نبه صندوق النقد الدولي إلى أن تحسن نتائج الصحة والتعليم في المغرب يبقى أقل من الإمكانيات المتاحة، فرغم توسع نطاق الوصول بشكل كبير لهذه الخدمات في السنوات الأخيرة، إلا أن هناك العديد من التحديات القائمة، ومنها نقص الأطر، وضعف مستوى التلاميذ، وضعف رضا المرضى، والتفاوتات المجالية، وتقادم البنية التحتية، كما أن الميزانيات المخصصة للبرامج في القطاعين لا يتم الوفاء بها، مع وجود مجال لتحقيق نتائج أفضل بالموارد الحالية. وأضاف صندوق النقد في تقرير نشره نهاية شهر مارس المنصرم أن الإصلاحات طموحة لتحسين قدرة وجودة الخدمات في القطاعين، لكنها بحاجة إلى التسريع والحوكمة والمساءلة وتقوية التنفيذ، وتبسيط المساطر، وتحسين إدارة الموارد البشرية والبنية التحتية، لتنعكس زيادة الإنفاق على جودة الخدمات. مسجلا إهدار 27% من إمكانيات القطاع الصحي، و37% من إمكانيات قطاع التعليم.
الصحة.. إهدار 27% من الإمكانيات سجلت المؤسسة المالية تحسن النتائج الصحية للسكان المغاربة بمرور الوقت، إذ يبلغ متوسط العمر المتوقع حوالي 62.34 عامًا، بعد أن ارتفع من 60.69 عامًا في عام 2000، كما استمرت معدلات وفيات الرضع في الانخفاض من أكثر من 28 حالة وفاة لكل 1000 ولادة حية في عام 2010 إلى أقل من 16 حالة وفاة في عام 2023. ورغم ذلك، لا يزال النظام الصحي في المغرب يواجه عدة تحديات، من بينها قلة الموارد البشرية واللوجستية، وضعف جودة الخدمات الصحية العامة والبنية التحتية للمستشفيات في القطاع العام، والتفاوت الجغرافي في الوصول إلى الخدمات الطبية والكوادر الطبية وشبه الطبية، وضعف إدارة أداء الموظفين، وانخفاض مستويات رضا المرضى، والانفصال بين ترتيبات تمويل الصحة وتقديم الخدمات. وأكد الصندوق أنه ورغم رفع ميزانية القطاع، إلا هناك حاجة لمزيد من الإنفاق، مع التقليص من قصور تنفيذ الميزانية، والتقليص من حصة إنفاق المواطنين على الصحة والتي لا تزال مرتفة، وتبلغ حوالي 43%، في حين تبلغ النسبة الموصى بها من طرف منظمة الصحة العالمية 25%. وتوقف ذات المصدر على تحسن كفاءة الإنفاق في القطاع الصحي بالمغرب مقارنة مع دول المنطقة، لكنه أكد أيضا وجود مجال لمزيد من التحسين، مما سيساعد على تعزيز النتائج في حدود الميزانية المخصصة. وذكر التقرير أن نتائج الصحة بالمغرب يمكن أن تكون أعلى بنحو 27% مع كفاءة أفضل، في ظل نفس حجم الإنفاق العام. ونبه إلى أن معدل تنفيذ الاستثمارات المسطرة في القطاع تبقى في حدود 70% في السنوات الأخيرة، وهو ما ينبغي تجاوزه. وسجلت المؤسسة المالية بإيجاب انخراط السلطات المغربية في إصلاحات طموحة في قطاع الصحة، ومنها التغطية الصحية الشاملة، وتعزيز الموارد البشرية، وإنشاء بنية تحتية أكثر كفاءة، وتعزيز الحكامة بالقطاع، لكنها إصلاحات ينبغي تسريعها وضمان حكامتها. واعتبرت أن ضمان الاستدامة المالية للتأمين الصحي الإلزامي سيتطلب رقابة أكثر صرامة على الإنفاق، ومصادر إيرادات أكثر تنوعًا وقوة، وتوقعًا أفضل للمخاطر المالية. مع تأكيدها على ضرورة دعم التنفيذ باستراتيجية تواصلية واضحة لإعادة بناء الثقة، وضمان تسريع التنفيذ، ليكون التحسن في الخدمات ملموسا لدى المواطن. التعليم.. 37% من إمكانيات القطاع مهدورة اعتبر صندوق النقد في تقريره أن المغرب حقق مكاسب كبيرة في مجال الوصول إلى التعليم، لكن منظومته التعليمية تعاني من أعطاب عدة، منها التكرار والتأخر في الولوج للتعليم، وضعف التحصيل العلمي للتلاميذ مقارنةً بنظرائهم في المنطقة، حيث يُسجل المغرب باستمرار أدنى الدرجات في التقييمات الدولية في العلوم والرياضيات والقراءة. وعزا التقرير ضعف التحصيل العلمي ونتائج التعلم، إلى تحديات هيكلية في نظام التعليم المغربي، والتي تُعيق تطور رأسالمال البشري، وتُضعف التنمية، وتحد من قدرة البلاد على الاستفادة الكاملة من الفرص الديموغرافية والاقتصادية. وبالإضافة إلى ضعف نتائج التعليم، يواجه نظام التعليم تحديات أخرى، من بينها التفاوتات المجالية والفجوة الكبيرة بين تلاميذ المدن والقرى في الوصول للمدرسة وجودة التحصيل وإتمام الدراسة. كما لا يزال التعليم العالي يتركز بشكل كبير في العلوم الاجتماعية بدلاً من المجالات التقنية ومجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات التي يطلبها سوق العمل. ناهيك عن جوانب أخرى متعلقة بضعف تحفيز الأساتذة، والحاجة لتحسين مستوى تدريبهم بشكل عام، ومعالجة التغيب عن العمل. ونبه ذات المصدر إلى نقاط الضعف في الحوكمة والكفاءة على المستويات الجهوية والإقليمية والمدارس، ومحدودية اللامركزية. واعتبر أنه ورغم تخصيص المغرب حصة كبيرة من الموارد العامة للتعليم، إلا أن كفاءة الإنفاق وضعف تنفيذ الميزانية تبقى تحديات رئيسية في نجاعة هذه الموارد. ولم يتجاوز تنفيذ الاستثمار 70% في السنوات الأخيرة، مع انخفاض معدل التنفيذ بشكل خاص في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وقدر التقرير فجوة كفاءة الإنفاق على التعليم ب37%، ما يعني أن نتائج التعليم يمكن أن تكون أعلى بنسبة 37% إذا تم استخدام الموارد المالية الحالية بكفاءة أكبر. وحسب صندوق النقد الدولي فإن إصلاحات سياسية طموحة تجري لمعالجة التحديات الهيكلية طويلة الأمد التي يواجهها المغرب في مجال التعليم، عبر عدة برامج تركز على توسيع نطاق الوصول وتعزيز المساواة والرفع من التعليم الأولي، وتعزيز النقل المدرسي ودعم التمدرس، وتحسين الجودة، وتقليل الهدر، وتعزيز البنية التحتية… وشدد على أن دعم التنفيذ الفعال للإصلاحات، يفرض على السلطات تعزيز الحكامة والمساءلة والشفافية وقدرة التنفيذ في جميع مستويات المنظومة التعليمية. وأضاف "على الرغم من الإنفاق المرتفع وبرنامج الإصلاح الطموح، فإن ضعف الحكامة والتقدم المحدود في اللامركزية، يقوضان الفعالية… وتعمل الأكاديميات الجهوية والمدارس باستقلال مالي محدود، وعمليات موافقة معقدة، وقدرات غير متكافئة.. وهناك أيضًا حاجة إلى تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين لا سيما فيما يتعلق بالحكامة المالية والرقابة الداخلية". واعتبر التقرير أن تعزيز الحكامة يفرض توضيح الأدوار والمسؤوليات على المستويات المركزية والإقليمية والمدرسية، وتعزيز صلاحيات سلطات التعليم الإقليمية، لا سيما في الإدارة المالية وإدارة البنية التحتية، ومنح المدارس استقلالية أكبر مرتبطة بالأداء والمساءلة، وتحسين أنظمة البيانات لربط الموارد بشكل منهجي بنتائج التعلم. مشددا على أن تحسين الحكامة ضروري لضمان أن زيادة الإنفاق العام تُترجم إلى مكاسب في الجودة والإنصاف والكفاءة.