لم يكن فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد، التي دامت زهاء 21 ساعة، مفاجئًا بقدر ما كان تأكيدًا لما كان واضحًا منذ البداية: لم تكن تلك المفاوضات تسير نحو سلام حقيقي، بل نحو اختبار موازين القوة وإعادة توزيع أوراق الضغط. بل إن ظروف انعقادها، في أجواء غامضة وكئيبة، كشفت منذ الوهلة الأولى أنها مفاوضات صورية، أو على الأقل مفاوضات لكل طرف فيها حساباته البعيدة عن إنهاء الحرب. مفاوضات طرفاها يدعيان النصر
العودة إلى الساعات الأخيرة التي سبقت انطلاق هذه المفاوضات تكفي لفهم عمق هذا الفشل. فبينما كان العالم يترقب انفراجًا، كان خطاب دونالد ترامب يتجه نحو أقصى درجات التصعيد، ملوّحًا بمحو إيران وتاريخ حضارتها. تهديدات لا تعكس فقط منطق القوة، بل تعكس أيضًا غياب أي أرضية أخلاقية أو سياسية لبناء سلام. في المقابل، جاءت الشروط الإيرانية العشرة وكأنها بيان انتصار، يوحي بأن طهران سحقت تحالفًا عسكريًا كاملاً، وتسعى الآن لرفع (كأس التتويج) السياسي، لا لفتح باب تسوية متوازنة.
وبين هذا السقف المرتفع من التهديد وذلك السقف المرتفع من الشروط، ضاعت فرصة الواقعية. فالتفاوض لا يُبنى على منطق (الإبادة) من جهة، ولا على منطق (الانتصار الكامل) من جهة أخرى، بل على أرضية مشتركة من التنازلات المتبادلة. وهو ما لم يكن حاضرًا في إسلام آباد.
الأخطر من ذلك أن الميدان كان يُكذّب الطاولة. فالحرب لم تتوقف، بل استمرت بوتيرة أكثر حدة. فقد واصلت إسرائيل قصفها على لبنان، بل تضاعف هذا القصف قبيل وأثناء المفاوضات، في رسالة واضحة بأن منطق القوة ما يزال هو الحاكم الفعلي. في المقابل، كانت إيرانوباكستان تؤكدان أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، بينما ينفي الطرف الآخر ذلك، مما عمّق الغموض وفضح غياب اتفاق حقيقي حتى حول أبسط بنود التهدئة.
هذا التناقض لم يكن تفصيلاً تقنيًا، بل كان جوهر الأزمة. لأن أي مفاوضات لا تتفق حتى على نطاق وقف إطلاق النار، هي مفاوضات بلا أرضية، ومصيرها الفشل. وقد زاد من هذا الاحتقان ما خلّفته المجازر في لبنان من غضب شعبي عارم، ليس فقط داخل المنطقة، بل في دول عديدة باتت ترى أن هذه الحرب خرجت عن كل الضوابط الإنسانية.
أما دونالد ترامب، فقد بدا وكأنه يفاوض بيد ويهدد بالأخرى. ففي الوقت الذي كانت فيه الوفود تجلس إلى الطاولة، كان يبعث برسائل متناقضة، يؤكد فيها أنه سينفذ ما يريد سواء قبل الطرف الآخر أم رفض، وكأنه لا يعترف أصلاً بجدوى المفاوضات التي دعا إليها. بل إن تصريحاته أوحت بنوع من الاستعراض السياسي، أكثر منها رغبة في الوصول إلى اتفاق.
دخل الطرفان إلى مفاوضات إسلام آباد بعقلية المنتصر، لا بعقلية الباحث عن تسوية؛ كل طرف يروّج أنه حسم (المعركة الأولى)، وأن على خصمه المنكسر أن ينصاع لشروطه. شروط لم تُفرض في الميدان رغم كثافة الصواريخ والمسيرات، لكن كل طرف حاول إقناع العالم بأنها ستتحقق على طاولة التفاوض. وكأن العاصمة الباكستانية لم تُهيَّأ لاحتضان مسار سلام، بل لتصوير فيلم سياسي بمخرجين، لكل واحد منهما سيناريو مختلف، وبطل يريد تتويجه أمام عدسات العالم، ولو على حساب الحقيقة أو إمكانية الوصول إلى اتفاق واقعي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل زاد تعقيدًا مع حديثه عن محاصرة مضيق هرمز والتصدي لكل السفن التي قد تدفع رسوماً لإيران مقابل المرور. وهو موقف لا يستهدف طهران فقط، بل يفتح مواجهة اقتصادية مع دول أخرى قد تقبل بهذا الترتيب، ما يعني توسيع دائرة الصراع بدل احتوائه.
كل هذه المؤشرات تؤكد أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن مسارًا نحو السلام، بل مرحلة من مراحل الحرب نفسها، ولكن بوسائل سياسية. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا بالمفاوضات الشكلية، التي تُستخدم لكسب الوقت، وإعادة التموضع، وتخفيف الضغط الدولي، دون نية حقيقية للوصول إلى حل.
إنها حرب، حصدت آلاف الضحايا في إيرانولبنان، لا يظهر لها أفق نهاية واضحة. بل إن إعادة إشعالها من جديد، بعد كل هدنة هشة، سيضاعف معاناة الشعوب، ليس فقط تلك التي تعيش تحت القصف، بل حتى شعوب أخرى ترتبط حياتها باقتصاد عالمي مرهون بمنطق القوة، لا بمنطق العدالة.
في النهاية، ما يجب أن يُقال بوضوح هو أن السلام لا يمكن أن يولد من رحم التهديد، ولا من سقف شروط تعجيزية، ولا من مفاوضات تُدار في أجواء من الغموض والتناقض. السلام يحتاج إلى إرادة حقيقية، وهذه الإرادة، حتى الآن، لم تظهر في إسلام آباد. بل الذي ظهر هو شيء آخر: حرب مستمرة... تتنكر أحيانًا في شكل مفاوضات.
صمت باقي عظماء العالم
في خضم هذا المشهد المشتعل، يبرز صمتٌ ثقيل لدولٍ كبرى كانت تُقدَّم، ولو إعلاميًا، كحليفة ل إيران، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وتركيا.وأخرى تعيش وستعيش معاناة مع ارتفاع أسعار النفط، وباقي حاجيات شعوبها، بعضها من حلفاء الولاياتالمتحدةالأمريكية (اليابان، كوريا الجنوبية،..)، صمتٌ هؤلاء و أولائك لم يكن بريئًا، بل بدا محسوبًا بدقة، حيث اكتفى بعضها ببيانات خجولة تدعو إلى التهدئة أو تحذّر من التصعيد، دون الانخراط الفعلي في معادلة الضغط أو الحسم، وكأنها تراقب من بعيد، أو تتحرك ضمن هامش ضيق سُمح لها به. في المقابل، اختارت دول أخرى تموقعًا أوضح، رافضة الانخراط في الحرب، ومعبّرة عن انتقادها لما يجري من قتل وتنكيل، خاصة في لبنان ودول الخليج، مثل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التي بدأت تدفع في اتجاه بلورة مواقف قانونية أكثر صرامة لحماية الملاحة الدولية، وضمان إعادة فتح مضيق هرمز بشكل آمن، مع التلويح بإجراءات جماعية للتصدي لأي طرف يسعى إلى عرقلة هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
لماذا لم يتم اللجوء إلى ورقة مضيق هرمز سابقا؟
وتبقى أسئلة مُقلقة يطرحها الخبراء والمتتبعون لهذه الحرب، تكشف حجم التناقض في سلوك الأطراف المتصارعة. من قبيل: لماذا لم تُبادر إيران منذ سنوات إلى استخدام ورقة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية لفرض رفع العقوبات أو الرد على الاستفزازات الأمريكية؟ ولماذا لم يتجه دونالد ترامب، في المقابل، إلى محاصرة هذا المضيق أو خنق شريان الاقتصاد الإيراني في مراحل سابقة، عبر استهداف موانئها أو تعطيل تجارتها، قبل الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟ ثم لماذا يظهر هذا الخيار اليوم، وفي هذا التوقيت الحرج بالذات، مع إعلان واشنطن نيتها فرض حصار بحري ابتداءً من الساعة العاشرة من يوم الاثنين 13 أبريل (بتوقيت الساحل الشرقي)؟ هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن أجوبة تقنية، بل تفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل كانت هذه الأوراق محفوظة لمرحلة معينة من الصراع؟ أم أن الحرب نفسها لم تكن سوى وسيلة لبلوغ لحظة تفاوضية تُستخدم فيها كل أدوات الضغط دفعة واحدة؟
كيف يمكن لمفاوضات أن تنجح في غياب طرف ثالث ؟
كيف يمكن لمفاوضات أن تنجح وهي تُبنى منذ لحظتها الأولى على غياب طرفٍ أساسي معنيٍّ بنتائجها؟ فحين تُعقد جلسات في إسلام آباد بين الولاياتالمتحدةوإيران، في وقت تبدو فيه إسرائيل خارج الطاولة، غير معنية بمخرجاتها، بل تسعى عمليًا إلى إفشالها عبر خرق وقف إطلاق النار وتصعيد القصف ورفع سقف شروطها إلى مستويات تفوق حتى المطالب الأمريكية، فإننا لا نكون أمام مفاوضات، بل أمام مشهد سياسي مختل. الأخطر من ذلك هو القبول الضمني بهذا الغياب: كيف يُقبل الجلوس إلى طاولة تفاوض دون حضور طرف فاعل على الأرض؟ وكيف يقبل هذا الطرف نفسه أن يُدار ملف الحرب دونه؟ هذا التناقض يفتح باب تأويلات واسعة؛ فإما أن الأمر يتعلق بتوزيع أدوار متفق عليه سلفًا، حيث يتكفل طرف بالتفاوض وآخر بالضغط الميداني، أو أنه يكشف طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الحليفين. وفي الحالتين معًا، يطرح السؤال الحرج نفسه: هل نحن أمام دولة تمارس سيادتها الكاملة، أم أمام كيان يتحرك ضمن هامش مرسوم من قبل حليف أقوى، يجعل من استقلال القرار مجرد صورة تُعرض أمام العالم، بينما تُدار الخيارات الحقيقية في مكان آخر؟
ما جرى في باكستان لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تضرب جوهر ما يُسمى بالديمقراطية العالمية. فحين تُدار حرب بهذا الحجم خارج مؤسسات الشرعية الدولية، ويُترك مجلس الأمن الدولي في موقع المتفرج، فإن ذلك يُعد إهانة مزدوجة: إهانة لمنظومة القوانين الدولية، وإذلال لمؤسسة يفترض أنها الضامن للسلم العالمي. مجلسٌ اعتاد أن يفتح أبوابه سريعًا ويُشهر سلاح حق النقض (الفيتو) عند تناول ملفات تخص دولًا مستضعفة، لكنه اليوم يلوذ بالصمت. يُغلق أبوابه في انتظار تسوية لن يكون طرفًا فيها. وكأن ميزان العدالة الدولية لم يعد يُقاس بالقانون، بل بميزان القوة ومصالح الكبار، في مشهد يكشف بوضوح أن النظام الدولي يعيش أزمة مصداقية حقيقية، حيث تُعطَّل مؤسساته حين يتعلق الأمر بالأقوياء، وتُفعَّل فقط عندما يكون الضحايا بلا سند