كشفت نتائج "البحث الوطني حول العائلة"، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في نسخته الثانية بعد دراسة سنة 1995، عن تحولات بنيوية عميقة مست مختلف أنماط العيش الأسري بالمغرب، في سياق ديمغرافي واجتماعي يتسم بتسارع الشيخوخة وتراجع حجم الأسر وتغير أنماط التعايش، إلى جانب بروز مؤشرات مقلقة مرتبطة بتنامي العائلات أحادية الوالد وما يرافقها من هشاشة متعددة الأبعاد. تأتي هذه المعطيات الجديدة على ضوء نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024، الذي أظهر تقلص حجم الأسرة المغربية من 4,6 أفراد سنة 2014 إلى 3,9 أفراد سنة 2024، إلى جانب ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها نساء من 16,2 بالمائة إلى 19,2 بالمائة خلال الفترة نفسها، ناهيك عن تسارع واضح في وتيرة الشيخوخة الديمغرافية، حيث ارتفعت نسبة المسنين إلى 13,8 بالمائة سنة 2024، مقابل 9,4 بالمائة قبل عشر سنوات، ما يطرح تحديات متزايدة على مستوى أنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الأسرية. هيمنة الأسرة النووية أبرزت نتائج البحث أن العائلة النووية أصبحت النمط السائد داخل المجتمع المغربي، حيث تمثل اليوم 73 بالمائة من مجموع الأسر مقابل 60,8 بالمائة سنة 1995، في مؤشر واضح على تحول بنيوي في أنماط التعايش السكني. وبحسب ما أكده البحث، لم يعد هذا التحول مجرد ظاهرة في طور الانتشار، بل أضحى اتجاها راسخا يعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة، خصوصا مع تسجيل تقارب شبه تام بين الوسطين الحضري والقروي في هذا النموذج. وقد بلغ معدل النمو السنوي للعائلات النووية 3,6 بالمائة في المدن مقابل 2,4 بالمائة في القرى خلال الفترة الممتدة بين 1995 و2025. ويظل نموذج "الزوجين مع الأبناء العزاب" هو الأكثر انتشارا بنسبة 53,9 بالمائة، مع حضور أقوى في الوسط القروي (56,6 بالمائة) مقارنة بالوسط الحضري (52,5 بالمائة). بروز "العش الفارغ" من بين التحولات اللافتة أيضا، الارتفاع الكبير في عدد الأسر المكونة من زوجين دون أطفال؛ إذ انتقلت نسبتها من 3,4 بالمائة إلى 9,4 بالمائة. ويعزى هذا التطور أساسا إلى ظاهرة "العش الفارغ"، حيث يغادر الأبناء منزل الأسرة تاركين وراءهم آباء مسنين، بحيث يمثل الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة نحو 72,8 بالمائة من أرباب هذه الأسر. في المقابل، شهدت العائلات أحادية الوالد ارتفاعا ملحوظا، وإن بوتيرة أبطأ، من 7,3 بالمائة إلى 8,8 بالمائة، مع تسجيل انتشار أكبر في الوسط الحضري (9,9 بالمائة) مقارنة بالوسط القروي (6,5 بالمائة)، حيث لا تزال أشكال التضامن التقليدي تحد من بروز هذه الظاهرة. وبالتوازي مع صعود الأسرة النووية، سجل البحث تراجعا كبيرا في العائلة الممتدة، التي انخفضت من 35,2 بالمائة إلى 19,8 بالمائة خلال ثلاثين سنة، كما تقلصت ظاهرة التعايش متعدد الأجيال من 29 بالمائة إلى 16,8 بالمائة، ما يعكس انتقال الأسر نحو وحدات سكنية أصغر وأكثر استقلالية. وأظهرت المعطيات أيضا تراجع التقارب الجغرافي بين أفراد الأسرة؛ إذ لم يعد سوى 45,4 بالمائة من أرباب الأسر يقيمون بالقرب من آبائهم، مقابل 53 بالمائة قبل ثلاثين سنة، و46,3 بالمائة بالقرب من أمهاتهم مقابل 63 بالمائة سابقا، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على طبيعة الدعم الأسري، الذي أصبح يميل أكثر نحو المساعدة المالية عن بُعد بدل الدعم اليومي المباشر. العائلات أحادية الوالد.. هشاشة مركبة بوجه نسائي تتسم العائلات أحادية الوالد بطابع نسائي واضح، حيث تمثل النساء 90,7 بالمائة من أرباب هذه الأسر، مع نسبة أعلى في الوسط القروي (93 بالمائة). وتعود هذه الظاهرة أساسا إلى الطلاق بنسبة 58,5 بالمائة والترمل بنسبة 39,1 بالمائة. ويحسب البحث، تراوح سن أرباب هذه الأسر في غالبيتهم ما بين 30 و49 سنة (70%)، وتختلف خصائصهم حسب الجنس؛ إذ يسجل حضور نسوي ابتداء من الفئة العمرية 20-29 سنة (4,6%)، مقابل حصة ذكورية أكبر في الفئة العمرية 50-69 سنة (37%). وتتميز هذه الأسر بصغر حجمها، حيث يبلغ متوسط عدد أفرادها 2,7 شخص على المستوى الوطني. تعزى هذه الظاهرة بصفة رئيسية إلى حالات الطلاق (58,5%) والترمل (39,1%). ولدى الرجال، ترتبط العائلة أحادية الوالد بالطلاق بشكل كبير (77,8%)، بينما يبرز أثر الترمل بشكل أكبر لدى النساء (40,8%). كما يهيمن الطلاق في الوسط الحضري (61,8%)، في حين يصبح الترمل السبب الأول في الوسط القروي (54,1%). وحسب البحث، تترافق العائلة أحادية الوالد مع هشاشة حادّة؛ إذ يصرح نحو 8 من كل 10 أرباب الأسر أحادية الوالد بوجود صعوبات مالية جسيمة، خاصة لدى النساء (82,1%) ولدى الأسر في الوسط القروي (93%). وتتمثل أهم الإكراهات أساسا في تغطية النفقات الأساسية لدى نحو 65% من هذه الأسر. وفي ظل هذه الظروف، يؤكد حوالي 62% منهم تدهور مستواهم المعيشي بعد الانتقال إلى نمط العائلة أحادية الوالد. وبعيدا عن الصعوبات الاقتصادية، تشكل ظاهرة أحادية الوالد عبئا إضافيا على مستوى النشاط اليومي والاستقرار العاطفي للوالد الواحد؛ إذ يتعين عليه تحمل مسؤوليات اقتصادية وتعليمية وعاطفية في آن واحد. وفي هذا السياق، صرح 59.7% من أرباب الأسر أحادية الوالد بأنهم يواجهون صعوبات كبيرة في تربية أطفالهم، وتتجلى هذه الصعوبات تحديدا في عدم التوازن العاطفي للطفل (36,7%) والمتابعة الدراسية (30,9%).