قلتُ مع رأسي : درّستُ الاقتصاد في جامعة محمد الخامس لأزيد من ثلاثين سنة. شيء ما، إن قليل أو كثير، من هذه الدروس قد يكون، بعد مرور السنين، من "المتبقِّيات" التي ما تزال تحتفظ بها ذاكرة بعض طلبتي. وهذا لوحده يثلج الصدر. الدرس الجامعي هو في الأساس درس شفوي، إلقائي، محاضرة يسجل منها الطلبة ما تيسَّر، كلٌّ حسب قدرته وسرعته في التدوين. ولكي أُخصِّص وقتاً للشرح، وللأسئلة، كنتُ أضع مستنسخات تحتوي على فحوى الدرس من أبواب وفصول، دون تفصيل ودون شروح. الشروح المستفيضة تأتي في المحاضرة الحضورية. من سنة إلى أخرى كنتُ أراجع بعض الجوانب، أزيد فيها، و أُنقِّح. يُخيَّل إلي أن بعض "المتبقيات" من دروسي المحفوظة في صدور طلابي، قد تكون هي كل ما يُؤْثَرُ عني إلى اليوم، لكن المتبقيات ليست هي الدرس، أو كل الدرس. عُدْتُ إلى المستنسخات، والمسوّدات، والجذاذات، نفضتُ عنها الغبار، أعدتُ قراءتها، لم أُعِد كتابتها. فقط قُمْتُ بتهذيبها، بتصويب أخطائها، بترقينها من جديد. تركتُها كما هي من حيث المضمون، لم أتصرف في متنها، لم أُخْرِجها من سياقها، من تاريخ تحضيرها. هي دروس ممتدة بين سنة 1990 وسنة 2005، لكنها محصورة في حدودها. تطلَّب مني الأمر من الجهد والعناء ما تطلَّب، أقصى غايتي اقتسام تجربة تدريسية، عشتُ أطوارها تحت وطأة العبء، والمسؤولية، والخشية من التقصير، والتفريط. ثم قلتُ لرأسي : توكَّلْ على الله، وادفع بالدرس المُسْتلّ من الماضي، عسى أن يكون فيه ما قد ينفع بعض القراء الذين هم من طينة "الماضون إلى الماضي" (عبد الإله بلقزيز، منتدى المعارف، 2020). يحتوي الكتاب (Dessine-moi l'économie) على ثلاثة دروس : "مدخل إلى الإبستيمولوجية الاقتصادية" (لطلاب السنة الأولى من الأجازة)، "تدبير الموارد البشرية" (السنة الرابعة)، "اقتصاد المنظمات" (السنة الرابعة أجازة وسلك الماستر). بينها ترابط، وتكامل، ترادُف وتدرُّج. من المفاهيم إلى النظريات إلى الباراديغمات، من المستوى الماكرو اقتصادي إلى المستوى الميكرو اقتصادي، من الاقتصاد السياسي إلى الاقتصاد التدبيري. تدرجٌ في المنظومة الفكرية يشي عن تحول في المنظومة الاقتصادية، الدولية والوطنية، عرفته نهاية القرن الماضي. في الدرس الأول يجد الطالب/القارئ مقدمات نظرية ومفاتيح منهجية لعلها تساعد على إدراك المعنى الاقتصادي، وعلى الرؤية النقدية للأحداث، وللتطورات، والتحولات. كلمةٌ في عنوان الكتاب. العبارة تحيل إلى كتاب "الأمير الصغير " (Antoine de Saint-Exupéry). الاقتصاد علم سياسي يقوم على مفاهيم عامة، مجردة، تنطوي على واقع اقتصادي واجتماعي خاص، ملموس، يعج بوقائع متناقضة، "اليد الخفية" الناظمةُ لها كُلٌّ يراها، ينظر إليها، "يرسمها" حسب إدراكه، ووفق خياله. الكتاب دعوة للطالب/القارئ أن "يرسُمَ" بالعقل، و يُبْدع بأجنحة الخيال صورة الاقتصاد الذي يريد.