يشكل تقرير الحسابات الخصوصية للخزينة لسنة 2026 مرجعا أساسيا لفهم الكيفية التي تُدبِّر بها الدولة المغربية جزءا واسعا من ماليتها العمومية خارج الميزانية العامة التقليدية. فمن خلال هذا التقرير، يتضح أن الحسابات الخصوصية أصبحت اليوم أداة مالية مركزية تمس أغلب مجالات السياسات العمومية، من التنمية الاجتماعية والترابية إلى الاستثمار والتشغيل، بل وحتى التدبير الطارئ للكوارث. غير أن هذا الحضور المالي المتنامي يثير، في الوقت نفسه، تساؤلات حقيقية حول شفافية هذه الآلية ونجاعتها في تحقيق التنمية الموعودة. فمن الناحية الكمية، تكشف معطيات التقرير عن نمو مضطرد في حجم الموارد المسجلة في هذه الحسابات، إذ بلغت سنة 2024 نحو 357 مليار درهم مقابل 265 مليار درهم سنة 2022، أي بزيادة تقارب 35% خلال سنتين فقط. غير أن هذا الزخم المالي لا يقابله بالضرورة إنفاق مواز، حيث لم تتجاوز النفقات المنجزة في السنة ذاتها 159 مليار درهم، مما يعني أن حوالي 198 مليار درهم ظلت كأرصدة مرحلة غير مصروفة. هذا الفارق الكبير بين الموارد والنفقات يثير أكثر من علامة استفهام حول ضعف تصريف الاعتمادات، سواء بسبب تعقيدات المساطر أو محدودية القدرات التدبيرية في الوزارات والجماعات الترابية. ففي الوقت الذي يفترض أن تسهم هذه الأموال في تحريك عجلة الاستثمار والتشغيل، يبقى جزء كبير منها مجمدا في حسابات الخزينة، مما يفرغ الآلية من جزء من فعاليتها.
على المستوى الهيكلي، يبين التقرير أن عدد الحسابات الخصوصية تقلص تدريجيا من 78 سنة 2006 إلى 69 سنة 2025، وهو تطور إيجابي من حيث ترشيد العدد، لكنه لا يعني بالضرورة تبسيط المنظومة المالية، إذ ما تزال هذه الحسابات متفرعة إلى مجالات متعددة ومتداخلة، تشمل التنمية القروية، والحماية الاجتماعية، والبنيات التحتية، والبحث العلمي، وحتى الإعلام والثقافة. غير أن غياب مؤشرات دقيقة لتقييم الأثر يجعل التقرير ذا طابع محاسباتي أكثر من كونه تنمويا. فهو يقدم أرقاما وجداول دقيقة حول الموارد والنفقات، دون أن يربطها بالنتائج أو بمؤشرات قياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي.
ومن بين أبرز الملاحظات، التمركز المالي الكبير في وزارتي الاقتصاد والداخلية اللتين تتحكمان في 88% تقريبا من الموارد الذاتية المعبأة، مما يعني أن باقي القطاعات الاجتماعية، كالصحة والتعليم والسكن، تظل تابعة من حيث التمويل للقطبين المركزيين.
هذا الوضع يضعف مبدأ العدالة الترابية الذي يشكل أحد مرتكزات النموذج التنموي الجديد، ويجعل من الصعب تحقيق التوازن بين الجهات. فمثلا، رغم وجود حسابات مخصصة لهذا الغرض مثل "صندوق التضامن بين الجهات" أو "صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية"، فإن نفقاتها تبقى محدودة، إذ لم تتجاوز 10 ملايير درهم سنة 2024، أي أقل من 6% من مجموع النفقات الإجمالية، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الفوارق المجالية التي ما تزال حاضرة بقوة.
التقرير يكشف أيضا أن الفوائض المتراكمة داخل بعض الحسابات بلغت مستويات مرتفعة، مثل "الحساب الخاص باستبدال أملاك الدولة" الذي تجاوز رصيده المرحل 57 مليار درهم، أو حصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة التي فاقت 28 مليار درهم غير مصروفة. هذه الأرصدة الضخمة تُظهر أن الخلل لا يكمن في ضعف التمويل بقدر ما يكمن في ضعف التصريف والتنفيذ، أي أن الدولة توفر الموارد لكن الأجهزة المنفذة عاجزة عن تحويلها إلى مشاريع على الأرض.
أما من حيث الوظائف التنموية، فتتوزع الحسابات على ستة محاور كبرى: التنمية الترابية، والتنمية البشرية والاجتماعية، والإنعاش الاقتصادي، وتعزيز البنيات التحتية، والتنمية القروية والفلاحية والصيد البحري، إضافة إلى مجالات أخرى. وتظهر أرقام سنة 2024 أن الإنفاق الأكبر وُجه إلى التنمية البشرية والاجتماعية بنسبة 35%، تليها التنمية الترابية بنسبة 30%، فيما نالت البنيات التحتية أقل من 11%. ومع ذلك، لا يقدم التقرير مؤشرات عن نتائج هذا الإنفاق على الفقر أو البطالة أو جودة الخدمات، ما يجعل تقييم الأثر العملي لتلك المبالغ أمرا عسيرا.
ومن الزاوية المؤسسية، يبدو أن آليات الرقابة والمساءلة على هذه الحسابات ما زالت محدودة. فالتقرير لا يتطرق إلى تقييمات المجلس الأعلى للحسابات أو تقارير المفتشيات العامة، ولا يقدم أي معطيات حول مدى احترام مبادئ الحكامة أو الشفافية في التدبير. كما لا يتضح إن كانت هذه الحسابات تخضع لمراقبة برلمانية فعلية، أم أنها تظل ضمن دائرة القرار التنفيذي لوزارة المالية. وهو ما يجعل من هذه الحسابات، رغم أهميتها، بنية مالية موازية تعمل خارج الرقابة الديمقراطية الكاملة.
ورغم أن التقرير يبرز جهودا في مجالات مثل "صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي" أو "صندوق تدبير آثار الزلزال"، إلا أن توظيف الحسابات الخصوصية في مثل هذه الحالات الطارئة يطرح تساؤلا حول استدامة التمويل ومدى إمكانية دمج هذه النفقات ضمن سياسة مالية شمولية بدل اللجوء إلى حسابات استثنائية تتعدد وتتشعب مع الوقت.
في المجمل، يعكس التقرير تحسنا في مستوى التنظيم والعرض الإحصائي، لكنه يفتقر إلى منظور تقييمي يعيد ربط الأرقام بالأهداف المعلنة. فبدل أن يكون أداة لقياس أثر الإنفاق العمومي، ما يزال مجرد وثيقة محاسبية توضح ما تم تحصيله وصرفه دون تحليل للنتائج أو الأثر المجتمعي.
لذا يمكن القول إن الحسابات الخصوصية للخزينة، رغم كونها وسيلة فعالة لتعبئة الموارد وتجاوز بعض صعوبات الميزانية العامة، قد تحولت تدريجيا إلى آلية مالية ضخمة تشتغل في الظل، تحتاج إلى إصلاح مؤسسي عميق يضمن الشفافية والمساءلة ويربط التمويل بالتنمية الفعلية.
إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في حجم الأموال المرصودة، بل في تحويلها إلى أثر ملموس في العدالة المجالية، والتشغيل، وتحسين ظروف عيش المواطنين. وهو ما لن يتحقق إلا بإعادة النظر في منطق تدبير هذه الحسابات، وإخضاعها لمراقبة تقييمية دورية تضع المواطن في مركز العملية المالية بدل أن تظل مجرد أرقام صامتة في تقارير الميزانية.