محكمة الاستئناف في طنجة تفتتح السنة القضائية الجديدة وتكشف حصيلة 2025    محمد المهدي بنسعيد ينفي الاتهامات الخطيرة وغير المسبوقة الموجهة إلى شخصه والمرتبطة بملف معروض على أنظار القضاء    عامل إنزكان أيت ملول يلجأ للقضاء الإداري لعزل خمسة منتخبين بسبب تنازع المصالح    مجلس الشراكة المغرب-الاتحاد الأوروبي.. افتتاح الدورة ال15 اليوم الخميس ببروكسيل    السعدي: الاقتصاد الاجتماعي والتضامني أحدث أزيد من 24 ألف منصب شغل خلال 2025    المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى اعتماد اقتصاد رعاية مندمج ضمن الاستراتيجيات القطاعية والترابية    الملك محمد السادس يطلع على تقدم سير العمل بمشروع المركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط    "تويوتا" تحتفظ بلقب أعلى شركات السيارات مبيعا في 2025    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    بورصة البيضاء .. أداء إيجابي في تداولات الافتتاح    "مايكروسوفت" تتخطى التوقعات بإيرادات بلغت 81.3 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025    فيتنام وأوروبا يرقيان التعاون التجاري    العدوان الامبريالي على فنزويلا    الاتحاد الصيني لكرة القدم يدين الفساد    من العبور الهادئ إلى الملحق الملتهب.. خريطة دوري أبطال أوروبا بعد الجولة الأخيرة            وزارة التربية الوطنية تصادق على الدليل المرجعي لعلامة "مؤسسة الريادة"    المئات يستفيدون من "رعاية ورزازات"    السلطات تدعو ساكنة القصر الكبير إلى اليقظة وتجنب ضفاف الوديان    توقعات أحوال الطقس لليوم الخميس    كيوسك الخميس | التجربة الأمنية الاستخباراتية المغربية تستقطب شراكات دولية    فرنسا تمهد لتسليم قطع فنية وتراثية منهوبة    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        الكاف تصدر قرارها بخصوص احداث مقابلة المغرب والسنغال    المداخيل الجمركية بالمغرب تتجاوز 100 مليار درهم بنهاية 2025    صادم.. على عكس المتوقع الكاف تُصدر عقوبات غير منصفة في حق المغرب    الجيش الملكي يودّع نصف نهائي كأس أبطال السيدات بخسارة ثقيلة أمام أرسنال    كأس أمم إفريقيا بالمغرب تحطم أرقاماً قياسية رقمية وتتجاوز 6 مليارات مشاهدة    فرنسا.. مجلس الشيوخ يقر قانونا لإعادة قطع فنية وتراثية تعود للحقبة الاستعمارية إلى دولها الأصلية        بعد انجراف للتربة.. تدخلات ميدانية تعيد فتح طريق كورنيش مرقالة بطنجة    6 مليارات مشاهدة تُكرّس نسخة المغرب الأكثر متابعة في تاريخ كأس أمم إفريقيا    بعد تهديدات ترامب لإيران.. وزير الخارجية التركي يؤكد إستعداد طهران لإجراء محادثات حول برنامجها النووي    رد قانوني حازم من المغرب على اتهامات رئيس الاتحاد السنغالي لكرة القدم    سلطات مقريصات تتدخل بشكل عاجل عقب انهيار صخري بالطريق المؤدية إلى وزان    الناظور غرب المتوسط.. ركيزة جديدة للأمن الطاقي وسيادة الغاز بالمغرب    عالم جديد…شرق أوسط جديد    المال العام تحت سلطة التغول الحزبي: دعوة للمساءلة    التشكيلية المغربية كنزة العاقل ل «الاتحاد الاشتراكي» .. أبحث عن ذاتي الفنية خارج الإطار والنمطية والفن بحث دائم عن المعنى والحرية    إنزكان تختتم الدورة الأولى لمهرجان أسايس نايت القايد في أجواء احتفالية كبرى    المهرجان الوطني للشعر المغربي الحديث بشفشاون .. كيف يصاغ سؤال الهوية الشعرية وغنى المتخيل داخل الاختلاف    الأدب الذي لا يحتاج قارئا    بيت مال القدس يدعم صمود 120 عائلة    إفران تستضيف الدورة ال27 من مهرجان الأرز العالمي للفيلم القصير    الحاجة إلى التربية الإعلامية لمواجهة فساد العوالم الرقمية    الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية مع بوتين والوضع في الشرق الأوسط        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    كمين يسلب حياة عسكريين في نيجيريا    بحث يفسر ضعف التركيز بسبب قلة النوم في الليل    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    محدودية "المثبّطات" وبطء الترخيص يعيقان العلاجات الدموية المبتكرة بالمغرب    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المغرب بعد لبنان في موجة الانتفاضات.. وهذا هو الحل
نشر في لكم يوم 22 - 10 - 2019

يُعتبر ‬الوضع ‬الطائفي ‬بلبنان، ‬وتسييسه، ‬سبب ‬تعثر ‬حركة ‬المجتمع ‬المدني، ‬وهنالك ‬من ‬كان ‬يرى ‬أن ‬اللبنانيين ‬مستعدين ‬للخروج ‬إلى ‬الشارع ‬بالآلاف ‬إذا ‬ما ‬مُسّ ‬زعيم ‬طائفة، ‬في ‬حين ‬أن ‬الاحتجاج ‬من ‬أجل ‬مطالب ‬مادية ‬أو ‬معنوية ‬تخص ‬المواطن ‬غير ‬واردة ‬بتاتا ‬في ‬تفكير ‬اللبناني.‬
يُقال ‬ان ‬اللبنانيين ‬أكثر ‬الشعوب ‬العربية ‬حبا ‬للحياة ‬وتمسكا ‬بالمرح، ‬وذلك ‬بسبب ‬سنوات ‬من ‬المعاناة ‬من ‬الحرب ‬الأهلية، ‬هذه ‬الحقيقة، ‬اليوم، ‬تبدو ‬غير ‬ذلك. ‬والأمر ‬هنا ‬لا ‬يقتصر ‬على ‬لبنان، ‬فحتى ‬الجزائريين ‬الذين ‬بدورهم ‬عانوا ‬من ‬حرب ‬أهلية ‬توشحّت ‬فيها ‬البلاد ‬السواد ‬لعقد ‬من ‬الزمن، ‬ظلوا ‬دائما ‬في ‬تحليلات ‬خبراء ‬السياسات، ‬بعيدين ‬عن ‬خلق ‬حركة ‬احتجاجية، ‬على ‬عكس ‬التونسيين ‬والمغاربة ‬والمصريين، ‬مثلا، ‬الذين ‬يملكون ‬تاريخا ‬طويلا ‬من ‬العمل ‬النقابي ‬والتنظيمات ‬السياسية ‬المعارضة ‬للنظام.‬
خروج ‬اللبنانيين ‬اليوم ‬إلى ‬الشارع ‬في ‬انتفاضة، ‬قد ‬تهدأ ‬فجأة ‬وقد ‬تستمر، ‬وقد ‬تتخذ ‬شكل ‬حراك ‬منظم ‬متواصل، ‬مما ‬سينهك، ‬إذا ‬حدث، ‬قدرات ‬الدولة ‬أمنيا ‬واقتصاديا، ‬جاء ‬احتجاجا ‬على ‬ضرائب ‬أنهكت ‬كاهل ‬المواطن، ‬ولم ‬تكن ‬حلقة ‬"الوات ‬ساب" ‬إلا ‬سببا ‬صغيرا ‬تحول ‬إلى ‬حدث ‬كبير.‬
الوضع ‬الاجتماعي ‬في ‬لبنان ‬قريب ‬إلى ‬حد ‬كبير ‬من ‬نظيره ‬في ‬المغرب. ‬فأهم ‬سمات ‬هذا ‬الوضع ‬هي ‬انتشار ‬الفساد ‬المالي ‬والإداري ‬بشكل ‬رهيب، ‬وهو ‬ما ‬تكشفه، ‬أيضا ‬في ‬المغرب، ‬التقارير ‬المختصة ‬والتي ‬تحذر ‬في ‬كل ‬مرة ‬من ‬تزايده، ‬ينضاف ‬إلى ‬ذلك ‬ارتفاع ‬الضرائب ‬مقابل ‬التضخم ‬في ‬الأسعار، ‬ما ‬يجعل ‬المواطن ‬أشبه ‬بقنبلة ‬موقوتة ‬قابلة ‬للانفجار ‬في ‬أي ‬لحظة.‬
الوضع ‬السياسي ‬في ‬لبنان، ‬لا ‬يعاني ‬من ‬التحكم ‬عكس ‬المغرب، ‬فالبلد ‬يعيش ‬حياة ‬سياسية ‬صاخبة، ‬حيث ‬يستطيع ‬الجميع ‬التعبير ‬عن ‬رأيه ‬واتخاذ ‬القرار ‬بكل ‬استقلالية ‬عندما ‬يتولى ‬السلطة، ‬لكن ‬في ‬المقابل ‬يركز ‬النظام ‬الطائفي ‬السلطة ‬لدى ‬الاحزاب ‬وزعاماتها ‬على ‬حساب ‬إضعاف ‬هيبة ‬الدولة ‬التي ‬تستمدها ‬من ‬القانون ‬والمؤسسات، ‬مقابل ‬ذلك ‬لازال ‬يعيش ‬المغرب ‬في ‬ظل ‬تحكم ‬يكرسه ‬نظام ‬المخزن ‬الذي ‬ما ‬يزال ‬يحافظ ‬على ‬نفسه ‬كسلطة ‬فوق ‬جميع ‬السلط ‬باعتباره ‬أبو ‬السلط، ‬والذي ‬تمتد ‬توجيهاته ‬لتشمل ‬حتى ‬الأحزاب.‬
مفاجأة ‬2019 ‬جاءت ‬من ‬الجزائر ‬ولبنان. ‬الجزائر ‬التي ‬كانت ‬تظهر ‬في ‬أعين ‬المحللين ‬والمتتبعين ‬أنها ‬غير ‬مؤهلة ‬لقيادة ‬حراك ‬بتنظيم ‬محكم، ‬والتي ‬عانت ‬من ‬حكم ‬العائلة ‬والحزب ‬"الوحيد" ‬وهيمنة ‬عسكرية ‬على ‬الاقتصاد ‬الحكومي، ‬ولبنان ‬الذي ‬بدوره ‬ظل ‬مستبعدا ‬من ‬قائمة ‬الشعوب ‬العربية ‬المستعدة ‬للانتفاض، ‬والذي ‬تتحكم ‬في ‬كل ‬كبيرة ‬وصغيرة ‬فيه، ‬الأنظمة ‬الطائفية ‬التي ‬اتخذت ‬شكلا ‬اقطاعيا ‬امتدت ‬سلطتها ‬على ‬المجال ‬الترابي ‬والمناطق، ‬والتي ‬تشكل ‬بحد ‬ذاتها ‬ما ‬يشبه ‬دويلات ‬داخل ‬الدولة ‬الواحدة، ‬والتي ‬تتدخل ‬حتى ‬في ‬الاختيارات ‬جد ‬الشخصية ‬للبنانيين، ‬كالزواج ‬وأسماء ‬المواليد.‬
المغرب ‬وتونس، ‬بلدان ‬اختارا ‬احداث ‬إصلاحات ‬انطلقت ‬مع ‬2011، ‬على ‬خلفية ‬احتجاجات ‬تسببت ‬في ‬إسقاط ‬حكم ‬زين ‬العابدين ‬بن ‬علي ‬الرئيس ‬التونسي ‬الأسبق، ‬ودفعت ‬مثيلتُها ‬في ‬المغرب ‬الى ‬إلغاء ‬ولاية ‬الحكومة ‬قبل ‬نهايتها ‬وتعديل ‬الدستور ‬وانتخابات ‬فُتحت ‬في ‬وجه ‬الجميع ‬دون ‬تدخل ‬من ‬السلطات.‬
اليوم، ‬تنطلق ‬موجة ‬احتجاجات ‬جديدة ‬ضربت ‬السودان ‬والجزائر ‬ومصر ‬وحاليا ‬تضرب ‬لبنان، ‬واللاعب ‬الأبرز ‬فيها ‬هو ‬وسائل ‬التواصل ‬الاجتماعي، ‬التي ‬بدروها ‬شهدت ‬تطورا، ‬وتنامت ‬شعبيتها ‬منذ ‬2011، ‬كما ‬تطورت ‬أساليب ‬الاحتجاج ‬وأشكال ‬الحشد ‬بالموازاة ‬مع ‬تطور ‬الأوضاع ‬الاجتماعية ‬في ‬عدد ‬من ‬البلدان ‬التي ‬كانت ‬شملتها ‬حركات ‬الاحتجاج ‬السلمي ‬في ‬ما ‬سمي ‬الربيع ‬العربي، ‬ونجت ‬من ‬الصراعات ‬المسلحة، ‬وهو ‬تطور ‬كان ‬في ‬مجمله ‬سلبيا ‬على ‬مستوى ‬المعيشة، ‬إذ ‬مقابل ‬ارتفاع ‬مستوى ‬الأسعار، ‬لم ‬تعرف ‬هذه ‬السنوات ‬التسع ‬أي ‬تحسن ‬يذكر ‬في ‬القدرة ‬الشرائية ‬للمواطن، ‬فيما ‬تحققت ‬إصلاحات ‬همت ‬حرية ‬التعبير، ‬في ‬المغرب، ‬وهذا ‬إن ‬بدى ‬إيجابيا ‬بالنسبة ‬للمواطن، ‬فإنه ‬مقابل ‬ذلك ‬يحمل ‬تحديات ‬للدولة. ‬فالمغرب ‬قبل ‬2011 ‬كان ‬مسكونا ‬بالهواجس ‬الأمنية ‬المترتبة ‬عن ‬سنوات ‬من ‬حكم ‬الاستبداد ‬في ‬عهد ‬الحسن ‬الثاني، ‬إلا ‬أنه ‬استطاع ‬التحرر ‬منها ‬في ‬خضم ‬الانتفاضة ‬الشعبية ‬في ‬‮2011‬، ‬وهذا ‬ما ‬يدعم ‬فرضية ‬تشكل ‬حركة ‬احتجاجية ‬في ‬الشارع ‬المغربي ‬في ‬أي ‬لحظة ‬وبشكل ‬غير ‬متوقع، ‬ومع ‬غياب ‬حلول ‬بديلة، ‬أو ‬تسويات ‬سياسية ‬كالتي ‬حدثت ‬في ‬2011، ‬بتعديل ‬دستوري ‬لم ‬يمس ‬جذريا ‬اختصاصات ‬الملك، ‬وفتح ‬الباب ‬للإسلاميين ‬لأول ‬مرة ‬لدخول ‬الحكومة، ‬فإن ‬مثل ‬هذه ‬الحلول ‬لن ‬تكون ‬ذات ‬تأثير ‬على ‬الوضع ‬المغربي ‬في ‬الوقت ‬الراهن، ‬في ‬حال ‬وقوع ‬تحركات ‬احتجاجية ‬كالتي ‬تشهدها ‬حاليا ‬البلدان ‬سالفة ‬الذكر.‬
لا ‬ننكر ‬أن ‬دستور ‬2011 ‬جاء ‬متقدما ‬وفتح ‬المجال ‬لإصلاحات ‬هامة، ‬غير ‬أن ‬الثابت ‬أن ‬الخلافات ‬التي ‬نعيشها ‬يوميا ‬في ‬مسار ‬المخاضات ‬الحكومية ‬المتواصلة ‬منذ ‬أول ‬حكومة ‬في ‬عهد ‬الدستور ‬الحالي، ‬هي ‬نتيجة ‬الباب ‬الثالث ‬في ‬الدستور ‬المتعلق ‬باختصاصات ‬الملك ‬ورئيس ‬الحكومة. ‬لقد ‬أثبتت ‬الفترة ‬التي ‬قضاها ‬كل ‬من ‬رئيس ‬الحكومة ‬السابق ‬عبد ‬الإله ‬بن ‬كيران ‬والحالي ‬سعد ‬الدين ‬العثماني، ‬أن ‬التعايش ‬سياسيا ‬في ‬ظل ‬اختصاصات ‬متداخلة ‬غير ‬ممكن، ‬لذلك ‬اختار ‬الحزب ‬الإسلامي ‬أن ‬يضحي ‬برأس ‬زعيمه. ‬القرار ‬الذي ‬كانت ‬له ‬تكلفة ‬كبيرة ‬على ‬الحزب، ‬وبعدما ‬مارس ‬المعارضة، ‬أو ‬لنقل ‬التمرد ‬على ‬وضع ‬غير ‬طبيعي ‬سماه ‬بن ‬كيران ‬ب"التحكم" ‬نصحو ‬اليوم ‬على ‬ما ‬سمي ‬"حكومة ‬كفاءات" ‬هي ‬في ‬الواقع ‬صورة ‬مضبوطة ‬الألوان ‬عن ‬واقع ‬الاحزاب ‬في ‬المغرب، ‬تؤكد ‬أن ‬مصير ‬كل ‬حزب ‬أراد ‬التمسك ‬ولو ‬بجزء ‬ضئيل ‬من ‬مواقفه، ‬إلى ‬حلبة ‬الترويض ‬و"إعادة ‬التأهيل" ‬وبنفس ‬المنهجية ‬كسرت ‬السلطة ‬على ‬مدى ‬سنوات، ‬منذ ‬الاستقلال، ‬كل ‬المحاولات ‬لبناء ‬عمل ‬سياسي ‬جاد.‬
المغرب ‬ضيع ‬حوالي ‬عشر ‬سنوات، ‬كان ‬بالإمكان ‬توظيفها ‬في ‬محاربة ‬الفساد ‬المالي ‬والإداري ‬الذي ‬هو ‬العائق ‬الأول ‬والأهم ‬في ‬مسار ‬التنمية، ‬كما ‬كان ‬بالإمكان ‬الاستفادة ‬من ‬هذه ‬الفترة ‬في ‬بناء ‬دعائم ‬عمل ‬سياسي ‬مستقل ‬عن ‬أي ‬تدخلات ‬من ‬الجهات ‬النافذة ‬والأطراف ‬الموازية ‬للحكومة.‬
الإشكالية ‬في ‬المغرب، ‬ليست ‬في ‬الأحزاب، ‬وإنما ‬في ‬تدخل ‬السلطات ‬العليا، ‬في ‬العمل ‬السياسي ‬خاصة ‬الحزبي، ‬وتداخل ‬الاختصاصَات ‬بين ‬رئيس ‬الحكومة ‬والملك، ‬وهنا ‬يطرح ‬الباب ‬الثالث ‬في ‬الدستور ‬أو ‬ما ‬يعرف ‬بباب ‬الحكم، ‬نفسه، ‬كمعيق ‬لتقدم ‬الملكية ‬نحو ‬مزيد ‬من ‬التطور، ‬والتحول ‬من ‬ملكية ‬تنفيذية ‬تتداخل ‬مهامها ‬مع ‬الجهاز ‬التنفيذي، ‬إلى ‬ملكية ‬أكثر ‬سموا ‬ورفعة ‬عن ‬ساحة ‬الممارسة ‬السياسية، ‬والعمل ‬اليومي ‬للحكومة ‬التي ‬تتحمل ‬المسئولية ‬المباشرة ‬عن ‬إدارة ‬جميع ‬القطاعات.‬
نحتاج ‬اليوم، ‬وفي ‬ظل ‬تحولات ‬إقليمية ‬متسارعة ‬ومؤثرة، ‬ووضع ‬محلي ‬يغلب ‬عليه ‬الاحباط ‬على ‬المستوى ‬الشعبي، ‬وفقدان ‬الأمل ‬في ‬تحسن ‬الأوضاع، ‬وفقدان ‬الثقة ‬في ‬مؤسسات ‬الدولة ‬وفي ‬المؤسسات ‬السياسة، ‬كآلية ‬للتغيير ‬الفعلي، ‬لتجاوز ‬أزمة ‬الانسداد ‬التي ‬يعرفها ‬المغرب، ‬إلى ‬تعديل ‬على ‬الباب ‬الثالث ‬من ‬الدستور، ‬يحدد ‬اختصاصات ‬الملك ‬في ‬الجوانب ‬العليا ‬كالأمن ‬القومي ‬للبلاد، ‬والحفاظ ‬على ‬استمرارية ‬العلاقات ‬الخارجية ‬كضمانة ‬لها ‬للنأي ‬بها ‬عن ‬التحولات ‬السياسية ‬الداخلية، ‬وممارسة ‬باقي ‬الاختصاصَات ‬التي ‬رغم ‬رمزيتها ‬فإن ‬لها ‬أهمية ‬كبيرة ‬في ‬حفظ ‬التوازنات ‬بين ‬المؤسسات ‬الادارية ‬والمنتخبة ‬والأفرقاء ‬السياسيين.. ‬يجب ‬القطع ‬مع ‬عمل ‬المجلس ‬الحكومي ‬وإلغائه ‬في ‬الدستور، ‬لتجاوز ‬ازدواجية ‬ما ‬يعرف ‬ب"الخطوط ‬العريضة" ‬التي ‬تجعل ‬منه ‬مؤسسة ‬تابعة ‬للمجلس ‬الوزاري ‬الذي ‬يرأسه ‬الملك ‬وفيه ‬يعطي ‬التوجيهات ‬ويرسم ‬الخطوط ‬العريضة ‬لكي ‬تناقشها ‬الحكومة ‬بعد ‬ذلك ‬في ‬المجالس ‬الحكومية، ‬في ‬حين ‬يستوجب ‬التغيير، ‬الانتقال ‬من ‬هذا ‬الوضع ‬البيروقراطي ‬إلى ‬وضعية ‬أكثر ‬مرونة ‬تمر ‬عبر ‬تحويل ‬اختصاص ‬المجلس ‬الوزاري ‬إلى ‬رئيس ‬الحكومة، ‬كنوع ‬من ‬الترقية ‬إلى ‬رئاسة ‬مجلس ‬الوزراء، ‬الذي ‬يعطي ‬رئيس ‬الوزراء ‬صلاحيات ‬واسعة ‬مستقلة ‬عن ‬أي ‬تدخلات، ‬لممارسة ‬سلطة ‬الرقابة ‬والتوجيه ‬والمحاسبة ‬على ‬فريقه ‬الوزاري، ‬ما ‬يجعل ‬الحكومة ‬محصنة ‬بضمانة ‬سياسية ‬يتحمل ‬مسؤوليتها ‬رئيس ‬الحكومة، ‬ويكون ‬هو ‬الضامن ‬لمزاولة ‬هؤلاء ‬الوزراء ‬مهامهم ‬على ‬نحو ‬يمنحهم ‬الاستقلالية ‬والقدرة ‬على ‬اتخاذ ‬القرارات ‬المناسبة.‬
إن ‬أهم ‬عائق ‬أمام ‬تعميم ‬مخططات ‬التنمية ‬لتشمل ‬جميع ‬الشرائح ‬والمناطق ‬والقرى ‬والبلدات، ‬هو ‬الفساد ‬في ‬مستوياته ‬الادارية ‬والمالية، ‬ولن ‬تتأتى ‬محاربته، ‬إلا ‬إذا ‬تم ‬تفعيل ‬سياسة ‬ناجعة ‬تتجاوز ‬منطق ‬الحملات ‬التصحيحية ‬أو ‬التطهيرية ‬الموسمية، ‬وهذا ‬لا ‬يمكن ‬له ‬أن ‬يحدث ‬إلا ‬تحت ‬مسئولية ‬حكومة ‬تتمتع ‬بكامل ‬ضمانات ‬الاستقلالية ‬وعبر ‬رئيس ‬مجلس ‬وزراء ‬كامل ‬الصلاحيات.‬
النقطة ‬المثيرة ‬في ‬دستور ‬‮2011‬، ‬إن ‬لم ‬نقل، ‬الركن ‬العجيب ‬في ‬هذا ‬النص، ‬هو ‬ما ‬جاء ‬به ‬الفصل ‬الخامس، ‬الذي ‬شرّع ‬الأبواب ‬نحو ‬مأسسة ‬منظومة ‬طائفية ‬لم ‬يكن ‬لها ‬أثر ‬يذكر ‬على ‬مستوى ‬القاعدة ‬الشعبية، ‬إلا ‬بعد ‬ظهور ‬مصطلحات ‬وتعبيرات ‬غريبة، ‬لا ‬تتماشى ‬مع ‬فلسفة ‬الدساتير ‬الحديثة، ‬ونخص ‬بالذكر، ‬ما ‬جاء ‬في ‬المقدمة، ‬عن ‬الهويات ‬القطرية ‬التي ‬ابتدعها ‬أشخاص ‬اختصاصهم ‬الفقه ‬الدستوري ‬لا ‬علم ‬الاجتماع ‬أو ‬الأنثروبولوجيا، ‬فنشأت ‬عنه ‬عبارات ‬انشائية ‬كانصهار ‬الهوية ‬العربية ‬الإسلامية ‬والأمازيغية، ‬كما ‬كرّس ‬مفهوم ‬الانقسام ‬اللغوي، ‬مثلما ‬تبنى ‬رسميا ‬هويات ‬طائفية ‬كالتي ‬سماها ‬بالروافد ‬الأندلسية ‬والعبرية ‬والحسانية ‬والأفريقية ‬والمتوسطية، ‬إضافة ‬إلى ‬الوصفة ‬الرومنطيقية ‬التي ‬تحدث ‬عبرها ‬عما ‬أسماه ‬حماية ‬اللهجات ‬والتعبيرات ‬اللسنية.‬
هذا ‬الفصل ‬كان ‬كافيا ‬لإثارة ‬نزعة ‬طائفية ‬امتدت ‬إلى ‬المؤسسات ‬الحزبية ‬والإدارية، ‬فأصبحنا ‬أمام ‬نموذج ‬"لبننة" ‬المشهد ‬السياسي ‬في ‬المغرب، ‬ويأتي ‬هذا ‬الحديث ‬على ‬إيقاع ‬ما ‬يرفعه ‬الكثير ‬من ‬اللبنانيين ‬اليوم ‬في ‬انتفاضتهم ‬المباركة ‬من ‬شعارات ‬تكيل ‬التهم ‬للنظام ‬الطائفي ‬للأحزاب، ‬الذي ‬أنتج ‬نظام ‬المحاصصة ‬الذي ‬هو ‬العصا ‬الموضوع ‬في ‬عجلة ‬التطور ‬والتنمية ‬الاجتماعية.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.