الركراكي يوجه الشكر والامتنان إلى الفتح الرباطي    المغرب نائم على 53 مليار متر مكعب من البترول وهذه هي التفاصيل !    ماكرون يوبخ رجال أمن إسرائيليين أثناء زيارة كنيسة في القدس    رئيس الحكومة: ليس بالتشويه وبالتهويل يمكن كسب معركة مكافحة الفساد    حصتان تدريبيتان للمنتخب الوطني لكرة القدم داخل القاعة إستعدادا لأولى محطات "كأس إفريقيا"    بنكيران.. هل يا ترى يعود؟!    ماء العينين: “حزب العدالة والتنمية سيتصدر انتخابات 2021”    المستشارة الألمانية تعرب عن أسفها للرئيس التونسي لدعوة بلاده متأخرا إلى مؤتمر برلين    سلامي: أتحمل مسؤولية التعادل.. وبنشيخة: فكرت كثيرا للحد من خطورة متولي    الريال يعبر سالامنكا بثلاثية ويصعد لدور ال16 بكأس ملك إسبانيا    الركراكي يوجه رسالة شكر وامتنان لمكونات الفتح    اصطدام سيارتين بين طنجة وأصيلة يتسبب في إصابة أزيد من 5 أشخاص بجروح خطيرة    شرطة القصر الكبير توقف طاكسي كبير وبداخله كمية من الشيرا …    تقرير أممي يتهم بن سلمان باختراق هاتف مالك صحيفة “واشنطن بوست” "إف بي آي" يحقق    بلاعبي الاحتياط الرجاء يتعادل أمام مولودية وجدة    بشرى سارة لساكنة سوس: أمطار قوية مصحوبة برعد بالمنطقة ابتداء من يوم غد الخميس.    بني ملال .. السلطات تشن حملة لمحاربة البناء العشوائي وتهدم عددا من المنازل – صور    بلاغ جديد للديوان الملكي    مجلس النواب يحسم الولاية المغربية على الحدود البحرية    بعدما ترشح وحيدا.. انتخاب شكيب لعلج رئيسا جديدا ل”الباطرونا” خلفا لمزوار    العراق للشَّرْقِ أَرْوَاق    إغلاق الطرق والمدارس وانقطاع الكهرباء فى إسبانيا لا يزال مستمرا    أمن فاس يعتقل مسافرا داخل حافلة بحوزته أزيد من ستة آلاف قرص مهلوس    وهبي يقدم ترشيحه لقيادة “البام” بعيدا عن “أجهزة الدولة”    سلمى رشيد تكشف تفاصيل ألبومها وعملها الرمضاني.. وتعلن اقتراب تحولها لإعلامية – فيديو    مولودية وجدة تفرض التعادل على الرجاء وتستقر ثالثة في ترتيب البطولة    البحرين تثمن عاليا دور المغرب في تثبيت الأمن والاستقرار بإفريقيا    صاحب الجلالة يستقبل 27 سفيرا أجنبيا جديدا ويودع اثنين بعد انتهاء مهامهما    بلاغ من الديوان الملكي: جلالة الملك يستقبل الكاردينال كريستوبال أسقف الرباط    اليوم الأول من محاكمة ترامب يكرس حالةالاصطفاف الحاد بمجلس الشيوخ    "إنزال كبير" لمحاميي الدار البيضاء يشعل قضية "الخيانة الزوجية"    من جديد .. سعد لمجرد أمام محكمة الجنايات بتهمة الإغتصاب    طنجة المتوسط .. رقمنة الحصول على شهادة الصادرات الفلاحية والغذائية    بفضل التوجيهات الملكية.. سنة 2019 شكلت محطة جديدة في مسار التأسيس والبناء المؤسساتي والقيمي للسلطة القضائية    سلسلة “هوم لاند” العالمية تعود بالجزء الأخير.. صور في المغرب    مندوبية السجون تكشف ظروف و ملابسات وفاة سجين بسجن القنيطرة    أزارو ينتقل رسميا إلى الدوري السعودي    تطورات جديدة في قضية “حمزة مون بيبي” وسعيدة شرف    مخاوف من انتشار فيروس الصين التاجي وروسيا تعد لقاحا ضده سيكون جاهزا خلال 6 أشهر    7 دول مستهدفة.. ترامب يستعد لتوسيع قائمة “حظر السفر” إلى الولايات المتحدة    مندوبية الحليمي تحرج حكومة العثماني وتعتبر 2019 سنة ارتفاع الأسعار والتضحم    روسية تفوز بمسابقة ملكة جمال « سيدات الكون 2020 »    نشطاء طنجاويون يدعون لمقاطعة الطاكسي الصغير    النموذج التنموي الجديد. مورو يدعو لإعادة رسم خريطة الأولويات الاقتصادية    300 طفل بكورال “أزهار الأندلس”    “رضات الوالدين” على “الأولى”    “مارينا شوبينغ” يطلق “عجلة الحظ”    “سولت نفسي” جديد الإدريسي    التشاؤم يطغى على الأسر    “فوريفر برايت” الثاني عالميا    أميركا تعلن عن أول إصابة بالفيروس الجديد القاتل    بعد تسجيل وفيات في الصين وإصابات في التايلاند واليابان، هل المغرب مستعد للتعامل مع فيروس الكورونا ؟    خطر داخل البيوت قد يسبب فقدان البصر    عبد اللطيف الكرطي في تأبين المرحوم كريم تميمي    الريسوني عن تطبيق الحدود.. أصبحنا نعيش تحت سطوة إرهاب فكري    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    خطيب : من يسمح لسفر زوجته وحيدة ‘ديوث' .. ومحامي يطالب بتدخل وزير الأوقاف !    معرفة المجتمع بالسلطة.. هواجس الخوف وانسلات الثقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في التربية والسلوك: الحاجة إلى "خطة عملية" و"مخطِّط نبيه"
نشر في هسبريس يوم 15 - 07 - 2011


بسم الله الرحمن الرحيم
تأسيسا على ما سلف من التأكيد على أن مطلق الإنسان هو مادة التغيير والفاعل فيه،فإن أي عمل أو خطة أو استراتيجية لا تنطلق من الإنسان لإحداث تغيير في عالم الأنفس والآفاق فإنما تحاول عبثا الحرث في الماء أو الإمساك بالهواء،ودونكم المئات من تجارب الأمم والأمبراطوريات التي سخرت الإنسان لأجل مطامحها ومطامعها،ولم تفقه طبيعة النفس البشرية التي هي نفخة من روح الله تقتضي الاستجابة لمطالبه الروحية مع الحذر من السقوط في مهاوي الخرافة والدجل والنصب لقضاء"مآرب روحية موهومة"،وقبضة من طين الأرض تقتضي الاستجابة لمطالبه المادية وفق ضوابط الشرع والقانون مع الحذر من الدوران في"فلك الأشياء" على حد تعبير مالك بن نبي رحمه الله،وتكفي الإشارة إلى آخر الامبراطوريات ونعني بذلك"الاتحاد السوفياتي" البائد،فلم يكن سبب انهياره خللا تقنيا يرتبط بالكم الشيئي ،بل كان أصل الخلل يرتبط بالكيف الإنساني حيث ضرب سياج من المنع والقهر حول المطالب الروحية للإنسان،وقد لخصت مقولة"الدين أفيون الشعوب" بجلاء فحوى ذلك السياج ومعناه ومبناه،ولما أدرك بعض المفكرين الاشتراكيين هذا الخلل نادوا باشتراكية ذات"وجه إنساني"،ولكن بعد فوات الأوان، إذ انطلقت شعوب أوروبا الشرقية في حركة ثورية قوية لاسترجاع إنسانيتها وحريتها وكرامتها.
القدوة الهادية والمُخطِّط النبيه
وتأتي خصوصية التغيير الإسلامي من التركيز على الإنسان،والفعل المنصب على الإنسان يسمى "تربية"،والجذر اللغوي للكلمة يحيل على معاني النمو والترقي، والتربية هي "التزكية التي تصقل الفطرة وتُسْكِنُ في النفس مخافة الله"[1]، والجميل في علم التربية الإسلامية الذي أرسى معالمه صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام أنه مرتبط بالمسابقة والمسارعة والمنافسة،فلا جمود ولا سكون،بل حركية مستمرة ومستأنفة،ميدانها "الأرض" موطن الاستخلاف وميدان السباق والابتلاء،حتى الدين نفسه هو مجال للمنافسة،لأنه مراتب أولها الإسلام الذي يشترك معك في النسبة إليه حتى المنافق العليم اللسان، وأوسطها الإيمان الذي يتميز به التدين الصادق من التدين المغشوش،وأعلاها الإحسان الذي يراعي صاحبه الله تعالى في جميع حركاته وسكناته(أن تعبد الله كأنك تراه) ،وليس عبثا أن الصحابة رضي الله عنهم أدركوا هذه المراتب في صورة تمثيلية واقعية تمثل فيها جبريل عليه السلام دور الأستاذ المربي وتمثل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم دور التلميذ المتلقي،الأول يسأل والثاني يجيب(ما الإسلام...ما الإيمان...ما الإحسان...)ليعلمه في الأخير بأن تلك المراتب كلها من الدين،وليرسي مبدأ واضحا في التربية وهو أن"العلم يأخذ من أفواه الرجال"،وهذا المعنى هو الذي كان حاضرا بقوة في تسمية من أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم"صحابة"،وإلا ما كان أغناهم بتسمية"المسلمين" عن إي تسمية أخرى،والمعنى نفسه استحضرته التنظيمات البشرية بمختلف مرجعياتها وأشكالها فلا ماركسيين بدون "ماركس"،ولا ماويين بدون"ماو"،ولا وجوديين بدون"سارتر"،ولا استقلاليين بدون"علال"، ولا جماعة إسلامية(سابقا) بدون"بنكيران"،ولا "عدل وإحسان" ممانعة بدون"ياسين"، ولا جنوب إفريقيين أحرار بدون "مانديلا"، ولا خلص أشرار بدون"شيطان".
ولقد قص علينا القرآن الكريم العشرات من قصص الأفراد والجماعات التي تنكبت طريق الهداية والحق والعدل بسبب الصداقات الفاسدة أو انحراف القيادات وتجبرها:فمن الضرب الأول المتعلق بالصداقات الفاسدة يقول الله سبحانه وتعالى:
- ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا،ياويلتى ليتني لم اتخذ فلانا خليلا،لقد أضلني عن الذكر إذا جاءني[2]
- فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون،قال قائل منهم إني كان لي قرين،يقول أئنك لمن المصدقين،أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمدينون،قال هل أنتم مطلعون،فاطلع فرآه في سواء الجحيم[3]:هذا القرين كان يقول له:يا صاحبي هل تؤمن "بخرافة" البعث والنشور والحساب،وبلغة"حداثية":يا صاحبي إنها رجعية ما بعدها رجعية.
ومن الضرب الثاني المتعلق بانحراف القيادات وتجبرها،يقول عز وجل:
- وأضل فرعون قومه وما هدى[4]
- وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا،ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كثيرا[5]
- يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مومنين[6][7]
ويكتسي أمر القيادات في السلك الديني أهمية قصوى،وخطورة كبيرة إن لم تكن تلك القيادات على مستوى كبير من اليقظة الروحية وسعة الأفق، والحكمة التنظيمية والتدبيرية والنظرية،وإن لم يتم وضع الآليات والضوابط والمساطر التي تحول بينها وبين التجبر والفردية والاستبداد لتكون التربية على هدى من الله،ووفق منهاج رسول الله،فليس من شأن التربية أن تكون إغراقا في التنظير على حساب العمل،ولا مجرد إحالة على"الكتب" المصنفة في الموضوع من القدامى والمحدثين،وإنما الشأن أن توضع لها "خطة عملية" ترمي إلى تحقيق سعادة الفرد والمجموع في الدنيا والآخرة،والتحقق بالعبودية لله عز وجل ،وهي عبودية تنطوي على المعنى الحقيقي للحرية والتحرر من الطواغيت ولوبيات الضغوط سواء كانت في عالم الضمير أم في عالم الواقع ،وتظهر مصاديقها في أعمال يرضى عنها رب الناس في الآخرة، ويراها الناس في الدنيا وتنفعهم - حتى لا يتحجج أحد بالمقولة المحرفة عن حقيقتها(الإيمان في القلب)-،وتظهر أيضا في الثبات على المبادئ وعدم المساومة عليها.
وأحسب أن"العدل والإحسان" قدمت-لأعضائها على الأقل- "خطة عملية" :
- أولا:بها استطاعوا تمتين روابط ومشاعر الأخوة فيما بينهم الشيء الذي أكسبهم انضباطا تنظيميا لا طريق إلى نكرانه،ولا سبيل إلى الاعتقاد بأن تلك"الأخوة" ذات طابع فئوي عصبوي أو طائفي أناني،وإنما هي واجب ديني،وحكمة تنظيمية تجمع أشخاصا من ذوي تصور مشترك ليسلكوا سلوكا مشتركا يرضون به ربهم ويسعون لنفع مواطنيهم وأمتهم كافة.
- ثانيا:بها استعصوا على كل محاولات التدجين والاحتواء والاختراق .
- ثالثا:بها يحاولون ما وسعهم الجهد وأسعفتهم الهمة أن يبقوا على قلوبهم حية بذكر الله لتنشط الأعضاء للعبادة، وأن يقاربوا الحق والصواب الديني والتقني،وإن حدث وصدر منهم تقصير أو قصور،وخطأ أو خطيئة-وهم بشر- "فالخطة العملية" ترشدهم إلى طرائق تجديد "التوبة".
في إبان الدعوة الأولى شاهد العالم كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكيف صدع بكلمة الحق كلمة التوحيد(لا إله إلا الله) فكانت بساطتها دافع الناس إلى التغيير قبل أن تتعقد وتتحول إلى مجرد مجادلات كلامية تفسد ذات البين وتشعل الحروب وتهدم أكثر مما تبني،تلك الكلمة نظرا لقوتها التغييرية أدرك"الملأ القرشي الشركي" خطورتها على امتيازاتهم التجارية،وعلى سلطتهم الرمزية المتمثلة في استعباد الناس واسترقاقهم، إذ سعى عليه الصلاة والسلام إلى اقتلاع الأصنام الصخرية واللحمية من قلوب من توجه إليهم بالدعوة مما سهل عليه اقتلاعها- بعد سنوات- من واقعهم،وكيف ربى في"دارابن الأرقم"،وكيف انتقل بمن رباهم من طور الكمون إلى طور الظهور ومخالطة الناس والصبر على أذاهم بصحبة راشدة مرشدة وقلوب ذاكرة متفكرة،وصدق وإخلاص وعلم وعمل وسمت وتؤدة وحكمة ورحمة ورفق وطول نفس وجهاد (لم يختزله في القتال كما يفعل كثير من جهاديي اليوم)،فأثمرت جهود الليل والنهار تأسيس دولة نقلتهم من محاور الولاء القبلي والعشائري إلى معاني النسبة إلى الله ورسوله،ومعاني المواطنة في تدبير الاختلاف وإقرار الحقوق بموجب دستور مدني مكتوب جسدته"وثيقة المدينة"،واستمر مع تأسيس الدولة تنزل الآيات التي تضع الكليات التشريعية والاعتقادية، وتغرس في القلوب معاني الخشية الكاملة لله عز وجل وحده.
وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن أفلح في أداء وظائف التزكية والتعليم وقد خلف وراءه رجالا ونساء تمثلوا رسالته واتخذوه قدوة حسنة،يعتبرون سلفا لمليار ونصف من المسلمين العرب والأتراك والفرس والأكراد والهنود والأمازيغ والشركس...يتقاسمون اليوم بينهم قناعة راسخة وهي أنهم عباد مخلوقون لله،وأنهم مكلفون وميتون ومقبورون ومحاسبون ومجزيون على أعمالهم يوم يقوم الناس لرب العالمين،إن خيرا فخير وإن شرا فشر،وإن أول خلل دخل على"التربية" كان له تعلق بالانقلاب على "الخلافة الراشدة" لصالح"الملك العضوض"،قد يقول قائل:كيف وما دخل السياسة في الخلل التربوي،وما الداعي إلى إقحامها هنا؟ ويزول الإشكال بإدراك المسألة التالية:إن أعظم الإثم الذي يبوء به الحكم الفاسد هو أنه ينزع من القلوب الخوف من الله ويحل محله الخوف من الحاكم ومن الناس، وبذلك ينفلت الإخلاص من القلوب وتنتشر آفات النفاق والتملق والمجاملة والوشاية والتلذذ بالخضوع والقبول بالاستعباد والاستبداد،ومظاهر الدروشة الطرقية واعتزال الشأن العام لأن الخائفين يفقدون الثقة في الجميع،ولذلك فالحكم الفاسد "لم يُسقط من أيدينا الشورى والعدل فقط، بل أذهب من قلوبنا معنى الإحسان الذي به يعبد المحسن ربه كأنه يراه. احتل الخوف من الناس، وهو جبن سافل، مكان المزية العظيمة : مزية الخوف من الله العلي العظيم"[8]. وفي الطريق نحو الحكم الراشد "لن نستعيد الوحدة الضائعة، ولا الشوكة المخضودة المكسورة، ولا الشورى ولا العدل إن لم نُعِدْ تربية أنفسنا على الإيمان والإحسان"[9].
التصوف الذي هم فيه مختلفون
ولقد شكل التصوف إحدى الإجابات الكبرى عن سؤال التربية والسلوك،واختلفت الآراء وتضاربت المواقف حوله قديما وحديثا فوجد الرافض له بإطلاق،ووجد القابل له بإطلاق،ووجد الرافض له من وجه القابل له من وجه آخر،ولم أجد أحسن ولا أجمع في توضيح هذه المواقف كلها من كلام ابن تيمية رحمه الله إذ قال:"طائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة(...). وطائفة غَلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكِلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده. وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيُخطئ، وفيهم من يذنبُ فيتوب أو لا يتوب. ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه.(...) فهذا أصل التصوف"[10]،وارتبط تطور التصوف أيضا في أغلب مراحله"بالعزلة" واعتزال الشأن العام لظروف تاريخية وسياسية إذ "رأى التابعون ومن تبعهم زهد الصحابة، ورووا أحاديث التحذير من الدنيا، وقرأوا آيات الصرف عن الدنيا، وتغلغل الإيمان في قلوبهم، ورأوا فساد الدنيا وإفسادها متجسدا في لعب أبناء الدنيا بالدنيا من أمراء السيف وعتاة الحكام، ولعبها بهم. فانصرفوا عن الدنيا جماعات ووُحدانا، واعتزلوا الفتنة كما اعتزلها الصحابة، إذ كانت السياسة دنيا، وكانت السياسة فتنة، وكان الأمر العام لا مجال فيه لقول كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،نشأت حركة الزهد، وما لبثت أن تولد عنها علم التربية الانعزالية المسمى تصوفا"[11].
مِطبات اللغة
والكثير من الاختلاف حول التصوف له ارتباط قوي باللغة،سواء من حيث تسمية"التصوف"نفسها،أو من حيث التعابير التي يفصح بها المنتسبون إليه عن مشاعرهم وأفكارهم،ولقد استُحدثت في تاريخنا عدة مصطلحات شكلت متاريس مفهومية حالت دون النفاد إلى حقيقة ولب كثير من العلوم،وهذا ما يسميه الأستاذ عبد السلام ياسين بجناية المصطلحات،ومنها مصطلح "التصوف"،والمعروف أن الخلاف التاريخي الذي استحكم بين الفقهاء والمتصوفة من أهم أسبابه "جناية المصطلحات" وهو ما أكده الإمام السيوطي رحمه بقوله:"واعلم أن دقائق علم التصوف لو عرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الاستحسان،وكانوا أول قائل بها،وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها"،هذا بالإضافة إلى جناية أخرى خطيرة وهي جناية "التعميم" أي مؤاخدة الكثرة بجرائر القلة،والغفلة عما يوجد عند المخالفين من حق يقتضي الإنصافُ الاعترافَ به لتحقيق التواصل بين مختلف طوائف ومذاهب وفرق وأحزاب الأمة،ونتيجة لآفة "التعميم" حدث أن كُفر أهل السنة جميعُهم لأنه وجد من بينهم نواصب ومنحرفين عن أهل البيت،وكُفر الشيعة جميعهم لأن من بينهم روافض يسبون الصحابة،وكفر المتصوفة جميعهم لأن من بينهم الممخرقين والقائلين بالاتحاد والحلول والتعطيل وأصحاب الشطحات.
والانحراف الذي طال اللغة التي عبر بها بعض المتصوفة عن المعاني التي يرومونها هو"الشطح"، وقد قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في تعريفه: "الشطح نَعْنِي به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية، أحدُهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المُغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهِي قوم إلى دعوَى الاتحادِ وارتفاعِ الحجابِ والمشاهدةِ بالرؤية والمشافهة بالخطاب. فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبَّهون بالحلاج الذي صُلِبَ لأجل إطلاقِه كلماتٍ من هذا الجنسِ، ويستشهدون بقوله: أنا الحق، وبما حُكِي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني(...) الصنف الثاني من الشطح كلماتٌ غير مفهومة، لها ظواهر رَائِقَةٌ، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءَها طائل(...) ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يُشَوِّشُ القلوب، ويُدهش العقول، ويحيِّرُ الأذهان"[12]،ولزجر المعجبين بهذه الشطحات قال الإمام الرفاعي:" أي سادة! تقولون: قال الحرث! قال أبو يزيد! قال الحلاج! ما كان الحال قبل هذه الكلمات؟! قولوا: قال الشافعي، قال مالك، قال أحمد، قال نعمان. صححوا المعاملات البَيْنِيَّة، وبعدها تفكهوا بالمقالات الزائدة. قال الحرث وأبو يزيد لا ينقص ولا يزيد! وقال الشافعي ومالك أنجح الطرق وأقرب المسالك. صححوا دعائم الشريعة بالعلم والعمل وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم وحكم العمل...لا أقول لكم:تفلسفوا، ولكن أقول لكم : تفقهوا؛ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"[13] .
ولذلك فالأستاذ ياسين لا يريد أن يثير معركة حول الأسماء فيقول:" لست أدعو إلى التصوف، ولا أحب الاِسم والشكل لأني لا أجدهما في كتاب الله وسنة رسوله"[14]،ويستعيض عنه بالمصطلح النبوي"الإحسان"،فالتصوف الحقيقي والخالص من الزوائد البدعية ليس شيئا غير مجاهدة النفس للترقي في مدارج الإيمان والسعي إلى تحصيل المرتبة الثالثة في الدين:مرتبة "الإحسان" التي هي "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"،وذلك السعي يتطلب حركة جماعية مقتحمة هاجمة على الواقع بأدوات الوقت،يحدو أفرادها تحقيق خلاصين اثنين:خلاص فردي يهم الفرد،وخلاص جماعي يهم الأمة والمجتمع.
التربية بين التبرك والسلوك
إلا أن تطورا خطيرا وقع آل بمعاني الإحسان والتطهر والتزكية إلى نوع من "تصوف الرسم" كما سماه ابن تيمية،ويقصد بصوفية الرسم المتشبهين والمتبركين والمنتسبين بالآداب واللباس والزي فقط،وهذا هو التصوف الذي تريد الكثير من الدول الإسلامية ومنها المغرب نشره والترويج له،أي التصوف التبركي المنعزل عن الاهتمام بالشأن العام للناس،والمزكي بإطلاق لسياسات الحاكمين وإن خالفت الشريعة والحقيقة،وهو تصوف أوصى كذلك معهد"راند" الأمريكي في أحد تقاريره بإشاعته ودعم طُرقه في إطار الحرب على الإرهاب وقطع الطريق على حركات الإحياء الإسلامي الجادة،والتبرك هو"التصور المُغْلَق لدائرة التربية، والتبرُّك غير السلوك، التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته "وارث" من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على "وظيفة" الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد "[15]وأضيف :وفي طيها الدراويش الذين تستغلهم الثعالب الشابة والعجوزة في دوائر الحكم "ليحجوا" إلى الدار البيضاء يرددون "ورد": "الله..الله نعم للدستور"،وهذا التصوف"التبركي" نال من "العدل والإحسان" انتقادا للكثير من تصوراته وممارساته:
- انتقدته لأنه وظف سياسيا في القديم والحديث لذلك " تتميَّز نفوسُنا غضبا على الدكاكين المتاجرة في الدين باسم التصوف"[16]
- وانتقدته لأن"بعض المنتسبين للتصوف انزلقوا في الدروشة والمسكنة، وبعض النصابين باسم التصوف لبَّسوا على الناس بتواضع كاذب"[17]
- وانتقدته لأنه استحدث أشكالا غير شرعية أدت إلى ظهور انحرافات "فدخل تحت المرقعة التي كانت شعارا للزهد مرتزقةٌ باسم الطريق. وتبدأ الزاوية أو الخانقاه مدرسة علم وتربية في حياة الرجال المؤسسين، فلا تلبث أحيانا أن يدخلها بعدهم الانحراف"[18].
وهكذا وعلى هذا المنوال سارت"العدل والإحسان" في وضع هذه المقدمات لتوضيح معالم تصورها لقضية التربية والسلوك،فبدأت بمراجعة شاملة لمسألة التصوف لتنصرف بعد ذلك إلى "خطتها العملية" السلوكية (سنفصل القول فيها في الحلقة القادمة)،فالسلوك غير التبرك كما أسلفنا،والسلوك لا ينتظر توفر الجو المعقم من الجراثيم للشروع في التربية،بل يعتبر الواقع وابتلاءاته محكات حقيقية للتدين واختبارا لنجاعة"الخطة العملية"،وثنت بمراجعة الخطاب الإسلامي والسياسي لبعض الحركات الإسلامية التي يوجد عند سوادها الأعظم "شعور غامضٌ بالحاجة إلى تربية روحية، وقلق، وملل"[19]، كما أن واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الروحية ردا، وهدتها هدّا، فعسر على القيادات القائمة بتلك الواجبات الجمع بين الجهاد العملي اليومي المتشعب القضايا وبين التطلع الدائم للملإ الأعلى والتخلق السامي بأخلاق أهل الله[20] ،وبالرغم من ذلك تضخم عندها الخطاب السياسي وتركت واجهة التربية مكشوفة،ونسيت حتى مبرر وجودها الذي هو تجديد الدين في حياة المسلمين ،ولا تستقر على حال في المواقف والأقوال بشكل أظهرها حزبا من الأحزاب ،فآل الأمر إلى "تسطيح الإسلام" والحديث عنه كبديل من البدائل الثقافية والحضارية والاقتصادية والاكتفاء بالكلام العام عن التقوى ومجالس الإيمان وتربية الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ،وهذا ما يسميه عبد السلام ياسين "الإسلام السياسي" واعتبره خطرا جسيما يجب التحذير منه،ونادى بأن تكون"الخطة العملية" متماسكة" تلتحم فيها العقيدة والشريعة، الرحمة بالحكمة، السلوك إلى اللّه تعالى بالسلوك في الناس، الأخلاق بالنشاط في الأرض"[21] وتفضي إلى وجود مؤمن ذي قلب مع الله،مفعم بالمحبة لمخلوقات الله جميعا،ويد تعمل في البيئة الملوثة تصلحها.
الهوامش
[1] عبد السلام ياسين،تنوير المومنات،ص 267
[2] الفرقان/27- 28
[3] الصافات/50- 56
[4] طه/79
[5] الأحزاب/67- 68
[6] سبأ/31
[8] عبد السلام ياسين،نظرات في الفقه والتاريخ ص 49
[9] نفسه
[10] ابن تيمية، الفتاوي ج 10 ص 18- 19
[11] عبد السلام ياسين،تنوير المؤمنات،ص 277
[12] الغزالي ...
[13] الرفاعي،البرهان المؤيد،ص 86- 87
[14] الإحسان،
[15] الإحسان
[16] الإحسان1/345
[17] نفسه 1/489
[18] رجال القومة والإصلاح 94
[19] الإحسان
[20] نفسه،1/242
[21] عبد السلام ياسين،مقدمات في المنهاج


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.