نمو مرتقب عند 4,4 % ونفط ب 120 دولارا يفاقم الضغوط على الاقتصاد الوطني كشف صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد المغربي مرشح لتحقيق نمو في حدود 4,4 في المائة خلال سنة 2026، في سياق دولي يتسم بارتفاع منسوب المخاطر وعدم اليقين، وهي وتيرة تضع المملكة ضمن مسار إيجابي، لكنها تظل دون التقديرات الأكثر تفاؤلا الصادرة عن بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط. وأوضح التقرير أن هذا التقدير يأخذ بعين الاعتبار تأثير الصدمات الخارجية، خاصة تلك المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق الدولي المضطرب، حذرت المديرة العامة للصندوق كريستاليناغورغييفا، في مداخلة لها أول أمس، من صدمة إمدادات وصفتها بالكبيرة والعالمية، مشيرة إلى أن تدفقات النفط تراجعت بنحو 13 في المائة، والغاز الطبيعي المسال بحوالي 20 في المائة، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار وتعطيل سلاسل التوريد. وسجلت أن سعر نفط برنت قفز من 72 إلى 120 دولارا للبرميل في ذروة الأزمة، قبل أن يستقر عند مستويات مرتفعة مقارنة بما قبل النزاع. ونبه صندوق النقد الدولي إلى أن هذه الصدمة ستفرض حتما تعديلا في الطلب، داعيا إلى تفادي الإجراءات الأحادية، مثل قيود التصدير أو تسقيف الأسعار، لما لها من آثار سلبية على توازن الأسواق العالمية. كما أكد أن انتقال تأثير هذه الصدمة يتم عبر ثلاث قنوات رئيسية تشمل ارتفاع الأسعار، وتزايد توقعات التضخم، وتشديد الأوضاع المالية. وبالنسبة للمغرب، أشار التقرير إلى أن النمو المرتقب يستند إلى مجموعة من المحركات، من بينها انتعاش النشاط الفلاحي نتيجة تحسن التساقطات، واستمرار الأداء القوي للقطاع السياحي، إضافة إلى دينامية قطاع البناء والأشغال العمومية المدعوم بارتفاع الاستثمارات العمومية، خصوصا في إطار التحضيرات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030. غير أن الصندوق نبه إلى أن هذه المحركات تظل في جزء منها ذات طابع ظرفي، ما يطرح تحديات مرتبطة باستدامة النمو على المدى المتوسط. وفي المقابل، أكد صندوق النقد الدولي أن المؤشرات الماكرو اقتصادية للمغرب تظل مستقرة، مع توقع استقرار معدل التضخم في حدود 2 في المائة، وهو ما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية. كما أبرز أن استمرار استفادة المملكة من خط الائتمان المرن يعزز ثقة الأسواق الدولية، في ظل تعبئة نحو 4,5 مليار دولار خلال سنة 2025. ونبه التقرير إلى أن تداعيات الأزمة العالمية، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة، قد تؤثر على التوازنات الخارجية والمالية، باعتبار المغرب من البلدان المستوردة للطاقة، وهو ما يجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. كما سجل أن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل قد تنعكس على مستويات الأسعار وعلى تنافسية بعض القطاعات الإنتاجية. وفي هذا الإطار، دعا صندوق النقد الدولي إلى مواصلة الإصلاحات الهيكلية، مع التركيز على تعزيز دور القطاع الخاص في خلق فرص الشغل، وتحسين مناخ الأعمال، وتسريع وتيرة تبسيط المساطر الإدارية. كما شدد على أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، باعتباره محددا أساسيا لرفع الإنتاجية وتحقيق نمو أكثر استدامة. وعلى المستوى المالي، أوصى الصندوق بضرورة الحفاظ على سياسة مالية حذرة لضمان استدامة الدين العمومي، متوقعا استقراره في حدود 60 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي في أفق 2030، مع التأكيد على أهمية توجيه الدعم بشكل أكثر فعالية نحو الفئات المستحقة، في إطار إصلاح منظومة المقاصة. كما تطرق التقرير إلى التحديات المرتبطة بسوق الشغل، حيث يظل معدل البطالة مرتفعا، خاصة في صفوف الشباب، ما يعكس محدودية قدرة النمو الحالي على خلق فرص الشغل الكافية. وفي هذا السياق، اعتبر الصندوق أن تحسين قابلية تشغيل الشباب يمر عبر إصلاح منظومة التعليم والتكوين وتعزيز ملاءمة المهارات مع حاجيات السوق. وفي قراءة متقاطعة بين الوضع الوطني والسياق الدولي، يتضح أن الاقتصاد المغربي يواجه تحديا مزدوجا، يتمثل في الحفاظ على دينامية النمو من جهة، والتكيف مع صدمات خارجية متزايدة من جهة أخرى. وهو ما يجعل من "مريرة الصندوق" إطارا تحذيريا يبرز حدود النمو القائم على عوامل ظرفية، ويدعو في المقابل إلى تسريع الانتقال نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على الإنتاجية والابتكار. وخلص صندوق النقد الدولي إلى أن قوة الأسس الاقتصادية وسرعة التكيف مع التحولات الدولية تظل العامل الحاسم في مواجهة الصدمات، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستتطلب مواصلة الإصلاحات وتعزيز التوازنات، بما يمكن المغرب من ترسيخ موقعه ضمن الاقتصادات الصاعدة القادرة على الصمود في بيئة عالمية متقلبة.