خلقت حادثة حرق جثة المهاجر المغربي حسن النبيري، المتزوج بفرنسية، الذي توفي قبل أيام إثر تعرضه للسعة حشرة سامة، جدلا كبيرا، ليس فقط بين زوجته التي أرادت تنفيذ وصيته بأن تحرق جثته وبين عائلته بالمغرب التي رفضت الأمر وحاولت إيقافه بشتى الطرق، بل أيضا وسط الرأي العام المغربي، بين من رأى أن للشخص الحرية الكاملة في تقرير مصير جثته وأن يفعل بها ما يريد، بحرقها أو التبرع بأعضائها، وبين من يرفض عدم التقيد بالضوابط الإسلامية في الدفن والصلاة على الميت، معتبرا أنه لا يجوز حرق جثة المسلم. في هذا الصدد، قالت الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي إن مسألة التصرف في الجثة مسألة حرية شخصية، خصوصا إذا كانت الوصية التي كتبها الشخص من محض إرادته، لأنها تدخل في إطار حرية المعتقدات، مضيفة أنه "رغم أن عائلة المعني بالأمر مسلمة، وكان هو في أصله مسلما، لكن تبقى فرضية أنه غيّر اعتقاده قائمة، ويجب احترام هذه الرغبة والاعتقاد لأن هناك ديانات تختلف طقوسها وتعاملها مع الجثث. من جانب آخر، هناك من لا يؤمن بأي ديانة ويتطوع بجسده لصالح العلم، عن طريق التبرع بأعضائه أو استعمالها في تجارب، وكل شخص حر في جسده". وأشارت الرياضي إلى أنه بالرغم من أن رغبة العائلة ومشاعرها الدينية تحترم وتؤخذ بعين الاعتبار، "لكن رغبة وإرادة الفرد فوق كل شيء، مع التأكد فقط من أن وصيته نابعة من محض إرادته وكتبها بكل حرية". في المقابل، اعتبر عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الانسان، أن "موضوع مصير جثة الميت من جملة الأمور التي تتعارض بشأنها قيم المجتمعات المختلفة، وهي في المحصلة قيم مشتركة لكل مجتمع على حدة، تتجاوز من الناحية الاجتماعية الحريات الفردية، لكن للأسف، يتم توظيف مفهوم الحريات الفردية لضرب المشترك لدى الشعوب". ويرى الخضري أن خيار حرق جثة المواطن المغربي لمجرد الامتثال لوصيته، وضدا على إرادة عائلته المغربية، "ليس قرارا صحيحا، بل تعسفا على إرادة ذويه؛ فمصير الجثة مسألة لا يمكن حصرها في الإرادة الشخصية للمتوفى أو لشخص آخر، بقدر ما تهم كذلك ذوي المتوفى ومجتمعه عموما، الذين من حقهم أن يقوموا بدفن قريبهم، فدفن الميت في الأرض يعتبر عملاً من أعمال الفطرة وحكماً كلياً نص الله تعالى عليه في القرآن الكريم، ونصت عليه كتب الديانات السماوية عموما". وأشار الناشط الحقوقي إلى أن كثيرا من الناس يتحججون بالحريات الفردية من أجل ضرب القيم المشتركة في المجتمعات، وهذا ما جرى لجثة المواطن المغربي، معتبرا أن "والديّ الفقيد، بالإضافة إلى باقي أفراد عائلته، هم المتضررون الرئيسيون من حرق جثة ابنهم، وأعتقد أن الحكومة المغربية تقاعست في التعاطي مع الموضوع بالسرعة والجدية اللازمة، وتتحمل المسؤولية الأخلاقية في هذا الشأن". وعن مسألة قرار الفرد التبرع بأعضائه بعد الموت، صرح الخضري بأنه لا يمكن أن نقارن بين حرق الجثة ونقل عضو من ميت لإنقاذ حياة شخص آخر؛ فالتبرع بالأعضاء عمل خيري يرجى به الخير للغير. * صحافي متدرب