، مثل : "مفهوم الايديولوجيا" أو "العرب و الفكر التاريخي". نشر الأول كتابه عام 1964 م ، في حين نشر الثاني كتابه عام 1967 م. ثم انهالت بعد ذلك الأعمال الايديولوجية تترى، و استفحل الاهتمام بالايديولوجيا إلى حد كبير.
وجدير بالذكر، أن الاهتمام العربي- الإسلامي المعاصر بموضوع الايديولوجيا، إنما برز بشكل لافت في أزمنة التمزق العربي و الإسلامي و في فترة محكومة بمناخ الإخفاقات و الاندحارات الكبرى. و من المؤكد أن الايديولوجيا لا تثير إشكالية المعرفة أو علاقة الفكر بالواقع، إثارة علمية، بل تقدم نفسها كضرورة وظيفية انقلابية في المجتمع. إذ لا يتسنى لأي مجتمع أن ينهض إلا بناءا على ايديولوجيا محركة. إن الاهتمام بالايديولوجيا في هذه المرحلة ظل يطرح هما مزدوجا أو لنقل استراتيجية للاحتواء المزدوج، لبنية الايديولوجيا (بوصفها مقارنة بالعلم، خداعا)، و لوظيفتها الثورية (بوصفها بلحاظ الاجتماع ،ضرورة). لقد وجد العالم العربي نفسه، في تلك المرحلة ، داخل عالم مشحون بالثورات الاجتماعية المتعاقبة، ما جعل الاهتمام بالايديولوجيا أمرا طبيعيا، كما جعل الشعور بأهميتها له ما يبرره و ينهض بضرورته. و قد برر د.العروي- و هو من أوائل المشغلين على المشكل الايديولوجي- اشتغاله هذا برغبته في تجاوز الفوضى التي وقع فيها العرب في استعمالهم للايديولوجيا و إدخال شيء من النظام في ميدان –يقول العروي- كثر فيه الخلط[1]. إن سوء الاستعمال للايديولوجيا في الفكر العربي المعاصر و وقوع المثقفين العرب في مأزق تداخل المدارس و التحليلات، من شأنه أن يهدد الفكر و يعكر النظر. من هنا الدعوة إلى إعادة الوضوح إلى المفاهيم لأن "عدم وضوح المفاهيم خطر كبير على استقامة الفكر"[2].
النتيجة التي توصل إليها العروي تجعل الايديولوجيا مفهوما إشكاليا غير بريء. و بإمكانه أن يكون أداة للتحليل السياسي و الاجتماعي و التاريخي شريطة أن نستوعب الأفكار التي ينطوي عليها المفهوم، باعتباره حمال مضامين فكرية ما، و ليس مفهوما خالصا و بريئا. و شريطة التزام الحذر في استخدامه بوصفه مفهوما مشكلا. و أيضا الاستناد إلى عملية الفرز و التجريد قبل استعماله أداة تحليلية.
إلا أن واقع الكتابة العربية، يختلف عن ذلك تماما، فالايديولوجيا يتم توظيفها بشكل فوضوي و مختلف، إذ أغلبهم يأخذها أخذ العقيدة أو الفلسفة. و هو الاستعمال الذي يراه العروي غير مجدي[3]. لذا يسعى العروي إلى الإقناع بضرورة أن يتم استعمال هذا المفهوم بنباهة عالية. ليس لأن الغرض من ذلك هو تحقيق مكنة بلوغ الواقع و الكشف عن ظاهراته، بل للتحرر من أوهام النقد. لا يخفى أن العروي يمتعض من الاستعمال العربي لمفهوم الايديولوجيا التي يؤدي بها إلى أن تكون أداة وهمية لتحليل الأوهام. لذا فهو يستحضر الموقف "المنظوري" عند مانهايم في جنبة التأكيد على أن يتحرر الباحث إلى الحد الأقصى من الأوهام. على أن تحرره من الأوهام – لتحرره من الأطر الايديولوجية و تبنيه خيار النقد- لا يعني بالضرورة الكشف عن الواقع، بل يعني ممارسة النقد بشكل حقيقي غير مزيف. إن وضوح المفاهيم المستعملة لا يوصل بالضرورة إلى إدراك الواقع، لكن على الأقل يخلص الباحث من التساؤلات الزائفة. "و ما أكثر التساؤلات الزائفة في ميدان نقد الذهنيات"[4].
النقد "المانهايمي" يتجدد عربيا.
في مقدمته للطبعة العربية، عبر عبد الله العروي بما فيه الكفاية عن ضرورة استيعاب المفهوم. حتى أنه تمنى حينئذ لو أتيحت له الفرصة لإعادة صياغة كتابه "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، باللغة العربية، إذن، لاستعمل أسلوبا آخر "أقل تجريدا" و أكثر بيانا. فهو يفترض أن قراء الطبعة الفرنسية ساعة نشره، يفترض إلمامهم بالنقد الايديولوجي الماركسي و إحاطتهم بالمنظور الفرويدي و أفكار لوكاكش و مانهايم. ما يجعل المتن بينا واضحا. إنها المقدمات التي يتعين استيعابها لفهم ما قصده الباحث في كافة أعماله. إذن ليس ثمة لدى العروي فهما جديدا للايديولوجيا غير الفهم الذي مر معنا، و تحديدا مع ماركس و التوسير مع تأثير لمانهايم. و لذا، و اختصارا للقول و اقتصادا للفكر، سوف يكون كتابه "مفهوم الايديولوجيا" عرضا،و إن انتابته لحظات نقدية جذرية، إلا أنه في هيكله العام،جاء في صيغة تقديمية مدرسية، كما لو كان تلخيصا للمنظور الايديولوجي الغربي الذي بلغ مداه مع النقد الماركسي. حيث نستطيع الوقوف على ما يلخص هذه الرؤية في تعريفه للايديولوجيا بقوله : "ليست الايديولوجيا، الفكرة المجردة أو العقيدة، و إنما هي الفكر غير المطابق للواقع، رغم أن الفرد المفكر يظن عكس ذلك. تختلف الايديولوجيا عن محض الكذب أو التلبيس، كما أنها غير الخطأ المنطقي..." [5].
و قد يكون جماع القول الايديولوجي لدى الباحث، و منتهى وعيه بجوهر الوظيفة الايديولوجية، هو ما يعكسه الجدول التالي، الذي لخص فيه ما يمكن قوله بهذا الخصوص.
(مفهوم الايديولوجية، ص 12)
الايديولوجيا كما يتضح من الجدول السابق، تستعمل في ثلاث صور : فهي تارة تأتي في معنى قناع، و مجال هذا الاستعمال: المناظرة السياسة غالبا. كما تستعمل بمعنى الرؤية الكونية في مجال اجتماعيات الثقافة، كما تستعمل بمعنى معرفة الظاهرات في مجال نظرية المعرفة.
في السياق نفسه، و في ضوء الخلل الكبير الذي يعانيه النقد الايديولوجي العربي الإسلامي على مستوى اللغة الواصفة، تأتي مساهمة المفكر المغربي د.عبد الله العروي كتب سنة 1967 كتابه الموسوم "الايديولوجيا العربية المعاصرة"؛الكتاب الذي تزامن مع هزيمة العرب المنكرة في عام النكسة، و الذي أثار جدلا واسعا داخل أوساط الانتلجونسيا العربية. لعله العمل العربي الأول الذي فتح الباب على مصراعيه لبدء حركة نقدية للايديولوجيا العربية المعاصرة، و لأكثر المفاهيم التي اكتست في التداول العربي طابعا وثوقيا مطلقا، وتم التعاطي معها بشكل غامض و كحقائق ناجزة. أي أن التعاطي مع هذه الأصول النظرية و المحددات المفاهيمية ظل في المجال العربي الإسلامي تعاطيا إيديولوجيا. ففي نظر ناقد الايديولوجيا العربية المعاصرة،أن أي نقاش يجري في أفق هذا الخواء المفاهيمي أو سوء الفهم للايديولوجيا، لن يجدي نفعا.
فالاشتغال على الايديولوجيا العربية المعاصرة يقتضي اشتغالا موازيا أو مقدميا على صعيد المفهوم. فانخراط العروي في النقد الايديولوجي أو بالأحرى الميتا-ايديولوجي ضرورة منهجية ناجزة، لرفع الالتباس والتأسيس لعصر الوضوح في الاختيارات الفكرية.و من ثمة قيامه بسلسلة المفاهيم، التي قصد من خلالها تغطية هذا النقص؛ و هي : مفهوم الحرية، و مفهوم الدولة، و طبعا، مفهوم الايديولوجيا، و مفهوم التاريخ، و مفهوم العقل.
و خلافا للبيطار – الذي سيفرد له العروي نقدا خاصا – فإن اشتغال العروي على الايديولوجيا من جهة لغتها الواصفة، و إن بدا مقتضبا إذا ما قور بحجم "الايديولوجيا الانقلابية" الذي جاء مسهبا إلى درجة تفوق الإشباع، فإنه اكتسى طابعا نقديا. فالعروي دائما يذكر بوضوح اختياراته أثناء محاولاته للنقد الايديولوجي انطلاقا من النموذج المحلي. نعم قد لا يستطيع الباحث أن يقف في هذه المقاربة النقدية- أقول، على المستوى الميتا-ايديولوجيا- عن أي إضافة سوى ما أنجز في نطاق النقد الغربي السالف الذكر. لا سيما الجانب الماركسي منه. كما أن انخراطه في النقد و التأويل الايديولوجي الغربي، بما فيه الماركسي –كنقده أحيانا للمنظور الألتوسيري في بعض الجوانب- فإن ذلك لا يتعدى فعل الترجيح و التوضيح و الشرح، و ممارسة الإقناع لصالح هذه المدرسة النقدية. و للذكر فقط، فإن العروي لا يخفي هذا الانهمام بالمدرسة الماركسية أو المنظور النقدي الايديولوجي الغربي. فهو عكس كل ما نتوقع من ناقد عربي-إسلامي، يدعو إلى أن نحسن الانصات إلى هذا الغرب من دون تردد و على أرضية الخواء المطلق الذي تحدثه القطيعة النهائية مع كل ما هو ذاتي لنا.
على هذا الأساس نفهم الأسباب التي جعلت العروي لم يشأ تعريف الايديولوجيا كعقيدة أو منظومة أفكار كما في التداول العام، لأن مثل هذه الترجمة لا تعبر إلا عن جانب محدود من جوانب دلالتها. و ربما تراءى له، بأن أقرب لفظ يفيد معنى الايديولوجيا في الاصطلاح العربي الإسلامي، هو لفظ "دعوة". فالايديولوجيا اليوم تلعب الدور نفسه الذي لعبته بالأمس الدعوة. اذن فإن الاحتفاظ بالايديولوجيا لفظا، راجع إلى اعتقاد العروي باستحالة إحياء هذه الكلمة لقاء الانتشار الذي عرفه لفظ ايديولوجيا في التداول الحديث.
على الرغم من أن العروي يدرك تماما، بأن مصطلح ايديولوجيا – أو كما يسميها هو، أدلوجة –حديث التداول بالمعنى المذكور، فإنه حاول بسط الحديث عن قصة العلاقة بين الفكر و الواقع في الحقب السابقة للايديولوجيا. و إذن، فإنه يقيم تحقيبا تاريخيا كونيا : عصور ما قبل الايديولوجيا. و عصر ما بعد الايديولوجيا. يقول، في هذا الصدد: "هذا هو الجو الذي عاش فيه الناس قبل عهد الأدلوجة، كان مشكل مطابقة أو مناقضة الذات للموضوع يظهر في صورة الصواب و الخطأ من جهة، و صورة الصحة والمرض من جهة ثانية. يكتسي في الحالة الأولى شكلا منطقيا و في الحالة الثانية شكلا أخلاقيا. ينشأ الخطأ عن خلل عقلي ناتج عن مرض نفسي أحدثته قوة كونية مناهضة للحق. و ينتشر الخطأ عن طريق الدعوة و الوراثة"[6].
و يبدو أن العروي يتحدث هنا عن الايديولوجيا بالمعنى النقدي الذي تبلور في الأدبيات الحديثة و المعاصرة. و لكن، ألا يمكننا القول بأن الايديولوجيا كظاهرة، ملازمة للاجتماع، لم تغب يوما، و لا تتحدد بحقبة أو جغرافيا. ففي كل عصر و في كل جيل، تنشأ علاقة ما، لوصل الاجتماع بأفكار تصدح بالنبل و توحي بالأحلام الجميلة، عادة ما تأخذ شكل النسق و يذود عنها أنصارها حتى الموت.
نعم، من الواضح أن العروي لا يتحدث عن الايديولوجيا كما لو كانت أفكارا مجردة أو محض كذب كما يوحي به التعريف بالضلال أو القناع. النقد الايديولوجي إذن مدماك ينهض عليه الوعي بوظيفة الفكر و الوعي أيضا بخداعه. يتحدث العروي عن واحدة من التجارب التي شهدها الموروث العربي-الإسلامي. ربما ذهب بعيدا في اعتباره أبي حامد الغزالي من أوائل الذي –لعلهم- بلغوا قاب قوسين أو أدنى من إدراك مخاتلات الفكر و حيل "التدليج" حسب عبد الله العروي.
الايديولوجيا في المنظور العروي إذن، هي الفكر غير المطابق للواقع. فوجود فرد ضمن جماعة أو قوم أو ثقافة تنعكس في ذهنه معطيات الاجتماع و التاريخ انعكاسا مضللا، معكوسا أو مشتتا أو مضببا. يتجلى هذا المنظور النقدي بصورة أوضح عندما يتولى الباحث النقض على نديم البيطار، سواء فيما يتعلق بمفهوم الايديولوجيا أو ما يتصل بأشكالها. نقد لاذع يصل حد الاتهام بكون التناول الايديولوجي عند البيطار لم يكن تناولا نقديا،بل تناولا أيديولوجيا. فإذا قيس حجم كتاب "الايديولوجيا الانقلابية" للبيطار بكتاب "الايديولوجيا العربية المعاصرة" أو "مفهوم الايديولوجيا" أو بأي عمل آخر للعروي، لن يكون هناك أي مجال للمقارنة. فمن دون شك، أن "الايديولوجيا الانقلابية" عمل ضخم و مفصل بشكل يفوق الحاجة. و ها هنا يبدو أن الأمر أشبه ما يكون بالمنفعة الحدية. فالتضخم في العرض من قبل البيطار هو في نظر العروي ضرب من الإكثار. فالإسهاب في عرض الأمثلة و الإطناب الشديدين هما معيبان حسب المنظور العروي للايديولوجيا. فأي تطويل و تكرار هو محاولة للإقناع، أي هو فعل إيديولوجي. هذا الأخير يهتم بالتحليل أكثر ما يعتني بالتحشيد. يقول : "يسرد البيطار الأحداث و الأفكار و المدارس و المشكلات بدون ملل، يحتاج إلى مثل فيسرد خمسة أو عشرة على التوالي، كأن الإقناع منوط بكثرة الأمثلة لا بدقة التحليل. قد يتعجب القارئ من منهج المؤلف، و قد يشك الناقد في قيمته العلمية.بيد أن له ما يبرره كما سيتضح لنا بعد حين"[7].
يتبنى البيطار إذن، مفهوما لا جدوى منه، للايديولوجيا، في نظر العروي. إذ يراها كما هو متوقع أيضا من قراءه، بمعنى "العقيدة". لذا آثر وصلها بالكينونة؛ "أنا انقلابي، إذن أنا موجود".
بالإضافة إلى ذلك، يأخذ العروي على البيطار كونه لا يتقيد بمنهج و لا يستند إلى مدرسة فلسفية واضحة، بل قصارى ما هنالك، أنه مارس ضربا من الإقناع الايديولوجي. فهو يتردد ما بين "اجتماعيات الثقافة" و بين "النفسانية الجماعية"... و من نظرية المعرفة إلى التاريخ المقارن. لا يهتم بالمنهج لأن هدفه الإقناع. و لا يحفل بالمعقول لأن اهتمامه العمل"[8].
اتهام العروي للبيطار بأنه يلجأ إلى هذه المدارس المختلفة حيثما اقتضت الحاجة إلى الإقناع و التبرير، يبغي من وراءه الإشارة إلى مأزق التلفيق و ليس محض الاستعارة من الغرب. و إلا فالعروي نفسه يتبنى، لا بل يدعو لتبني هذا الفكر. لقد حاول رسم جينيالوجيا لأهم الأفكار التي قام البيطار بتلفيقها لتسويغ دعوته الايديولوجية الانقلابية. هدف العروي إلى إبراز تعدد الأصول النظرية من خلال هذه الإشارة الجنيالوجية. و هو أمر مبرر عند العروي، إذ أدرك بأن هدف البيطار "عملي أولا و أخيرا. فهو بالضرورة ذرائعي و تلفيقي (...) أما التاريخ المقارن، فإنه يستعمل للإقناع فقط"[9].
و أيا كان الأمر، فإن تعدد أصول أفكار البيطار بخصوص الايديولوجيا لا يحجب حقيقة التأثير الكبير لنيتشه على "الايديولوجيا الانقلابية". إن البيطار لا يتحدث عن ايديولوجيا معينة. بل، يدعو إلى الانقلاب و التمرد. من هنا اتضح للباحث بأن "المؤثر الأول في ذهنية البيطار، هو نيتشه عبر قصص مالرو وسارتر (...) لم يستعمل البيطار مفهوم الايديولوجيا بكيفية نقدية"[10].
إذا اكتفينا بهذا القدر من النقد الذي وجهه العروي إلى البيطار، حيث حصرناه في ملاحظاته المتعلقة بالجانب المفهومي و الميتا-أيديولوجي، يمكننا بعد ذلك القول، بأن ثمة ما هو جامع بين الرؤيتين معا، و إن كان ثمة اختلاف كبير بينهما. الجامع هنا، هو أن النقد الذي قدمه كلاهما لم يأت بقيمة مضافة على صعيد النقد الكوني للمفهوم. أي استمرار نفس الاضطراب و نفس الأزمة المفهومية إزاء الفكر الغربي الحديث. وواضح جدا،أن كتاب "الايديولوجيا العربية المعاصرة" الذي لم يكن سوى تطبيق ذكي للحقائق ذاتها التي توصل إليها النقد المفهومي للايديولوجيا، لم يقدم إضافة من ذاك القبيل. و على الرغم من أنه كتب في الأصل باللغة الفرنسية، لم نجد له تأثيرا بالحجم الذي تركه في المجال العربي الإسلامي المعاصر، و حصرا على النخب. في حين تطور النقد الايديولوجي في الغرب و أتى بنتائج فيها من الجدة و الابتكار الكثير. إن مؤاخذات العروي على البيطار بخصوص تعدد مصادر الاقتباس، ليست أسوأ من المؤاخذات التي يمكن أن تلاحظ على هذا الأخير، في تبنيه وجهة نظر محددة للايديولوجيا و إطراح الوجوه الأخرى. و سيظل كلاهما مدينين للنقد الايديولوجي الغربي بامتياز. نعم ثمة وضوح في الاختيار الايديولوجي للعروي. فهو يرفض التجزيئ و الانتقاء و يؤكد على المنهج و النقد طبعا على أرضية مدرسة فكرية معينة كما سنرى. و هو أمر لا يتوفر عليه المقترب البيطاري. فإذا كان هذا الأخير حريصا على إبراز الأهمية الحضارية للايديولوجيا الانقلابية و ربطها بالتصور الكوني للإنسان، و بذلك يكون قد عانق شكلا أكثر راديكالية للأيديولوجيا؛ التصور النتشي للقوة و الصيرورة، و التصور الكامووي للرفض و الثورة، مما جعله لا يبدل كبير عناء لبيان شكل الايديولوجيا المناسبة غير كونها الايديولوجيا القادرة على تمكين المجتمع من الثورة عى الذهنية التقليدية. و دون أن يحدد اختياراته الايديولوجية. فالايديولوجيا ليست هي الأهم – وفق التصور السابق من حيث هي عقيدة – إذ لا فرق عنده بين الايديولوجيا و العقيدة – بل قيمتها في انقلابيتها. فمقتضى الصيرورة، نشوء و ارتقاء الأفكار و الايديولوجيات. و الصراع الايديولوجي الذي لا يتوقف أبدا عند نموذج مخصوص، و لا يتوقف عند نهاية و لا يقيم إلا لماما، طالما أن البقاء و الاستمرارية هما للأصلح. إن المنظور الدارويني الاجتماعي، هو الملهم الأكبر لهذه المقاربة البيطارية. فإذا كان هذا هو المنحى الذي سار عليه هذا الأخير، فإن العروي اختار التمرد نسبيا على هذه القراءة المغلقة و تجاوز المنظور الذرائعي لصالح قراءة تساؤلية نقدية، مبنية على العلم و الشمولية في الاختيار و الوضوح و القطيعة، على حد ما يراه و يدعيه. أجل، إن الجامع بينهما هو كونهما رد فعل عن مسلسل الأحداث و التطورات السياسية و الاجتماعية التي بلغت ذروتها بفك الوحدة بين سوريا و مصر كما بلغت ذروتها في نكسة 1967؛ الحقبة التي أصدر فيها العروي "الايديولوجيا العربية المعاصرة". و هكذا بدت محاولة العروي في تأسيس المفاهيم قبل الخوض في الدعوة إلى الايديولوجيا المناسبة، مشحونا بذاك الإرث النظري الذي يشمل النجاحات العربية الجزئية، كما ينطوي على الإخفاقات الكبرى للمشروع النهضوي العربي، بدأ بمصر مع رواد الليبرالية، أمثال لطفي السيد و سلامة موسى و طه حسين ، مرورا بثورة الضباط الأحرار و الثورة الجزائرية، و انتهاءا بالتطورات الحاصلة في المغرب، كما ظهرت في فكر علال الفاسي، و مهدي بنبركة زعيم الاختيار الثوري.
لقد اشار ماكسيم رودانسون في مقدمته ل"الايديولوجيا العربية المعاصرة" إلى هذه الفرادة التي يتمتع بها هذا العمل ،من جرأة و شجاعة. إن ما أشار إليه رودانسون و أكد عليه النقاد و ما ظل يشير إليه العروي، يؤكد على أن هذا الأخير، من حيث التمثل، هو في مقدمة كل المثقفين العرب إحاطة بالفكر الغربي و تشبعا بخياله. ما يفسر عزلته و نخبويته المفرطة، حتى في أكثر الأوساط الثقافية الحداثوية. فالاشتغال على موضوع الايديولوجيا أو الميتا ايديولوجيا هو بالنسبة إليه ضرورة منهجية، بل يمكننا القول، إنها ضرورة وجودية ضرورة نكون أولا نكون تتجلى في ذلك الشرط الذي ضمنه مقدمة "الايديولوجيا العربية المعاصرة"، في سياق تعريفه للايديولوجيا، بأن هذا الفهم، إذا لم يتم على هذا المستوى، فلا داعي للنقاش أصلا. فلا قيمة لأي دعوة أو مشروع نقدي، إذا لم يتوفر هذا الحد الأدنى من الفهم، لأصول النظر و المحددات المفاهيمية. و هذه المحددات في المنظور العروي، هي محددات غربية. نعم، ربما كان مصيبا بعض الشيء، إن كان مبرره، هو قناعته بكون الغرب ينتج الأفكار– إذ النقد الايديولوجي نفسه نشأ و تطور في هذا المجال- لكن سؤالنا، إذا كان العروي أجاد كل هذا و استطاع حقا أن يرقى بفهمه لهذه المحددات و الأصول النظرية إلى مستوى التمثل، و تطبيقها عى المجال المحلي، و ألف باللغة الغربية، لماذا إذن، لم نعثر له على إضافة – كما قلنا- على المستوى الميتا-ايديولوجي. الأمر الذي يؤكد، أن الباحث شخص مهمته كمثقف تتحدد رسالته في النقل و التمثل.
الايديولوجيا إذن في نظر العروي، تساوق الدعوة من حيث هي فكر زائف يستند إلى تقنية الإقناع. و لذا فإن البديل عنها ينهض على الفعل النقدي. لكن ما يبدو واضحا هنا، أن العروي إذ يمارس النقد و يقدم بدائل، فهو يمارس الدعوة، أي يمارس إقناعا و دعوة من خلال النقد. فالذي يخفى هنا على الناقد، أن كل نقد ينطوي على دعوة. فالنقد نفسه ليس بمنأى عن "التدليج". ما يعني أن الناقد متى ما سعى إلى تقويض الايديولوجيا و تسخيف محتواها العلمي، فإنه يمارس هو نفسه ضربا من الإقناع و ربما بكثير من العناد !
و سوف تتضح معنا هذه المآزق المعرفية و المفارقات الايديولوجية أكثر، حينما نشرع في دراسة الصراعات الفكرية و البدائل الايديولوجية في الفكر العربي الاسلامي المعاصر.
الأيديولوجيا في مواجهة سؤال النهاية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر.
الملفت للنظر ها هنا، أن معظم النقد المفهومي الأيديولوجي في المجال العربي، لم يأت بجديد إضافي. حتى ليبدو أن البيطار و العروي، قد أشبعا القول فيها، و لم يتركا مجالا لإعادة عرضها، دون أن يكون في ذلك تكرارا معيبا. هذا بالطبع، ليس بسبب نبوغ غير مسبوق للبيطار أو العروي في هذا الخصوص، بل لكونهما سبقا غيرهما لممارسة هذا التقديم العرضي. قد يكون للإطار الزمني الذي حكم الاشتغال الأيديولوجي لدى البيطار أو العروي، مدخلية في تحديد مستوى النظر و درجة الوثوق و طبيعة الاختيار لدى كل منهما. فالبيطار الذي كتب "الأيديولوجيا الانقلابية" عام 1964 كان محكوما بحدث انهيار مشروع الوحدة العربية بين مصر و سورية. و في زمن لا يزال للأيديولوجيات الكبرى مكانتها الفاعلة في العالم. الأمر نفسه بالنسبة إلى العروي الذي تحدد اختياره في حقبة زمنية موسومة بثقة الجماهير بوعود الأيديولوجيات المتنفذة. و كلاهما لم يكتب ما كتبه في زمن اهتزاز المكانة التي احتلتها الأيديولوجيات، ليس فقط في الوعي العربي الإسلامي المعاصر، بل في الوعي الغربي نفسه. نتحدث عن مرحلة دشنت قطيعة مع موسم حصاد الأيديولوجيات الذي تجاوز الفصل المحدد له. كي ندخل عصر النهايات. و هو العصر الذي فاجأ العالم، بانهيار أكبر الأيديولوجيات رسوخا و انتشارا في العالم الحديث؛ "الشيوعية".أي ذلك السقوط الدراماتيكي الذي أعقبه فراغ أيديولوجي كبير، في الغرب الذي، حتى ذلك الحين، لم يزل منشطرا على نفسه، بين الليبرالية و الاشتراكية. و على الرغم من أن الشيوعية المنهارة سرعان ما حاولت تكييف نفسها غربا، و التعبير عن جدواها من خلال شعارات جديدة و مشاريع مستحدثة، كانخراطها في موجة الدفاع عن البيئة، و التنظيمات النقابية المناهضة للعولمة، فإنها في المجال العربي –الإسلامي المعاصر، فتحت الطريق أمام صحوة دينية عارمة، دفعت باليسار إلى أقصى اليمين، للوقوف ضد ما رأته خطرا على نفوذها. الأمر الذي لم يترك فراغا كالذي حصل في المجال الغربي، حيث بدت الردة إلى أشكال الإيمان المغشوش ظاهرة تؤرق المجال السوسيو-ثقافي الغربي.
سقوط المعسكر الشرقي، أوهم العالم، و بتأثير من الإعلام العالمي، بأن العالم اليوم ليست أمامه خيارات سوى الانخراط الطوعي أو الكرهي في الموجة الليبرالية، بوصفها نهاية المطاف في التفكير الإنساني. و بما أن الشيوعية طرحت نفسها نقيضا تاريخيا لليبرالية، و بأن التاريخ سينصفها لتنتصر، فإن سقوطها، أدى إلى أن تصبح الليبرالية، الأيديولوجيا الغالبة. ما أوحى للبعض بأنها نهاية التاريخ و خاتمة الفكر.
في هذه الأثناء صدرت مقالة ثم كتاب، الأيديولوجي الأمريكي، الياباني الأصل، "فرنسيس فوكوياما" معنون ب : "نهاية التاريخ و الإنسان الأخير". أعاد الحياة إلى خطاب غربي تقليدي، ترك انطباعا كبيرا و خطيرا على العالم كله. فقد اعتبر لسان حال العقيدة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية، و للغرب عموما. فلتكف البشرية إذن عن التجريب و المغامرة في البحث وراء بدائل أيديولوجية واهمة ، عن الرأسمالية و الديمقراطية الحرة أو السوق الحرة. و ليتمسك الجميع بدءا من الآن بهذا الخيار، لأن لا خيار له بعد اليوم. فالإنسان الأخير، خاتمة النوع، هو إنسان ليبرالي، سياسته ديمقراطية و اقتصاده سوقي.
في العالم العربي و الإسلامي كان وقع انهيار الاتحاد السوفياتي على النخب السياسية و الفكرية لا حدود له. فهو و إن كان بمؤسساته السياسية و العسكرية والاقتصادية ضمان تعبير بعض الأقطار عن استقلالها عن الغرب، فإنه أيديولوجيا كان ضمانة لنجاح أي أيديولوجيا أخرى خارج الهيمنة الأمريكية. لكن ما حدث بعد سقوط سور برلين، هو أن لا حلم بدا يراود هذه النخب عن إمكانية الثورة و التغيير. و هذا لا يعني أنه في المجال العربي-الإسلامي لم تحدث هناك شوشرة أو احتجاج و لو خجول عن الواقع الجديد الذي فرضته الغلبة الليبرالية. فقد قامت احتجاجات و تظاهرات فكرية و سياسية لدراسة الحدث المريع. و طبعا، بدون جدوى !
في نيسان 1992، صدر عدد من مجلة الفكر العربي، الصادرة عن معهد الإنماء العربي ببيروت، محورها "مأزق الأيديولوجيا". يمكننا للوهلة الأولى التعرف على الغاية من وضع هذا المحور و في تلك اللحظة بالذات. الأمر يتعلق بمساهمة عربية في تجاوز محنة السقوط الدراماتيكي للأيديولوجيا الاشتراكية. و تقعيد أرضية نظرية لذلك قوامها، التمييز بين سقوط تجربة محكومة بظروف داخلية و خارجية، و بين سقوط الأيديولوجيا من حيث هي أيديولوجيا. يكتب د.ساسي عساف متسائلا : "الانهيار الذي حدث، انهيار أنظمة هو أم انهيار أيديولوجي"[11].
و يشرح ذلك بشيء من التفصيل مرجحا كون مأزق الأيديولوجيا الاشتراكية إنما هو مأزق نظام اجتماعي- سياسي-اقتصادي-أخلاقي... إنه مأزق في مستوى التطبيق و الممارسة و ليس في مستوى النظرية و المنهج... و المأزق، تاليا، هو وليد تراجع عن الأيديولوجيا و نتيجة تشويه لها...[12].
لقد بدا جليا، أن الانهيار الذي عانت منه ثاني أكبر أيديولوجيا عالمية، لم يكن مسألة عربية خالصة، حتى نعزوه إلى الاختلالات البنيوية للإجتماع العربي أو الموقع الجيو-سياسي المحكوم بتوترات لها آثارها السلبية على مستوى الاختيارات الايديولوجية و درجة استيعابها. بل، لقد كان سقوطها دراماتيكيا. و قد نجد أن ثمة مفارقة كبرى فيما يروج له من تبريرات و تسويغات، تهدف إلى جعل هذا السقوط معلقا على مشجب ظروف و مناخات و إكراهات أخرى قاهرة، و ذلك كله تبرئة للأيديولوجيا الاشتراكية و تأكيدا على طهرانيتها و أزليتها. فالسقوط هو سقوط واقع و أنظمة، لا سقوط فكر و أيديولوجيا.
و لعل التهافت الذي يظهر فورا من هذه المحاولات التبريرية، يؤسس لنوع من المفارقات في التعاطي مع هذه الأيديولوجيا المنهارة. فالماركسية كفلسفة اجتماعية استمر تأثيرها في الوعي الحديث، و تغلغلت كأطياف أكثر المدارس النقدية المعاصرة. لكن الأيديولوجيين الماركسيين يصرون على استمرارها كمنظومة فكرية و كأيديولوجيا أزلية خالدة. و هم بذلك يصرون على أمر حكم فيه التاريخ و قضى، قد يبدو مناسبا أن يستعيد فيه ماركس عباراته الشهيرة : إنكم ماركسيون أكثر مما أنا ماركسي !
أن "الدور" المنطقي الذي يقودنا إليه هذا التبرير الأخير، هو أن سقوط الأيديولوجيا الشيوعية، راجع إلى إكراهات و ظروف داخلية و خارجية. و هذا ينم حقيقة عن فهم مغالط للأيديولوجيا ذاتها باعتبار قيمتها في وظيفتها. إن الأيديولوجيا ليست روضة من رياض الجنة، و ليس لها دور ترفيهي أو أنها أداة تسلية، بل هي وظيفة للتغيير و البناء. كان يفترض من الأيديولوجيا أن ترفع عن الناس مشاكلهم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و تجعلهم مؤهلين للمعرفة و اليقظة و النباهة، و ليس عكس ذلك، أن تتطلب هي منهم ذلك. إذا كان المجتمع معافى من كل أزمة اجتماعية و سياسية و اقتصادية، فما الحاجة للأيديولوجيا رأسا؟
لم يكشف إصرار النخب العربية على الدفاع عن ديمومة الايديولوجيا، عن جديد أو إضافي حتى أثناء محاولتهم هذه، التي تبدو خجولة إلى أبعد الحدود. فقد ظهر بأن الايديولوجيات تنشأ و تسقط بغير إرادتنا. و بأننا لم نساهم لا في نهوضها و لا في استفحالها. فهل يعقل بأن الايديولوجيا الاشتراكية التي سقطت في معسكرها التاريخي بكل إمكاناته و نفوذه، هل يعقل أن يعاد استنباتها في مجالنا العربي-الإسلامي؟ يبدون أن هذه القراءة لم تأت بجديد سوى أنها أعادت استحضار الجدل الجاري في المعسكرين الشيوعي و الليبرالي معا، عشية انهيار الاتحاد السوفياتي و سقوط سور برلين. لقد تبين بأن قوة الايديولوجيا في مجالنا ليس مصدرها ضرورات الاجتماع المحلي أو التطور التاريخي الخاص، بل هو صدى لما يجري في الخارج و نتمثله في وضع قريب من التمسرح.
إلا أن المجال العربي الإسلامي لا يخلو أيضا من دعاة النهايات. من أولئك الذين ازدهر خطابهم على حين غفلة، و على إثر اشتغال الفكر العربي-الإسلامي على تعديل منظوره و البحث عن وسائل ناجعة للنهوض. لقد ذكرت بأن التطور الذي حصل على مستوى نقد الايديولوجيا في المجال العربي-الإسلامي المعاصر، هو في ما يبدو للناظر صدى لما جرى في المجال التداولي الغربي. على أنه لا يعكس ذلك التطور بشكل نهائي. و هو ما يؤكد عليه النقاد العرب أنفسهم، متهمين بعضهم بعضا بسوء الفهم لما يجري من تطورات فكرية في الغرب. و قد مر معنا موقف العروي الذي لم يزل يصف ما يكتبه العرب بالثرثرة و التجريد و قلة الفهم. لقد شهد النقد الايديولوجي العربي هو نفسه انعطافات كبرى، مرجعها كما ذكرنا، ليس في ضرورات النظر و مقتضيات المعاش المحلي، بل تفاعل سلبي مع ما يجري في الغرب و ترديدا لما تجود به مدارسه النقدية. فلا يزال العالم العربي-الإسلامي يبحث عن الايديولوجيا المناسبة و عن مخرج لمأزقه الحضاري، حتى باغتته المدارس النقدية المابعد-حداثية post-modernistes، مشوشرة على اختياراته و أولوياته، مبشرة إياه بآفاق أوسع للنظر و أعماق أكبر لمناورة الفكر، و مواقع أكثر لمناوباته. فجأة ألفى العالم العربي نفسه أمام موجة عمائية جديدة، تتوعد كل الأنساق بالاضمحلال الحتمي، و ترفع عن جدول أعمال الفكر العربي-الإسلامي المعاصر، ضرورة البحث عن طرائق ناجعة للنهوض أو وسائل صالحة للتغيير. و بينما كان العقل العربي-الإسلامي المعاصر، يجتهد لمواجهة التحديات الحضارية و اقتحام مجال الإشكاليات الكبرى العالقة، جاءت الموجة العمائية لتسوغ له الاستقالة و الهروب، و تبرر له الكسل و معانقة جحيم التيه و المفارقة مجددا. هذه الموجة لا تخفي استهانتها بالتفكير الموجه و الهادف إلى تحقيق النهضة المنشودة و تغيير الأوضاع البالية. و لا تخفي أيضا أن همها نقدي يرمي إلى تفكيك ما هو حاضر و طلب ما هو غائب، و لماذا حضر و لماذا غاب. كما تعلن أن لا هم لها بالحقيقة التي يجود بها المخيال. إنها بالأحرى تهتم بنقد الفكر و نقد الواقع. و تهتم بالعلاقة المخاتلة بينهما. و هي العلاقة القائمة على أساس الحجب و الإخفاء. فالأفكار قلما تمثل الوقائع، بل تسعى إلى إخفائها. و مهمة المفكك هي كشف المخبوء و الكشف عن أصول الأفكار و أسباب ظهورها. إنه الموقف الجينيالوجي النيتشي- الفوكوني الذي حملته أدبيات ما بعد الحداثة، و لا سيما النصوص التفكيكية و الحفرية لنقاد الميتافيزيقا الغربية، لا سيما الفرنسيين منهم، و على رأسهم رائد النتشوية الجديدة؟ مشيل فوكو !
في زحمة الحجاج الايديولوجي العربي حول حاضر و مستقبل الايديولوجيا، تبرز على الهامش محاولات د.علي حرب، الذي تولى قراءة ملف "مأزق الايديولوجيا"، مقدما بذلك رؤية مختلفة للموضوع، هي بلا شك رؤية نقدية تنتمي للموضة الفكرية المابعد-حداثية. و تستحضر أدوات النقد الحفري و التفكيكي، تلك التي بشر بها رائد حفريات المعرفة-ميشيل فوكو- و داعية التفكيكية- جاك دريدا- . و كان علي حرب في أثناء نقده لهذا الملف، قد أثار مسألة الإتباع و التقليد. متعرضا بنقد لاذع لهذا السلوك الفكري الذي ينأى بنفسه عن الإبداع و عن خلق الجديد. و لكن، لا أهمية لهذه الدعوة، طالما أنها صادرة عن ناقد لم يتحرر هو نفسه من هذا التيار الكبير الجارف للعقل العربي. و قد يبدو علي حرب متحررا إلى حد ما من سلطة الدوغمائيات الميتافيزيقية، الغربية ووثوقيات الايديولوجيا الماركسية أو القومانية أو الليبرالية أو الإسلامية، ما يجعله يستشعر وضعه الخاص في الأزمنة الموسومة بنهاية الايديولوجيات. لكن الحقيقة، هو ما يخفيه الناقد، وراء اختياراته الفكرية. إنه التزام بتيار نقدي و ليس تحررا من التيارية. أي أنه هو نفسه يتبنى مدرسة نقدية و يحترم طريقتها – و إن كانت أصولها نقدية عائمة غير مدونة أو ممسطرة لكنها ممارسة و متفق حول قواعدها، كاتفاق المجتمعات الشفهية حول أصول لغاتها و ثقافتها دون تدوينها أو تنظيمها، أو لنقل إنها أشبه بدولة لا دستور لها ، لكنها مقيدة بقانون عرفي !؟.
و هذا ما شهد الناقد على ثبوته من خلال قوله : "و لكن لا خطاب يبرأ في النهاية من الأيديولوجيا التي هي على ما يبدو شر لابد منه"[13].فهل يا ترى، بعد هذا سيشكل موقف الناقد و خطابه استثناءا من هذا الحكم الكلي !؟
[email protected]
-----------------------------
[1] عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص 127
[2] المصدر السابق، ص 127
[3] المصدر السابق، ص 128
[4] المصدر السابق، ص 129
[5] عبد الله العروي، الايديولوجية العربية المعاصرة، ص 12 ت : محمد عيتاني ط 3-تشرين الثاني 1979 دار الحقيقة – بيروت.
[6] عبد الله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص 19 – ط19 . ط1-1983. دار التنوير-بيروت.
[7] المصدر نفسه، ص 117
[8] المصدر نفسه، ص 121
[9] المصدر نفسه، ص 121-122
[10[ المصدر نفسه، ص 122
[11] مجلة الفكر العربي، عدد 68، ص 7، معهد الإنماء العربي، بيروت 1992
[12] المصدر السابق، ص 8
[13] علي حرب، نقد النص، ص 94، ط-1993- المركز الثقافي العربي-بيروت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.