قبل أن نتابع أطوار مغامرته صابر حسيني Saber Hosseini معلم بأعماق بلاد أفغانستان ؛ يعلم جيدا صعوبة أن يعيش الإنسان في هذا البلد ، وبخاصة بالمناطق النائية ، إنه البلد الثالث في العالم الذي يعيش ممزقا بين عوامل الحروب والفساد والفقر ، لكن بالرغم من كل هذا لم ينل من عزيمة حسيني كمقاوم سلمي ومؤمن بقوتي الأمل والتعليم معا . كان هناك بأفغانستان العديد من القرى الفقيرة ؛ ليس بمقدور سكانها الوصول إلى الأشياء التي نتخذها من الصوان Granite ؛ لم تكن هناك مدارس أو ما يبعث فكرة الأمل وسط تجمعاتها السكنية التي ترى ألا أمل لها !... رأى حسيني ؛ والذي يعيش بجوار هذه القرى في هذه الوضعية الإنسانية المزرية فرصته لتقديم العون . فقد كان يقضي عطلته الأسبوعية ممتطيا دراجته الهوائية ، ومحولا إياها إلى مكتبة متنقلة ، يتنقل عليها من قرية إلى أخرى ؛ مادا الكتب إلى العديد من الأطفال الذين لم يكن في وسعهم الوصول إلى مواد القراءة ، ولا الوسائل للعثور على طريقة تعلم القراءة . يقول صابر حسيني "" خطر ببالي هذا المشروع منذ ستة أشهر ؛ تحدثت عنه لأصدقاء من خلال حلقات أدبية : من سيتبرع بالمال ؟ ومن سيلتقي بأصدقائه بالخارج بخصوص هذه التبرعات ؟... انطلقت وحيدا على دراجتي بحمولة 200 كتاب قصصي للأطفال ، وجعلت أخترق القرى من خلال مقاطعة باميان Bamiyan شبه الجليدية وسرعان ما تجند من حولي مزيد من المتطوعين ، فأصبحنا نكون فريقا من 20 متطوعا برصيد 6000 كتاب ... قدنا دراجاتنا لعدة أسباب ؛ أولا لم تكن لدينا أموال كافية لاقتناء سيارات ، وثانيا بعض القرى لا يمكن الوصول إليها إلا باستعمال وسيلة الدراجة بمسالك وعرة وأحيانا مكسوة بالثلوج .. وأخيرا إنها ذات إشارة رمزية (أي الدراجة ) ، ذلك أن حركة طالبان هي الأخرى ؛ وفي كثير من الأحيان ؛ تستخدم الدراجات في هجماتها بالقنابل ، وحتى الرسالة التي أود نشرها هي أن نستبدل العنف بالثقافة . "" ... اشتغلنا كنموذج لمكتبة فريدة ؛ كل أسبوع ننقل للأطفال كتبا جديدة ثم نسترد منهم القديمة منها لتوزيعها على أطفال بقرى أخرى . بعض اليافعين منهم دفعهم الحماس للقراءة إلى استعارة كتبنا بمستوى متقدم ؛ في البداية انتقيت كتبا بسيطة ، لكن الآن معظم الأطفال القدماء أصبح قادرا على قراءة المزيد من الكتب الهامة ؛ فمثلا حصلنا على نسخ مبسطة لكتب ألفها فيكتور هيجو Victor Hugo ؛ جاك لندن Jack London ؛ أنطوان دي سانت أكسوبري Antoine de Saint-Exupery ؛ صمد بهراني Samad Behrangi [ كاتب إيراني ] ؛ والفردوسي Ferdowsi[ شاعر إيراني ] ... "" ... ولما كان نشر الكتب في أفغانستان جد محدود ، ولابتياعها كنا نسافر إلى الحدود المتاخمة لإيران ، وكل مرة أنقل فيها الكتب إلى الأطفال ، كنت أحاول التحدث إليهم عن موضوع ، ودوما كان حاضرا بيننا موضوع السلام ، وأخطار المخدرات ، والحاجة إلى التسامح بين أفراد المجتمع المتميز بتعدد الثقافات والنحل . غرس متعة القراءة ذات مرة تحدثت إلى أطفال بقرية جد نائية عن الأسلحة مستعملا شعار Slogn : say no to guns and yes to books "قل لا للسلاح ونعم للكتب" ، وفي المرة الموالية التي قصدت قراهم ، حزموا كل لعبهم وهي عبارة عن أسلحة بلاستيكية ، وناولوني إياها ؛ شريطة أن تتصدر قريتهم لائحة توزيع الكتب في جولتي القادمة .. حتى يكونوا أول المنتقين ، وقد كانت أسعد اللحظات في حياتي ! وكم كانت رغبتنا ملحة في امتلاك مزيد من المال لشراء مزيد من الكتب لهؤلاء الأطفال أصغر سنا . فكلما إلتقيناهم إلا وبادرونا دوما بالسؤال عن الكتب حول باطمان Batman أو صفارات الإنذار Sirens والتي يعرفونها من خلال أفلام الكارطون (الرسوم المتحركة) ، بيد أن ميزانيتنا كانت محدودة . تهديدات بالقتل من طالبان "" ... هناك أيضا جوانب مظلمة اكتنفت عملنا ؛ ففي مرات عديدة تلقيت تهديدات على الموبايل ، وكان المتصل رجال يطالبونني بضرورة تسليم الكتب الإسلامية فقط ، وإلا واجهت عواقب وخيمة . زوجتي ؛ هي الأخرى والتي دعمتني في مشروعي ؛ كانت إلى عهد قريب معلمة في منطقة نائية ... تلقت العديد من التهديدات ، وذات يوم حذرها أحد تلامذتها بأن بعض أقربائه المنتمين لحركة طالبان أعدوا خطة بقتلها ، فلم يسعها إلا أن غادرت وظيفتها ! رغم هذه الصعوبات ، حرصنا على أن نواصل مشوارنا ، فهؤلاء الأطفال يعيشون حياة مجهدة داخل مجتمع حافل بسفك الدماء والعنف ، ودوما يواجهون العنف من طرف عائلاتهم داخل المنازل ، والمدارس أيضا نادرا ما تشكل ملاجئ لهم ، وهناك الكثير من المعلمين جهلة ؛ ينزلون عقوبات بدنية مبرحة كل يوم في حق تلاميذهم . لهذا حافظنا على إشاعة قليل من الطمأنينة والفرح في حياتهم من خلال الكتب .."" * تعرب بتصرف