في واقعة غير مسبوقة ، تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع شريط فيديو يظهر فيه شخص يعتقد أنه يهودي وهو يستفز متظاهرين مغاربة خلال وقفة شعبية في مدينة مراكش لنصرة المسجد الأقصى المغلق بقرار من سلطات الاحتلال الإسرائيلي. إن الجهر بالولاء لإسرائيل ، المنبوذة من المجتمع الدولي على خلفية حرب الإبادة في غزة ، أمر لا يجب أن ينظر إليه على أنه عمل طائش ، أو سلوك فردي لا يلزم إلا صاحبه ، بل هو تعبير واع عن خطاب مضلل بات يجد له صدى في المغرب ، وتعمل نخب فاسدة وأبواق مأجورة على تسويقه ، وتجد له ، في صفاقة ممجوجة ، المسوغات والذرائع لإشاعته بين عموم المغاربة . تنبه هذه الواقعة المستهجنة إلى واحد من أخس ملامح التغول الإسرائيلي في المغرب وقد تصاعد على نحو فج منذ التوقيع على اتفاقية التطبيع في ديسمبر. 2020. إذ هي بهذا المعنى نتيجة حتمية لتمدد إسرائيل في المغرب ، وتوكيد على حجم اختراق مؤسساتي وثقافي واجتماعي ، يراد من خلاله الترويج لمنطق الاستسلام باسم البراغماتية السياسية وتزييف سردية الصراع في الوعي الجمعي للمغاربة . والحال أن هذا الخطاب ما كان ليجد له مستقرأ في أذهان الناس ، ولا أن يقر في قلوبهم وآذانهم ، لولا إرادة من الدولة عميقة بالتطبيع مع إسرائيل استنادا إلى مبررات وصفت رسميا بالاستراتيجية، أبرزها انتزاع اعتراف الولاياتالمتحدة بسيادة المغرب على الصحراء ، وخدمة القضية الفلسطينية من منطلق استثمار المغرب لروابطه التاريخية مع اليهود المغاربة في إسرائيل للدفع باتجاه حل الدولتين. لا حاجة للقول إن تطبيع المغرب لعلاقاته مع إسرائيل وضعه ، شعبيا على الأقل، في موقف حرج للغاية بعد حرب غزة في اكتوبر 2003. إذ بات لزاما عليه أن يوفق بين التزاماته المبدئية تجاه القضية الفلسطينية ، ومصالحه المفترضة المترتبة عن " اتفاقات أبراهام" ، وفي صلبها مروحة واسعة من المجالات تشمل التعاون الاستخباراتي والأمني والعسكري والاقتصادي والأكاديمي . وبينما كانت حناجر الملايين تصدح في شوارع المغرب استنكارا لجرائم الإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وتطالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة بنيامين نتانياهو اليمينية المتطرفة التي تضم ثلاثة وزراء من أصول مغربية، اتخذت الدولة قرارات استعراضية شملت إيصال مساعدات لغزة بالتنسيق مع سلطات الاحتلال ، وتبنت موقفا مزدوجا يجمع بين نقيضين ، واكتفت ببيانات بروتوكولية جوفاء تساوي بين الضحية والجلاد ، وتطالب بالوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات. الأنكى أنه في عز حرب الإبادة على غزة ، شهدت العلاقات بين الرباط وتل أبيب تقاربا متسارعا على الصعد كافة ، وتجاوزت قيمة صفقات السلاح وحدها ملياري وثلاثمائة مليون دولار في حدود عام 2024. إن التطبيع مع إسرائيل الذي سوقته الدولة على أنه " خطوة كبرى نحو تعزيز السلام و الاستقرار الإقليمي " ، يفتح جبهة مخاطر متعددة الأبعاد، أمنية وثقافية واقتصادية ، ناهيك عن أنه يعاكس الإرادة الشعبية الرافضة لأي علاقات مع إسرائيل، ويسيئ لصورة المغرب كبلد يرأس لجنة القدس ويقوض دوره كداعم تاريخي للقصية الفلسطينية . ولعل في واقعة مراكش ، الصادمة وبالغة الدلالة ، ما يقيم الحجة على أن آثار هذا التغلغل الإسرائيلي، وقد تبدت على نحو يبعث على القلق والاشمئزاز ، تساءل الموقف الرسمي من مثل هذه التعبيرات المستفزة لمشاعر المغاربة وهي كثيرة ولافتة.