عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) بين تجديد الفكر الديني والخروج عن الموضوع    منهم الرايس جو بايدن ومارك زوكربوركَ وموركَان فريمان.. روسيا منعات أكثر من 900 ميريكاني يدخلو أراضيها – فيديو    من بعد 6 سنين.. المحكمة غادي تحسم فالقضية ديال الممثلة المصرية زينة ضد طليقها أحمد عز    اعتقالات وإصابات.. أعمال الشغب تعود لمحيط ملعب طنجة    مواعيد وأخبار ثقافية من جهة طنجة تطوان الحسيمة    هكذا يمكنك تناول بذور الشيا لإنقاص الوزن    نقل عميد اتحاد طنجة للعناية المركزة بعد إصابته في مباراة فريقه ضد بركان    بنشعبون حرك المياه الراكدة بسفارة المغرب بفرنسا..جمع كاع القناصلة باش يخدمو المهاجرين والقضية الوطنية على رأس المهام    فاجعة بالسنغال .. مصرع 11 رضيعا في حريق ضخم بأحد المستشفيات    إنقلاب شاحنة في حادثة سير مروعة.    طنجة: إطلاق تمرين البحث والإنقاذ بالبحر "Sarex Détroit 2022"    منع كبار المسؤولين المغاربة من تأشيرات "شنغن"    الحكومة الباكستانية تستدعي الجيش لتأمين مقرات الحكم مع استمرار المواجهات مع مؤيدين لعمران خان    لهذا سيمتنع المغرب عن المشاركة في الألعاب المتوسطية بالجزائر    رسميا.. الحكومة البريطانية وافقات على بيع فرقة زياش    حواضر سوس: الدلالة اللغوية للأسماء وذاكرة الامكنة (1)    التعاضدية العامة لموظفي الادارات العمومية تفتتح وكالة لخدمات القرب بمدينة الدريوش    ناضو ليه بعدما هاجم العيالات فمصر اللي كيساندو السيسي.. دعوى قضائية ضد الممثل عمرو واكد – تغريدات    إلغاء انتخاب الحموتي كبرلماني فدائرة الحسيمة.. قيادة البام: قرار محترم وغير قابل للطعن ودار نقاش دستوري وحنا غادي ندعمو الحموتي    الرباط...تعزيز الشراكة وتبادل الخبرات محور اتفاقية بين رئاسة النيابة العامة ووزارة التجهيز والماء    الناظور: علي خليل يوجه ضربة موجعة ل"عصابة" أوراش    ذاكرة كرة القدم الوطنية بقلب المقر الجديد للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم    ريال مدريد يتعاقد رسمياً مع "مبابي المزيف"    فهمت الآن يا ولدي لماذا قلنا لا تمت!؟    الأعراس الطنجاوية.. عندما يصبح الفرح جحيما    ‪جزر الكناري تستعين بالخبرة المغربية لصد المهاجرين غير النظاميين‬    زياش: " لن ألعب مع خاليلوزيتش ولو نام فوق سقف بيتي"    بنخضراء: المغرب يتوفر على مزايا عديدة لتحقيق الانتقال الطاقي    والدة محمد و لطيفة الوحداني في دمة الله.    الرباط...تعزيز الشراكة وتبادل الخبرات محور اتفاقية بين رئاسة النيابة العامة ووزارة التجهيز والماء    بوريطة: فتح سورينام قنصليتها بالداخلة تعبير عن موقفها الثابت من القضية الوطنية    رئيس فرنسا يعلق على "مجزرة تكساس"    كورونا.. وزير الصحة يوصي بالكمامة والجرعة الثالثة    جدري القرود.. انتقال العدوى والأعراض والعلاج    إجراء تجارب للهبوط على مدرج مطار الحسيمة بواسطة الأقمار الصناعية    السلطات الأمريكية تحبط محاولة اغتيال إرهابي يرتبط ب"داعش" للرئيس السابق جورج بوش الإبن    الاستثمار، النمو، التشغيل: الحكومة تشرح ولا تقنع!    45 مليار دولار قيمة استثمارات الصندوق الإفريقي للتنمية في 40 دولة بالقارة    النتائج المخبرية للحالات الثلاث المشتبه في إصابتها بفيروس جدري القردة جاءت سلبية    التوزيع الجغرافي لمعدل الإصابات بكورونا خلال ال24 ساعة الماضية بالمغرب    أزمة الما خرجاتهم للشارع. الفلاحا فسهل صبر بالناظور واكلين الدق.. وناضو يغوتو: المحصول مشا فيها بسبب انقطاع مياه الري – فيديو    وزير خارجية تركيا من تل أبيب: تحسن علاقاتنا مع إسرائيل غادي يخدم الفلسطينيين ويعاونهم وبلادنا من أكبر 10 شركاء تجاريين للدولة العبرية    غلاء مصاريف الحج يثير جدلاً بالمغرب    حكيم زياش: لن ألعب تحت قيادة خاليلوزيتش حتى لو وقف على عتبة منزلي    توقيع أربع اتفاقيات لتسريع تعميم التغطية الصحية لفائدة الفلاحين    برنامج غني لمهرجان "كاميرا كيدس" السادس بالرباط    نبيل عيوش يمثل السينما المغربية في الاحتفال بالذكرى ال 75 لمهرجان "كان"    برعاية مغربية إسبانية.. افتتاح معرض يسلط الضوء على الجانب التاريخي والتراثي للشراكة بين المملكتين..    الفريق الاشتراكي يُوضح بالأرقام غلاء مصاريف الحج لهذا الموسم    خاليلوزيتش : حجي خيب ظني    الخزينة العامة للمملكة ترصد ارتفاع المداخيل الضريبية للجماعات الترابية..    افتتاح فعاليات الدورة 15 من المنتدى الدولي للأشرطة المرسومة بتطوان    لوحات الفنانة عزيزة جمال بالرباط..تكريم للمرأة وانتصار لقيم الأمل والحرية    الشاب خالد يتهم ممثل شركة بالنصب عليه، والأخير يقرر مقاضاته    الحج هاد العام واش حسن يتلغا: كثر من 6 مليون يخرجها المغربي للسعودية واخا بلادنا محتاجة للدوفيز فهاد الأزمة    نستنكر قيمَهم، حسنٌ، فما هي قِيمُنا؛ من نحن؟    وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحدد مصاريف الحج في 63 ألفا و800 درهم    الاعلان عن مبلغ مصاريف الحج لهذا الموسم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سرحان يكتب: أبطال بلا روايات.. "زوربا وبِطيط وجالوق وأبو جندل"
نشر في هسبريس يوم 21 - 01 - 2022

لا يأتي الرّوائيّون والقصّاصون بأبطالهم من أقاصي المخيّلة، كما قد يظنّ البعض، وإنّما يختارونهم، إذا كانوا أشخاصًا، من بين معارفهم وأقاربهم وأولاد حاراتهم، أو من وضعتهم المصادفات في طريقهم، أمّا إذا كان الأبطال أمكنة وأزمنة فإنّ لكلّ كاتب طريقته في الاختيار، حسب ثقافته وظروف نشأته...
بعض الأبطال لا يبرحون الذاكرة حتى بعد أن تمرّ سنوات طويلة على قراءتهم؛ فبإمكاني، متى ما شئت، أن استحضر زوربا كاملًا، بما فيه رقصته الشهيرة التي تعيد إليّ متعة الرواية فانحني إجلالًا لروح نيكوس كازانتزاكي الوارفة. بعد قراءتي كتابه الممتع "تقرير إلى غريكو" سأعرف أنّ لقاء المؤلف بزوربا كان حقيقيًّا، إذ يُفرد له فصلًا يحمل عنوان "زوربا".
بفضل كازانتزاكي إذن سيتحوّل شخص ما في ميناء ما قرب جزيرة ما إلى بطل رواية عظيمة، ومنها إلى بطل فيلم لعب دور البطولة فيه أنطوني كوين، الذي لا بدّ أنّه خذل من قرؤوا الرواية قبل مشاهدة الفيلم.
كما بإمكاني، أيضًا، أن أستحضر إلياس نخلة، بطل "الأشجار واغتيال مرزوق"، وهو عبارة عن زوربا عربيّ أبدع عبد الرحمن منيف في تقديمه لنا خلال رحلته بالقطار، حتى إذا حلّت ساعة الفراق وغادر إلياس نخلة أحسّ المؤلّف بأنّه مجرد فأر. إلياس نخلة كان أقلّ حظًّا، إذ لم يجد من ينقله من الرواية إلى السينما.
أبطال آخرون يزدحمون في الذاكرة، وإذا كان لي أن أحيِّي أحدًا منهم فلن أجد أجدر بذلك من أبطال إلياس خوري، فهم يموتون في مستهل الرواية لتصبح جثامينهم محورًا لها؛ فأحدهم يعثر عليه عمال النظافة مقتولا في الفقرة الثانية من الصفحة الأولى، بينما يدخل آخر في غيبوبة على مدى أكثر من خمسمائة صفحة هي حجم الرواية، وعلى مدى خمسين عامًا هي عمر القضية الفلسطينية، موضوع الرواية.
أعتقد أنّ إلياس خوري تعامل مع مسألة البطل بذكاء نادر، فالأبطال العرب لا يصبحون كذلك إلّا بعد موتهم.. هل تعرفون بطلًا عربيًّا على قيد الحياة؟.
الأمكنة والأزمنة أيضًا قد تصبح أبطالًا لقصص وروايات... ولنا أن نذكر على سبيل المثال "ماكوندو"، بطلة "مائة عام من العزلة"، وشارع الداخلة، الشّريان الأبهر لرواية "هوت ماروك" لياسين عدنان، و"1984′′ بطلة الرواية التي تحمل العنوان نفسه لجورج أورويل، و"زقاق المدق" لنجيب محفوظ، و"5 حزيران"، بطل حفلة سمر الرّاحل سعد الله ونوس، و"بناية ماتيلد" لحسن داود، والعمارة التي يقطنها الروائي حمدي أبو جليل، التي أسفرت بفضل موهبته الفذة عن رواية "لصوص متقاعدون"، و"أيلة"، القرية التي استمد منها الشاعر عبد السلام الموسوي نصوص "عناكب من دم المكان"، وهو كتاب شديد العذوبة...
قبل مدّة رحل عن دنيانا رجل اسمه "حَرّْبَا"، بعد أن قضى في ساحات فاس وأحيائها ما ينيف عن خمسين عامًا، أثّث خلالها بأغانيه العجيبة وقصصه السوريالية ذاكرة أجيال وأجيال، ولم ينقطع عن الناس إلّا بعد أن بلغت الشيخوخة منه مبلغها؛ وقبله ببضع سنوات رحلت امرأة اسمها "عسّالة"، وقد كانت امرأة مشرّدة تحمل القطط وشعرها منفوش دائما وأبدًا... وقد بلغت من الكبر ما جعل الناس يخوّفون بها أبناءهم. حرّْبا وعسّالة عاشا كلاهما زهاء قرن من الزمن في مدينة تعجّ بالأقلام، ومع ذلك، لم يكن نصيب الأول سوى استجواب إذاعي في أواخر حياته وورقة تعريفية به بعد مماته (هل مات حرّْبا؟)؛ أما الثانية فالتفت إليها زجّالان فخصّها كل واحد منهما بقصيدة.
حين ماتت عسّالة وبعدها حرّبا، لا أعرف ما إذا كان قد بكاهما أحد، لكنّ المؤكد عندي أنّ جميع القصص والرّوايات التي كانا بطليْها اختفت حدادًا عليهما، فلم يظهر لهما أثر مكتوب.
الشّرقاوي "مُولْ الحمام" كان أوفر حظًّا، فقد التفتت إليه "آفاق مغاربية" التي تصدر بالفرنسية من تولوز في أحد أعدادها، كما خصّه مسرح ساحة الناس بمسرحية "حروف الزين".
الصاروخ، طبيب الحشرات، العَيْبوط، عيشة بِطيط، الملك جالوق...منهم من قضى نحبه ومنهم من مازال يعيث في الأرض نشاطًا، كلّهم أبطال بلا روايات، مع أنّ منهم من هو معروف، شخصًا ورواية، لدى مئات الآلاف من الناس، ولا يضيره في شيء ألاّ يضمّه كتاب لا توزّع منه سوى ألف نسخة، ولا يباع منها سوى مائة... فالكتاب في هذه الحالة هو الخاسر.
بعيدًا عن الأشخاص، يمكن اعتبار كلّ الأزمنة العربية الحديثة بطلة سيتكوم من الهزائم والمهازل. ولو قُيّض لقناة ما أن تعرض هكذا سلسلة فإنّها لن تُحقّق سبقًا تلفزيونيًّا فقط، بل إنّها ستُحقّق أرباحًا باهظة من مداخيل الإعلانات التي ستتخلّل الحلقات.
أمّا الأمكنة العربية (حاشا أن أكون قد قصدت السّجون ومستشفيات الأمراض العقليّة والثّكنات...) فيتمُّ تقديمها دائمًا تقديمًا سياحيًّا؛ لذلك فإن ساحة جامع الفنا، وهي عميدة السّاحات العربية، انتظرت طويلًا قبل أن تُعلَنَ من طرف اليونسكو تراثًا شفويًّا إنسانيًّا، ولا بُدّ أنّها مازالت تنتظر من يحوّلها إلى رواية، أقترح أن يكون عنوانها "مائة عام من الفرجة".
وأخيرًا أقترح على روائيّينا ومخرجينا السينمائيّين بطلًا من نوع خاص، لو أنّ أمريكا تملك عُشُرَهُ لحوّلته إلى سلسة لا تنتهي من الأفلام؛ إنّه يوسف أحمد ريحان، أو "أبو جندل" كما تعرفه ساحات الشّرف، أو ذو الحصارين، حصارِ بيروت وحصارِ جنين؛ لقد مات كما يموت أبطال الميثولوجيا.
إنّ الجسد العربي مصابٌ بنزلة هزيمة مزمنة، وهو في أمسّ الحاجة إلى لقاحٍ من نوع "أبو جندل".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.