مقاييس الأمطار بالمغرب في 24 ساعة    صلاة وفرحة عيد الفطر في هولندا: مناسبة تجمع أفراد الجالية المغربية    تعليق الرحلات البحرية بين طريفة وطنجة    الملك محمد السادس يؤدي صلاة عيد الفطر في الرباط ويتقبل التهاني    نشرة إنذارية: زخات رعدية ورياح قوية مرتقبة بعدد من مناطق المغرب    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت        سحب دواء موجه لحديثي الولادة بالمغرب    إحباط تهريب أزيد من 3.9 أطنان من الشيرا بميناء طنجة المتوسط    خبراء يحذرون من "صدمة الجسم" ويدعون لانتقال غذائي تدريجي بعد رمضان    الأولى منذ 59 عاماً.. إسرائيل تمنع صلاة العيد في المسجد الأقصى    تحذيرات أمنية لكأس العالم وتأخر التمويل يربك استعدادات الولايات المتحدة    المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تندد بتضييق السلطات الجزائرية على جمعية عائلات المفقودين وتدعو إلى رفع القيود    طنجة المتوسط.. إحباط محاولة للتهريب الدولي للمخدرات وحجز ثلاثة أطنان و932 كيلوغراما من الشيرا كانت في تجاويف مجسمات للسمك المبرد    زوجة ولي عهد النرويج: إبستين خدعني    جلالة الملك يصدر عفوه السامي على 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر السعيد    إسبانيا تخفّض ضريبة الوقود والكهرباء    إسرائيل وإيران ترفعان وتيرة الهجمات وسط اضطراب في أسواق الطاقة    توقيف جندي إسرائيلي بشبهة التجسس    تراجع أسعار النفط بفعل تحركات غربية    الصين: علماء يزرعون جزيرات البنكرياس المستخلصة من الخلايا الجذعية لعلاج داء السكري من النوع الأول    الاتحاد الأوروبي يقترح خفض الضرائب على الكهرباء لمواجهة صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب    سريلانكا ترفض طلبا أمريكيا لاستخدام أراضيها في الحرب على إيران    أمرابط والزلزولي يتألقان مع بيتيس        بايتاس: الدعم الاستثنائي للنقل موجه لحماية القدرة الشرائية للمواطنين        بايتاس: دعم مهنيي النقل موجّه للمواطنين لأنه يضمن استقرار أسعار السلع والخدمات    مطار مراكش المنارة يتوج بجائزة أفضل مطار جهوي في إفريقيا    الانتماء بعد الحدود    الملك يعفو عن 1201 شخصا بمناسبة عيد الفطر    السردية الوطنية في النقاش العمومي    الاتحاد السنغالي للكرة: استلمنا الكأس والميداليات.. والتتويج "قضية مغلقة"    محمد وهبي يغير جلد المنتخب الوطني ويؤكد فتح صفحة جديدة    رحيل أبي العزم .. "صانع المعاجم" وازن بين البحث العلمي والعمل السياسي    موتسيبي ينفي المعاملة التفضيلية ويعتبر قرارات الهيئات القضائية للكاف عادلة ونزيهة    حَنَّ    حجز وإتلاف 602 طنا من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال رمضان    الحكومة تصادق على ثلاثة مراسيم جديدة تهم القطاع الصحي    الأحمر يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    عابر كلمات.. "سيرة الألم من الذات إلى العالم"    أسعار النفط تقارب 120 دولارا للبرميل مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واستهداف منشآت الطاقة    السُّكَّرِيّ: العِبْءُ النَّفْسِيُّ لِمَرَضٍ لا يَمْنَحُ مَرِيضَهُ أَيَّ اسْتِرَاحَةٍ    صيادلة المغرب يرفضون توصيات مجلس المنافسة ويحذرون من "خوصصة مقنّعة" للقطاع    لجنة البطاقة الفنية تنهي دراسة الطلبات المودعة الى غاية 31 دجنبر الماضي    ليالي أوروبية مشتعلة ترسم ملامح الكبار.. قمم نارية تشتعل في ربع نهائي دوري الأبطال            ظل الأفعى    قصف "المركز الثقافي للكتاب ببيروت"    رسميا.. تحديد مقدار زكاة الفطر بالمغرب لهذه السنة    كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك خلال الصيام؟    دراسة: الإفراط في الأطعمة فائقة المعالجة يهدد صحة العظام    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح    لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المغرب بعد لبنان في موجة الانتفاضات.. وهذا هو الحل
نشر في لكم يوم 22 - 10 - 2019

يُعتبر ‬الوضع ‬الطائفي ‬بلبنان، ‬وتسييسه، ‬سبب ‬تعثر ‬حركة ‬المجتمع ‬المدني، ‬وهنالك ‬من ‬كان ‬يرى ‬أن ‬اللبنانيين ‬مستعدين ‬للخروج ‬إلى ‬الشارع ‬بالآلاف ‬إذا ‬ما ‬مُسّ ‬زعيم ‬طائفة، ‬في ‬حين ‬أن ‬الاحتجاج ‬من ‬أجل ‬مطالب ‬مادية ‬أو ‬معنوية ‬تخص ‬المواطن ‬غير ‬واردة ‬بتاتا ‬في ‬تفكير ‬اللبناني.‬
يُقال ‬ان ‬اللبنانيين ‬أكثر ‬الشعوب ‬العربية ‬حبا ‬للحياة ‬وتمسكا ‬بالمرح، ‬وذلك ‬بسبب ‬سنوات ‬من ‬المعاناة ‬من ‬الحرب ‬الأهلية، ‬هذه ‬الحقيقة، ‬اليوم، ‬تبدو ‬غير ‬ذلك. ‬والأمر ‬هنا ‬لا ‬يقتصر ‬على ‬لبنان، ‬فحتى ‬الجزائريين ‬الذين ‬بدورهم ‬عانوا ‬من ‬حرب ‬أهلية ‬توشحّت ‬فيها ‬البلاد ‬السواد ‬لعقد ‬من ‬الزمن، ‬ظلوا ‬دائما ‬في ‬تحليلات ‬خبراء ‬السياسات، ‬بعيدين ‬عن ‬خلق ‬حركة ‬احتجاجية، ‬على ‬عكس ‬التونسيين ‬والمغاربة ‬والمصريين، ‬مثلا، ‬الذين ‬يملكون ‬تاريخا ‬طويلا ‬من ‬العمل ‬النقابي ‬والتنظيمات ‬السياسية ‬المعارضة ‬للنظام.‬
خروج ‬اللبنانيين ‬اليوم ‬إلى ‬الشارع ‬في ‬انتفاضة، ‬قد ‬تهدأ ‬فجأة ‬وقد ‬تستمر، ‬وقد ‬تتخذ ‬شكل ‬حراك ‬منظم ‬متواصل، ‬مما ‬سينهك، ‬إذا ‬حدث، ‬قدرات ‬الدولة ‬أمنيا ‬واقتصاديا، ‬جاء ‬احتجاجا ‬على ‬ضرائب ‬أنهكت ‬كاهل ‬المواطن، ‬ولم ‬تكن ‬حلقة ‬"الوات ‬ساب" ‬إلا ‬سببا ‬صغيرا ‬تحول ‬إلى ‬حدث ‬كبير.‬
الوضع ‬الاجتماعي ‬في ‬لبنان ‬قريب ‬إلى ‬حد ‬كبير ‬من ‬نظيره ‬في ‬المغرب. ‬فأهم ‬سمات ‬هذا ‬الوضع ‬هي ‬انتشار ‬الفساد ‬المالي ‬والإداري ‬بشكل ‬رهيب، ‬وهو ‬ما ‬تكشفه، ‬أيضا ‬في ‬المغرب، ‬التقارير ‬المختصة ‬والتي ‬تحذر ‬في ‬كل ‬مرة ‬من ‬تزايده، ‬ينضاف ‬إلى ‬ذلك ‬ارتفاع ‬الضرائب ‬مقابل ‬التضخم ‬في ‬الأسعار، ‬ما ‬يجعل ‬المواطن ‬أشبه ‬بقنبلة ‬موقوتة ‬قابلة ‬للانفجار ‬في ‬أي ‬لحظة.‬
الوضع ‬السياسي ‬في ‬لبنان، ‬لا ‬يعاني ‬من ‬التحكم ‬عكس ‬المغرب، ‬فالبلد ‬يعيش ‬حياة ‬سياسية ‬صاخبة، ‬حيث ‬يستطيع ‬الجميع ‬التعبير ‬عن ‬رأيه ‬واتخاذ ‬القرار ‬بكل ‬استقلالية ‬عندما ‬يتولى ‬السلطة، ‬لكن ‬في ‬المقابل ‬يركز ‬النظام ‬الطائفي ‬السلطة ‬لدى ‬الاحزاب ‬وزعاماتها ‬على ‬حساب ‬إضعاف ‬هيبة ‬الدولة ‬التي ‬تستمدها ‬من ‬القانون ‬والمؤسسات، ‬مقابل ‬ذلك ‬لازال ‬يعيش ‬المغرب ‬في ‬ظل ‬تحكم ‬يكرسه ‬نظام ‬المخزن ‬الذي ‬ما ‬يزال ‬يحافظ ‬على ‬نفسه ‬كسلطة ‬فوق ‬جميع ‬السلط ‬باعتباره ‬أبو ‬السلط، ‬والذي ‬تمتد ‬توجيهاته ‬لتشمل ‬حتى ‬الأحزاب.‬
مفاجأة ‬2019 ‬جاءت ‬من ‬الجزائر ‬ولبنان. ‬الجزائر ‬التي ‬كانت ‬تظهر ‬في ‬أعين ‬المحللين ‬والمتتبعين ‬أنها ‬غير ‬مؤهلة ‬لقيادة ‬حراك ‬بتنظيم ‬محكم، ‬والتي ‬عانت ‬من ‬حكم ‬العائلة ‬والحزب ‬"الوحيد" ‬وهيمنة ‬عسكرية ‬على ‬الاقتصاد ‬الحكومي، ‬ولبنان ‬الذي ‬بدوره ‬ظل ‬مستبعدا ‬من ‬قائمة ‬الشعوب ‬العربية ‬المستعدة ‬للانتفاض، ‬والذي ‬تتحكم ‬في ‬كل ‬كبيرة ‬وصغيرة ‬فيه، ‬الأنظمة ‬الطائفية ‬التي ‬اتخذت ‬شكلا ‬اقطاعيا ‬امتدت ‬سلطتها ‬على ‬المجال ‬الترابي ‬والمناطق، ‬والتي ‬تشكل ‬بحد ‬ذاتها ‬ما ‬يشبه ‬دويلات ‬داخل ‬الدولة ‬الواحدة، ‬والتي ‬تتدخل ‬حتى ‬في ‬الاختيارات ‬جد ‬الشخصية ‬للبنانيين، ‬كالزواج ‬وأسماء ‬المواليد.‬
المغرب ‬وتونس، ‬بلدان ‬اختارا ‬احداث ‬إصلاحات ‬انطلقت ‬مع ‬2011، ‬على ‬خلفية ‬احتجاجات ‬تسببت ‬في ‬إسقاط ‬حكم ‬زين ‬العابدين ‬بن ‬علي ‬الرئيس ‬التونسي ‬الأسبق، ‬ودفعت ‬مثيلتُها ‬في ‬المغرب ‬الى ‬إلغاء ‬ولاية ‬الحكومة ‬قبل ‬نهايتها ‬وتعديل ‬الدستور ‬وانتخابات ‬فُتحت ‬في ‬وجه ‬الجميع ‬دون ‬تدخل ‬من ‬السلطات.‬
اليوم، ‬تنطلق ‬موجة ‬احتجاجات ‬جديدة ‬ضربت ‬السودان ‬والجزائر ‬ومصر ‬وحاليا ‬تضرب ‬لبنان، ‬واللاعب ‬الأبرز ‬فيها ‬هو ‬وسائل ‬التواصل ‬الاجتماعي، ‬التي ‬بدروها ‬شهدت ‬تطورا، ‬وتنامت ‬شعبيتها ‬منذ ‬2011، ‬كما ‬تطورت ‬أساليب ‬الاحتجاج ‬وأشكال ‬الحشد ‬بالموازاة ‬مع ‬تطور ‬الأوضاع ‬الاجتماعية ‬في ‬عدد ‬من ‬البلدان ‬التي ‬كانت ‬شملتها ‬حركات ‬الاحتجاج ‬السلمي ‬في ‬ما ‬سمي ‬الربيع ‬العربي، ‬ونجت ‬من ‬الصراعات ‬المسلحة، ‬وهو ‬تطور ‬كان ‬في ‬مجمله ‬سلبيا ‬على ‬مستوى ‬المعيشة، ‬إذ ‬مقابل ‬ارتفاع ‬مستوى ‬الأسعار، ‬لم ‬تعرف ‬هذه ‬السنوات ‬التسع ‬أي ‬تحسن ‬يذكر ‬في ‬القدرة ‬الشرائية ‬للمواطن، ‬فيما ‬تحققت ‬إصلاحات ‬همت ‬حرية ‬التعبير، ‬في ‬المغرب، ‬وهذا ‬إن ‬بدى ‬إيجابيا ‬بالنسبة ‬للمواطن، ‬فإنه ‬مقابل ‬ذلك ‬يحمل ‬تحديات ‬للدولة. ‬فالمغرب ‬قبل ‬2011 ‬كان ‬مسكونا ‬بالهواجس ‬الأمنية ‬المترتبة ‬عن ‬سنوات ‬من ‬حكم ‬الاستبداد ‬في ‬عهد ‬الحسن ‬الثاني، ‬إلا ‬أنه ‬استطاع ‬التحرر ‬منها ‬في ‬خضم ‬الانتفاضة ‬الشعبية ‬في ‬‮2011‬، ‬وهذا ‬ما ‬يدعم ‬فرضية ‬تشكل ‬حركة ‬احتجاجية ‬في ‬الشارع ‬المغربي ‬في ‬أي ‬لحظة ‬وبشكل ‬غير ‬متوقع، ‬ومع ‬غياب ‬حلول ‬بديلة، ‬أو ‬تسويات ‬سياسية ‬كالتي ‬حدثت ‬في ‬2011، ‬بتعديل ‬دستوري ‬لم ‬يمس ‬جذريا ‬اختصاصات ‬الملك، ‬وفتح ‬الباب ‬للإسلاميين ‬لأول ‬مرة ‬لدخول ‬الحكومة، ‬فإن ‬مثل ‬هذه ‬الحلول ‬لن ‬تكون ‬ذات ‬تأثير ‬على ‬الوضع ‬المغربي ‬في ‬الوقت ‬الراهن، ‬في ‬حال ‬وقوع ‬تحركات ‬احتجاجية ‬كالتي ‬تشهدها ‬حاليا ‬البلدان ‬سالفة ‬الذكر.‬
لا ‬ننكر ‬أن ‬دستور ‬2011 ‬جاء ‬متقدما ‬وفتح ‬المجال ‬لإصلاحات ‬هامة، ‬غير ‬أن ‬الثابت ‬أن ‬الخلافات ‬التي ‬نعيشها ‬يوميا ‬في ‬مسار ‬المخاضات ‬الحكومية ‬المتواصلة ‬منذ ‬أول ‬حكومة ‬في ‬عهد ‬الدستور ‬الحالي، ‬هي ‬نتيجة ‬الباب ‬الثالث ‬في ‬الدستور ‬المتعلق ‬باختصاصات ‬الملك ‬ورئيس ‬الحكومة. ‬لقد ‬أثبتت ‬الفترة ‬التي ‬قضاها ‬كل ‬من ‬رئيس ‬الحكومة ‬السابق ‬عبد ‬الإله ‬بن ‬كيران ‬والحالي ‬سعد ‬الدين ‬العثماني، ‬أن ‬التعايش ‬سياسيا ‬في ‬ظل ‬اختصاصات ‬متداخلة ‬غير ‬ممكن، ‬لذلك ‬اختار ‬الحزب ‬الإسلامي ‬أن ‬يضحي ‬برأس ‬زعيمه. ‬القرار ‬الذي ‬كانت ‬له ‬تكلفة ‬كبيرة ‬على ‬الحزب، ‬وبعدما ‬مارس ‬المعارضة، ‬أو ‬لنقل ‬التمرد ‬على ‬وضع ‬غير ‬طبيعي ‬سماه ‬بن ‬كيران ‬ب"التحكم" ‬نصحو ‬اليوم ‬على ‬ما ‬سمي ‬"حكومة ‬كفاءات" ‬هي ‬في ‬الواقع ‬صورة ‬مضبوطة ‬الألوان ‬عن ‬واقع ‬الاحزاب ‬في ‬المغرب، ‬تؤكد ‬أن ‬مصير ‬كل ‬حزب ‬أراد ‬التمسك ‬ولو ‬بجزء ‬ضئيل ‬من ‬مواقفه، ‬إلى ‬حلبة ‬الترويض ‬و"إعادة ‬التأهيل" ‬وبنفس ‬المنهجية ‬كسرت ‬السلطة ‬على ‬مدى ‬سنوات، ‬منذ ‬الاستقلال، ‬كل ‬المحاولات ‬لبناء ‬عمل ‬سياسي ‬جاد.‬
المغرب ‬ضيع ‬حوالي ‬عشر ‬سنوات، ‬كان ‬بالإمكان ‬توظيفها ‬في ‬محاربة ‬الفساد ‬المالي ‬والإداري ‬الذي ‬هو ‬العائق ‬الأول ‬والأهم ‬في ‬مسار ‬التنمية، ‬كما ‬كان ‬بالإمكان ‬الاستفادة ‬من ‬هذه ‬الفترة ‬في ‬بناء ‬دعائم ‬عمل ‬سياسي ‬مستقل ‬عن ‬أي ‬تدخلات ‬من ‬الجهات ‬النافذة ‬والأطراف ‬الموازية ‬للحكومة.‬
الإشكالية ‬في ‬المغرب، ‬ليست ‬في ‬الأحزاب، ‬وإنما ‬في ‬تدخل ‬السلطات ‬العليا، ‬في ‬العمل ‬السياسي ‬خاصة ‬الحزبي، ‬وتداخل ‬الاختصاصَات ‬بين ‬رئيس ‬الحكومة ‬والملك، ‬وهنا ‬يطرح ‬الباب ‬الثالث ‬في ‬الدستور ‬أو ‬ما ‬يعرف ‬بباب ‬الحكم، ‬نفسه، ‬كمعيق ‬لتقدم ‬الملكية ‬نحو ‬مزيد ‬من ‬التطور، ‬والتحول ‬من ‬ملكية ‬تنفيذية ‬تتداخل ‬مهامها ‬مع ‬الجهاز ‬التنفيذي، ‬إلى ‬ملكية ‬أكثر ‬سموا ‬ورفعة ‬عن ‬ساحة ‬الممارسة ‬السياسية، ‬والعمل ‬اليومي ‬للحكومة ‬التي ‬تتحمل ‬المسئولية ‬المباشرة ‬عن ‬إدارة ‬جميع ‬القطاعات.‬
نحتاج ‬اليوم، ‬وفي ‬ظل ‬تحولات ‬إقليمية ‬متسارعة ‬ومؤثرة، ‬ووضع ‬محلي ‬يغلب ‬عليه ‬الاحباط ‬على ‬المستوى ‬الشعبي، ‬وفقدان ‬الأمل ‬في ‬تحسن ‬الأوضاع، ‬وفقدان ‬الثقة ‬في ‬مؤسسات ‬الدولة ‬وفي ‬المؤسسات ‬السياسة، ‬كآلية ‬للتغيير ‬الفعلي، ‬لتجاوز ‬أزمة ‬الانسداد ‬التي ‬يعرفها ‬المغرب، ‬إلى ‬تعديل ‬على ‬الباب ‬الثالث ‬من ‬الدستور، ‬يحدد ‬اختصاصات ‬الملك ‬في ‬الجوانب ‬العليا ‬كالأمن ‬القومي ‬للبلاد، ‬والحفاظ ‬على ‬استمرارية ‬العلاقات ‬الخارجية ‬كضمانة ‬لها ‬للنأي ‬بها ‬عن ‬التحولات ‬السياسية ‬الداخلية، ‬وممارسة ‬باقي ‬الاختصاصَات ‬التي ‬رغم ‬رمزيتها ‬فإن ‬لها ‬أهمية ‬كبيرة ‬في ‬حفظ ‬التوازنات ‬بين ‬المؤسسات ‬الادارية ‬والمنتخبة ‬والأفرقاء ‬السياسيين.. ‬يجب ‬القطع ‬مع ‬عمل ‬المجلس ‬الحكومي ‬وإلغائه ‬في ‬الدستور، ‬لتجاوز ‬ازدواجية ‬ما ‬يعرف ‬ب"الخطوط ‬العريضة" ‬التي ‬تجعل ‬منه ‬مؤسسة ‬تابعة ‬للمجلس ‬الوزاري ‬الذي ‬يرأسه ‬الملك ‬وفيه ‬يعطي ‬التوجيهات ‬ويرسم ‬الخطوط ‬العريضة ‬لكي ‬تناقشها ‬الحكومة ‬بعد ‬ذلك ‬في ‬المجالس ‬الحكومية، ‬في ‬حين ‬يستوجب ‬التغيير، ‬الانتقال ‬من ‬هذا ‬الوضع ‬البيروقراطي ‬إلى ‬وضعية ‬أكثر ‬مرونة ‬تمر ‬عبر ‬تحويل ‬اختصاص ‬المجلس ‬الوزاري ‬إلى ‬رئيس ‬الحكومة، ‬كنوع ‬من ‬الترقية ‬إلى ‬رئاسة ‬مجلس ‬الوزراء، ‬الذي ‬يعطي ‬رئيس ‬الوزراء ‬صلاحيات ‬واسعة ‬مستقلة ‬عن ‬أي ‬تدخلات، ‬لممارسة ‬سلطة ‬الرقابة ‬والتوجيه ‬والمحاسبة ‬على ‬فريقه ‬الوزاري، ‬ما ‬يجعل ‬الحكومة ‬محصنة ‬بضمانة ‬سياسية ‬يتحمل ‬مسؤوليتها ‬رئيس ‬الحكومة، ‬ويكون ‬هو ‬الضامن ‬لمزاولة ‬هؤلاء ‬الوزراء ‬مهامهم ‬على ‬نحو ‬يمنحهم ‬الاستقلالية ‬والقدرة ‬على ‬اتخاذ ‬القرارات ‬المناسبة.‬
إن ‬أهم ‬عائق ‬أمام ‬تعميم ‬مخططات ‬التنمية ‬لتشمل ‬جميع ‬الشرائح ‬والمناطق ‬والقرى ‬والبلدات، ‬هو ‬الفساد ‬في ‬مستوياته ‬الادارية ‬والمالية، ‬ولن ‬تتأتى ‬محاربته، ‬إلا ‬إذا ‬تم ‬تفعيل ‬سياسة ‬ناجعة ‬تتجاوز ‬منطق ‬الحملات ‬التصحيحية ‬أو ‬التطهيرية ‬الموسمية، ‬وهذا ‬لا ‬يمكن ‬له ‬أن ‬يحدث ‬إلا ‬تحت ‬مسئولية ‬حكومة ‬تتمتع ‬بكامل ‬ضمانات ‬الاستقلالية ‬وعبر ‬رئيس ‬مجلس ‬وزراء ‬كامل ‬الصلاحيات.‬
النقطة ‬المثيرة ‬في ‬دستور ‬‮2011‬، ‬إن ‬لم ‬نقل، ‬الركن ‬العجيب ‬في ‬هذا ‬النص، ‬هو ‬ما ‬جاء ‬به ‬الفصل ‬الخامس، ‬الذي ‬شرّع ‬الأبواب ‬نحو ‬مأسسة ‬منظومة ‬طائفية ‬لم ‬يكن ‬لها ‬أثر ‬يذكر ‬على ‬مستوى ‬القاعدة ‬الشعبية، ‬إلا ‬بعد ‬ظهور ‬مصطلحات ‬وتعبيرات ‬غريبة، ‬لا ‬تتماشى ‬مع ‬فلسفة ‬الدساتير ‬الحديثة، ‬ونخص ‬بالذكر، ‬ما ‬جاء ‬في ‬المقدمة، ‬عن ‬الهويات ‬القطرية ‬التي ‬ابتدعها ‬أشخاص ‬اختصاصهم ‬الفقه ‬الدستوري ‬لا ‬علم ‬الاجتماع ‬أو ‬الأنثروبولوجيا، ‬فنشأت ‬عنه ‬عبارات ‬انشائية ‬كانصهار ‬الهوية ‬العربية ‬الإسلامية ‬والأمازيغية، ‬كما ‬كرّس ‬مفهوم ‬الانقسام ‬اللغوي، ‬مثلما ‬تبنى ‬رسميا ‬هويات ‬طائفية ‬كالتي ‬سماها ‬بالروافد ‬الأندلسية ‬والعبرية ‬والحسانية ‬والأفريقية ‬والمتوسطية، ‬إضافة ‬إلى ‬الوصفة ‬الرومنطيقية ‬التي ‬تحدث ‬عبرها ‬عما ‬أسماه ‬حماية ‬اللهجات ‬والتعبيرات ‬اللسنية.‬
هذا ‬الفصل ‬كان ‬كافيا ‬لإثارة ‬نزعة ‬طائفية ‬امتدت ‬إلى ‬المؤسسات ‬الحزبية ‬والإدارية، ‬فأصبحنا ‬أمام ‬نموذج ‬"لبننة" ‬المشهد ‬السياسي ‬في ‬المغرب، ‬ويأتي ‬هذا ‬الحديث ‬على ‬إيقاع ‬ما ‬يرفعه ‬الكثير ‬من ‬اللبنانيين ‬اليوم ‬في ‬انتفاضتهم ‬المباركة ‬من ‬شعارات ‬تكيل ‬التهم ‬للنظام ‬الطائفي ‬للأحزاب، ‬الذي ‬أنتج ‬نظام ‬المحاصصة ‬الذي ‬هو ‬العصا ‬الموضوع ‬في ‬عجلة ‬التطور ‬والتنمية ‬الاجتماعية.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.