المغرب يتهم الجزائر باختلاس 105 ملايين دولار من المساعدات الانسانية الموجهة إلى مخيمات تيندوف    تذاكر ما بين 49 إلى 99 درهم..مكتب السكك الحديدية يطلق برنامجه الصيفي    بتدخل من الوالي .. سلطات طنجة ترخص بإعادة رسم جدارية ليلى علوي    الشابي: "أقول دائما أننا نتوفر على 25 لاعبا بنفس المستوى واليوم انضاف إليهم لاعب آخر وأنا سعيد من أجله"    الجديدة.. توقيف ثلاثة أشخاص بينهم سيدة بحوزتهم أربع كيلوغرامات من الشيرا وجرعات من الكوكايين وبخاخ غاز مسيل للدموع وسبعة أسلحة بيضاء    رحيل الكاتب بشير القمري .. "خسارة كبيرة" للثقافة والإبداع بالمغرب وبالعالم العربي    مناخ بارد ومجموعة مكتملة.. الوداد يستهل تحضيراته لموقعة جوهانسبورغ أمام "كايزر تشيفز"    هولندا في الطريق للنهائي وشبح الإقصاء يطارد الكبار    بعد هزيمتها في الانتخابات.. "هجرة جماعية" من نقابة البيجيدي صوب نقابة الاستقلال بالحسيمة    الأول في نوعه بإفريقيا.. بوريطة يدشن بالرباط مكتب الأمم المتحدة لمحاربة الإرهاب    المغرب يسجل 484 إصابة كورونا جديدة و عدد الملقحين بالجرعة الثانية يتجاوز 8.6 مليون مستفيد    الأزمة الدبلوماسية مع المغرب تكبد اسبانيا خسائر كبرى    بعد تأهل فلسطين واكتمال "المجموعة الثالثة".. المنتخب المغربي "الرديف" يتعرف على مواعيد مبارياته في "كأس العرب"    مساع نحو التهدئة..لماذا تجاهل وزير داخلية إسبانيا سؤالاً حول الاعتراف بمغربية الصحراء؟    بسبب وضعه الصحي.. دفاع الريسوني: انتظرنا ساعتين دون جدوى    حصري: أمر باعتقال المهندس المتهم في ملف المدير السابق للوكالة الحضرية بمراكش    قضية الرداد .. محامية البستاني المغربي تتقدم بطلب لمراجعة المحاكمة وتطالب بدعمه    التلميذة سندس تكشف ل"العمق" سر حصولها على معدل 20/20 في الامتحان الجهوي (فيديو)    الحكومة تصادق على إلحاق "أساتذة التعاقد" بالصندوق المغربي للتقاعد    ابتداء من 64 أورو: برمجة رحلات جديدة باتجاه المغرب خلال شهري يوليوز وغشت المقبلين.    بعثة بيراميدز تحط رحالها في الدار البيضاء تمهيدًا لملاقاة الرجاء في إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية    ناصر بوريطة يتباحث مع نظيره الليبيري    العثور على "مكافي" مبتكر برنامج مكافحة الفيروسات الإلكترونية منتحرا في سجنه بإسبانيا    مجلس عمالة الدار البيضاء يدشن مشاريع تهيئة مركبات القرب    تيزنيت : مديرية التعليم تنظم الأبواب المفتوحة لمشروع دعم تعزيز السلوك المدني داخل المدارس "APT2C" ( صور + فيديو )    استقالة الحكومة الجزائرية والرئيس تبون يكلفها بتصريف الأعمال    وسيط المملكة: العدالة يجب أن يراها الناس تتحقق ب"الشفافية" و"الحكامة"    الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يلغي قاعدة أفضلية الهدف خارج القواعد في جميع المسابقات الأوربية    ترقية "الكروج" و"حيسو" إلى خارج السلم بوزارة الرياضة تخلق جدلا فيسبوكيا"    رسائل تبون والسيسي.. معركة جزائرية مصرية للتموقع في ليبيا    الإعلان عن النتائج الأولى لطلبات عروض المشاريع    النواب يصادق على مقترح قانون وخمسة مشاريع قوانين تهم مجالات الاقتصاد والمالية ودور الحضانة    فراق كرة القدم يقترب.. ميسي يحتفل بذكرى ميلاده ال34    سحب وأجواء مستقرة على العموم .. توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    محكمة النقض تحسم في ملف الزفزافي ومن معه    العثماني : زيارة حماس ليست انتخابية ولهذا السبب لم يزر هنية بنكيران    بريطانيا تعتزم وضع المغرب على قائمة السفر الخضراء    المتحور دلتا يدق أبواب المغرب والإصابات لن تستثني الملقحين    توقعات باستقرار قطاع البناء وبارتفاع الإنتاج الصناعي خلال الفصل الثاني من سنة 2021    هذا هو التوزيع الجغرافي لفيروس كورونا على أقاليم المغرب    البنك الدولي: الانتعاش الاقتصادي بالمغرب سيكون غير منتظم ونسبة النمو ستبلغ 4.6% في 2021    المطارات المغربية استقبلت خلال أسبوع 195 ألفا و547 مسافرا عبر 1857 رحلة جوية    "موسم أصيلة" الثقافي يعقد هذا العام في دورتين في الصيف والخريف    الصحة العالمية تُسجل تباطؤ في الجائحة للأسبوع الثامن على التوالي في العالم    منظمة الصحة العالمية: تباطؤ الجائحة للأسبوع الثامن على التوالي في العالم    مسرحية "جنان القبطان" .. ثلاث أرواح محكومة بالتيه الأبدي في الزمان والمكان    النظام الاستخباراتي وأهمية المعلومة..    أكادير تحتضن ندوة دولية حول : " التواصل المؤسساتي والتنمية ورهانات الحكامة " (بلاغ صحفي)    إتلاف عمل فني في طنجة بسبب عدم وجود ترخيص    "أنثروبولوجيا الجسد".. كتاب جديد لعبد الصمد الكباص    دار الشعر بمراكش تنظم فقرة "الإقامة في القصيدة"    خاصة بالصور والفيديو.. واتساب يضيف ميزة مذهلة انتظرها الجميع    حسن وهبي.. مفرد بصيغة الجمع    دراسة تحذر الأطفال والمراهقين من عارض خطير يحدث أثناء النوم    وهم التنزيل    آفاق علم التوحيد وتشعب مجالاته المعرفية    نحن نتاج لعوالم باطنية خفية ! ..    "شيخ العابدين والزاهدين" .. وفاة أشهر الملازمين للحرم النبوي الشريف عن 107 أعوام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المغاربة على خطى الإمام الجنيد
نشر في هسبريس يوم 25 - 07 - 2008

يقول ابن عاشر رحمه الله تعالى في الحبل المتين على نظم المرشد المعين: ""
في عقد الأشعري وفقه مالك**وفي طريقة الجنيد السالك
والمراد بالطريقة هنا ، طريقة السلوك إلى الله تعالى وهي طريق السادة الصوفية ، وفي مقدمتهم طريق أبوالقاسم الجنيد الذي تشبث المغاربة بها ؛ لأنها أسلم طرق التصوف ، لكونها خالية من الشبهات والبدع ..ومن كلامه رحمه الله: "الطريق إلى الله مسدود إلا على المقتفين آثار رسول الله (ص) ويقول كذلك:"من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لايقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة" . وسئل عن التصوف مرة فقال: "تصفية القلب عن موافقة البرية ، ومفارقة الأخلاق الطبيعية ، وإخماد الصفات البشرية ، ومجانبة الدواعي النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية ، والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ماهو أولى على الأبدية ، والنصح لجميع الأمة والوفاء لله على الحقيقة ، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة ".
وفي هذا السياق تقول الأستاذة فاطمة اليشرطية الحسنية في كتابها (رحلة إلى الحق):" وقد أثبت جماعة من السادة الصوفية، أن ليس التصوف في قراءة الكتب المؤلفة فيه، وإنما هو السعي في إصلاح القلب، وتطهيره من الأمراض الخبيثة ، وتهذيب النفس وتفقد عيوبها، وإرجاعها إلى جوهرها الأصلي كما قال تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية .."
ويمكن أن نلخص أركان طريقة الجنيد بعبارة المجاهدة ومخالفة النفس ، وكبح جماح غوايتها، مع إلجامها بلجام الشرع الحنيف ، وتسييرها على طريق الله عز وجل ،ومعاداة الشيطان الرجيم وعدم الاكتراث لوسوساته ..قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.." وجاء في الأثر"لعل أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك" من أجل ذلك سلك المغاربة طريقة الإمام الجنيد لباعه الطويل في هذا الشأن ، وباعتباره سيد الطائفة ومعلمها وأحد أبرز رجالات التصوف ، ولم يكن رحمه الله صوفيا فحسب ؛ بل كان فقيها وعالما ومحدثا وفيلسوفا ، ولقب "بسيد الطائفة" و"طاووس العلماء". وتتصل طريقة الجنيد برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة أسانيد من أشهرها: عن السري السقطي عن داود الطائي عن حبيب العجمي عن الحسن البصري عن علي بن أبي طالب(ض) عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وللعلماء بالرجال في هذه الأسانيد مقال ، يقول الدكتور حسن جلاب : "وتتجمع أسانيد الطرق الصوفية المغربية عند الجنيد لتتفرع بعد ذلك ، إذ لانكاد نجد طريقة لا تتصل بها إلا نادرا ، وحتى في هذه الحالة غالبا ما تتوفر هذه الطريقة على سند ثان يوصلها إلى الجنيد ، وتفسر هذه الظاهرة بحرص الطرق الصوفية المغربية على أن تكون سائرة على نهج السنة المحمدية لشهرة الجنيد بذلك .."يقول صاحب كتاب(العقيدة الحقة): "لايخفى على ذوي الأفهام من الأمراء والحكام والعلماء والأعلام بل الخواص أن الأمة أجمعت على قبول طريق الإمام الجنيد بن محمد البغدادي القواريري شيخ الصوفية ورأس الجماعة فأرشدوا إلى تقليده في الطريق.." ويقول الشيخ العلامة عبد السلام اللقاني في شرح المنظومة (ارشاد المريد): "...ومن المعلوم أن المتبع في الأصول إنما هو المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء الأئمة رضي الله عنهم جاؤوا فقرروا أحكام الشريعة ودلوا الأمة على طريق النبي عليه الصلاة والسلام ، فأجمعت الأمة على الأخذ بمذاهبهم والاقتداء بهم ومنهم سيد الطائفة الصوفية الجنيد أبو القاسم رحمه الله.."
أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه بالعراق ولد سنة 215 وتوفي سنة 297 هجرية ، كان فقيها على مذهب أبي ثور، تلميذ الإمام الشافعي ، وصحب خاله السري السقطي ، والحارث المحاسبي فسلك مسلكهما في التحقيق بالعلم واستعماله ، وحج إلى مكة ثلاثين حجة على رجليه .
وقد تعددت الأقوال في علم التصوف وماهيته وموضوعه ومعناه فمن معارض منكر إلى مؤيد مدافع، وتعدد الأقوال فيه يثبت حقيقته العالية والراقية ، إذ أن كل الأقوال والتعريفات تستخرج اشتقاقاتها من أوصاف حسنة رفيعة ، وهذا ينطبق على المعاني اللغوية أوالاصطلاحية أوالعرفية ؛ حيث أن جميع من تناول التصوف بالتعريف ذكروا له أوصافا جليلة ، واختلافهم في وصفه وتعريفه ،جاء من اختلاف الرؤى والأفهام لهذا الأمر العظيم. قال الإمام الجنيد رحمه الله :"التصوف استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني" . أما شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى يعتبر التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.. وقد شبه الشيخ حمزة بالعباس(شيخ الزاوية البوتشيشية المغربية) الطريقة الصوفية بالمستشفى وقال:"الطريقة أشبه بالمستشفى ، وأنتم الممرضون، والشيخ المعلم هوالطبيب ، فاعفوا واصفحوا وارفقوا بعيال الله ، والخلق عيال الله.." نعم التصوف ه مستشفى ودواء القلوب السقيمة المريضة التي ابتعدت وحادت عن صراط الله المستقيم ، لذا ساداتنا الصوفية اعتبروه علما يبحث في أهم أركان الدين الإسلامي ألا وهو الإحسان الذي عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه :"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، علما أن الشريعة الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم العقيدة وهو الجانب الذي يبحث في توحيد الله و مايليق بجلاله ، كما يبحث في أسماء الله وصفاته والقضاء والقدر والغيبيات عموما...وقسم العبادات والمعاملات الذي يبحث في الصلاة والزكاة والصيام.. وفي المعاملات كالبيع والشراء والرهن وغيره من أبواب الفقه الإسلامي..أما القسم الثالث وهو الأخلاق، وهو الجانب المهم والأساسي في ديننا الإسلامي الذي افتقدته الأمة في عالم اليوم، كما غيبته الحركات الإسلامية من برامجها التربوية والتعليمية ؛ الأمر الذي أسقطها من قمم الحب والتسامح والعفة والطهارة والصبر على عيال الله تعالى؛ بل -للأسف الشديد- أعلنت الحرب على كل من ينتمي إلى هذه المدرسة النبوية الشريفة، التي جعلت من أهدافها تزكية النفوس ، وكيفية تخليتها من أمراضها وكل مال ايرضي الله عزوجل ، بالإضافة إلى تحليتها بلأوصاف الحميدة التي كان عليها السلف الصالح لهذه الأمة..وعليه فالتصوف كان حالة وسلوكا تلقائيا للصحابة الكرام بحكم اتصالهم برسول الله (ص) فلم يكن هناك ما يدعو إلى تنبيههم إلى أحوال ومناهج تربوية كانوا قائمين بها فعلا في تلك الفترة النبوية الشريفة ، وذلك أن الإسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هي دليلهم وبوصلتهم تجاه مسيرة حياتهم ومعاملاتهم ..لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتأسي به عليه السلام فقال :" ولكم في رسول الله اسوة حسنة". فالتصوف إذا هو العودة بالناس إلى جوهر الدين والوصول بهم إلى مقام "الإحسان" ومعلوم أن هذا المقام محله الروح والقلب والنفس ، فيحتاج إلى أهل الخبرة بهذا الفن وإلى مختصين به ، كما أن الفقه له أهله وباقي سائر العلوم من طب وهندسة وفلك ورياضيات ..ولتقريب هذا الفن وحقيقته من الأذهان نقول:إن الله أمر بالصلاة فقال:"وأقيموا الصلاة" فإذا أردنا أن نتعلم الصلاة وسائر العبادات نذهب إلى الفقهاء فنتعلم شروطها وأركانها وسننها ومكروهاتها ودخول وقتها..ولكن الله عزوجل يقول أيضا:"قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون" فالخشوع أيضا مطلوب في الصلاة ، ولكننا لو بحثنا في كتب الفقة فلن نجد لكيفية الخشوع أولتحصيله جوابا ، لأن الخشوع والوصول إليه وحب الناس والعفو والتسامح والكره والغضب والخيانة والغدروالغش والوسواس والنفاق والحقد والكبروالغل..هذه الأمو رليست من اختصاص فقهاء النصوص ، وإنما هي من اختصاص فقهاء القلوب ، وهذا هو الفقه المسمى "التصوف"الذي لايخرج مطلقا عن الشرع ومقاصده ، فتلبسه بالشرع الحنيف كتلبس الروح بالجسد ، أما من يدعي ويعتبر التصوف شعوذة ودجل وخرافات ما أنزل الله به من سلطان؛ فهو إما جاهل بحقيقة هذا العلم ، أو جاحد مكابر أعمى الله بصيرته ؛ لأن ظهور هذا العلم الجليل جاء طبيعيا بعد ما ابتعد الناس عن الهدي النبوي وعن الحالة الأولى للسلف الصالح رضوان الله عليهم ،له ضوابط وقواعد واصطلاحات ومناهج شأنه شان باقي العلوم كالفقه والحديث والتفسير والنحو والبلاغة والعروض..ولكي لايتلاعب به كل من هب ودب من المنتحلين والمغرضين ، فكان لايؤخذ إلا عمن كان مجازا فيه الموصول بإجازات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام القشيري رحمه الله متحدثا عن نشأة التصوف وحقيقته:"اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية سوى صحابة الرسول إذ لاأفضلية فوقها ، فقيل لهم الصحابة ، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين (الزهاد والعباد)، ثم ظهرت البدعة وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادا ، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة ،باسم التصوف ، واشتهر هذا الإسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة"
وبما أن التصوف يعنى بفقه القلوب ، والقلب ه وسلطان الجسد وعليه تدور جملة من النواهي والأوامر تجعله إن هو امتثل أمر الله قلبا منورا بنوره وأهلا لأن يكون محل نظر الله إليه، وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :"ألاوإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألاوهي القلب" . وإذا علمنا أن الجوارح تتحرك وفق مايمليه عليها القلب ، إذ هو المحرك لها وهي تابعة له ، وعلى هذا الأساس كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أهمية تنقية القلوب وتزكية النفوس فيقول صلى الله عليه وسلم :"إن الله لاينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم "من أجل ذلك فإن الكنز الثمين الذي ينفع الإنسان يوم لقاء ربه هو القلب المملوء بمحبة الله تعالى المعافى من الأحقاد والأمراض والأدران ..قال تعالى:"يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " . لذا تفوقت مدرسة التصوف على المدارس الفقهية الأخرى لما تحمله من أهمية في ربط الإنسان بربه عبر التزكية المخاطب بها كل مكلف عاقل، يقول تعالى:"قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها.." ولما للتصوف من دور فعال وبارز في تهذيب سلوك المسلم وتربيته على محبة الله ورسوله فقد جعله علماء الإسلام من الفروض العينية على كل مسلم عاقل بالغ وعلى رأسهم الإمام الغزالي رحمه الله حيث قال :" الدخول مع الصوفية فرض عين إذ لايخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" وروي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله (ت179هجرية) أنه قال :"من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق" أما الإمام الشافعي (ت204هجرية) فقد ثبت عنه أنه قال:"حبب إلي من دنياكم ثلاث : ترك التكلف وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف". وحتى الإمام أحمد بن حنبل(ت241 هجرية) الذي كان له عداء واضح مع الصوفية وكان يمنع ولده من مخالطتهم والجلوس معهم وهذا قبل مصاحبتهم ، وعندما عرف أحوالهم وغزارة علمهم وصدق لسانهم وصفاء قلوبهم قال لولده مرة ثانية:"ياولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة ".
إن تركيز التربية الصوفية على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في سبيل عياله ومخلوقاته مع تغليب الإحسان في كل شيء ...إن هذه الآفاق المعنوية والسلوكية والأبعاد الروحية التي ترسخها وتركزها التربية الصوفية في تلامذتها، توفر لنا دعامة قوية في عصرنا المادي الهمجي لإعادة النظر في كثير من تصرفاتنا وسلوكاتنا التعصبية سواء للأعراق أو الطوائف أو المذهبيات، ويدعونا إلى القبول بالآخر وجودا، بل الاعتقاد في ضرورة وجوده كمظهر من مظاهر الرحمة الإلهية التي تجلت في آيات وحقائق تتيح للإنسان فسحة الحياة بأشكال وأنماط وألوان متعددة في مجاليها ومرائيها، متوحدة في ينبوعها ومصبها. فتعدد أذواق الصوفية ومواجيدهم وخصوصية تجربة كل عارف منهم وتنوع وثراء ما أسفرت عنها تلك التجارب من معارف ومذاقات، مع نهلها من نفس بحار القرآن والسنة النبوية الشريفة كل ذلك يؤكد وسع الفضل الإلهي الذي لا يحجر، ويشهد على رحابة المعرفة الإلهية التي لا حد ولا ساحل لها. قال تعالى في كتابه العزيز: "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".
ونشير في الأخير أن التصوف لايعني الانعزال عن الحياة ، وأن الزهد عند الصوفية هو زهد قلبي ، لايكون فيه للعبد تعلق بغير مولاه جل جلاله ، ومن أجل ترسيخ هذه المبادئ والقيم الخلقية الربانية في نفوس الناس اليوم، لابد لأهل الاختصاص في هذا الفن ولمدراء المدارس الصوفية والزوايا العلمية المغربية النهوض من جديد والقيام بدورهم الريادي لإنقاذ الأمة من مستنقعات الانحلال والمجون ..لأن التصوف المغربي له خصوصيات مختلفة عن التصوف المشرقي ؛ بحيث جمع بين التجريد من الحظوظ القلبية وبين الأخذ بالأسباب الدنيوية ، كما جمع بين مجاهدة النفس وجهاد الأعداء ، ويبقى الهدف الأساسي من التربية الصوفية في عصر المادة الصماء هو بناء شخصية مسلمة متوازنة سوية- لاقنبلة غازية موقوتة- توازن بين مطالب الدين والدنيا وبين عالم الغيب وعالم الشهادة، وعلى هذا الأساس اعتبر كبراء هذا الفن أن التصوف هو لب الدين وجوهره ولحمته ، ومن لم يعانقه شوقه وحبه ، تبخر في جوف بغضه وحقده ؟
الداعية الصادق العثماني
باحث مغربي مقيم في البرازيل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.