صراعات بين أعضاء البام تهدد بكشف ملفات الحموتي واخشيشن    النزاع بين غوغل وهواوي يؤثر على ملايين المستخدمين    فرنسا: اخلاء برج ايفل في بارس بعد رصد متسلق على البرج    باريس سان جرمان يؤكد أن علاقته بمبابي "ستستمر في الموسم المقبل"    رونار وضع تصور برنامج الأسود لكأس إفريقيا    سكاي سبورت تكشف موعد انضمام دي ليخت إلى برشلونة    تفاصيل توقيف مروج للمخدرات هاجم الأمن رفقة معارفه بالبيضاء    مقتل ثلاثة عمال اختناقا داخل قناة للصرف الصحي ببوسكورة كانوا يقومون بأعمال الصيانة لمقاولة الخاصة    الكونغرس يطلع على آخر تطورات الملف الإيراني    بالصور .. نغوما يصل إلى البيضاء تمهيداً لإتمام مفاوضاته مع الرجاء    حكم إثيوبي لمباراة الزمالك ونهضة بركان    حجز وإتلاف أزيد من 10 أطنان من المنتجات الغذائية غير الصالحة للاستهلاك بجهة طنجة تطوان الحسيمة    تأجيل محاكمة الصحافيين الأربعة والبرلماني حيسان    "الكاف" يعين حكم مباراة الزمالك ونهضة بركان في إياب نهائي كأس الكنفدرالية    كروس متفائل بتحقيق الريال لمزيد من الألقاب    الملك : متمنياتنا للشعب الكاميروني باطراد التقدم والازدهار    أمزازي لطلبة الطب: الامتحانات في موعدها مرحبا بمن جاء ومن تغيب يتحمل مسؤوليته    التصعيد متواصل بين أطباء القطاع الخاص والكاتب العام لوزارة المالية    طعنات قاتلة تنهي حياة أربعيني نواحي الصويرة    رغم الرفض الشعبي..قائد الجيش الجزائري يتمسك بالانتخابات الرئاسية    السعودية تعترض صاروخا باليسيتيا كان متجها إلى منطقة مكة المكرمة -فيديو    في الحاجة إلى نزع رداء المظلومية    “الكاف” يكشف عن حكم نهائي مباراة بركان والزمالك    توقعات أحوال الطقس غدا الثلاثاء    حنان الفاضلي:الساحة الكوميدية في المغرب أشبه بالوجبات السريعة    الرباط.. أسبوع أفلام حقوق الإنسان في العالم العربي من 21 إلى 24 ماي    كليات رمضانية.. كلية التحرر والتحرير (4): من محطات التحرر في رمضان سلسلة مقالات رأي    ‘”الشدان” في رمضان مقال رأي    10 نصائح لقهر الجوع والعطش خلال ساعات الصيام الطويلة    مجزرة دموية في ملهى ليلي بشمال البرازيل    الحكومة غادي تناقش قوانين مدونة السير    حادثة طريق أشقار .. ارتفاع عدد القتلى إلى ثلاثة بعد وفاة احد الدراجين الأربعة    الموت يغيب وزير الصحة الأسبق الطيب بن الشيخ    احتراق حافلة لنقل المسافرين بأكادير في ظروف غامضة    العثماني: الأغلبية متماسكة    لماذا تفسد مجتمعات المسلمين؟    مصر.. القضاء على 12 “إرهابيا” في تبادل لإطلاق النار    أداء مطارات المملكة يواصل منحاه التصاعدي    برامج قنوات القطب العمومي الوطني تستقطب المغاربة خلال رمضان    الدكتور الطيب تيزيني : على هامش رحيله الأبدي    إدارة مارينا أبي رقراق تكشف عن برنامج طموح للترفيه السياحي والثقافي ستستفيد منه ساكنة الرباط وسلا    البنك الدولي: المغرب حقق 27.5 مليار دولار من صادرات الذهب والفوسفاط    تارودانت: السلطة الإقليمية تحتفي بالذكرى 14 لانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وتستعرض منجزاتها    مدخل لدراسة تاريخ الزعامات المحلية بالجنوب المغربي 12 : العلاقة بين الشيخ والمريد    «حي على الفلاح»… إبحار في التصوف على «الأولى»    أمر اعتقال سويدي بحق “مؤسس ويكيليكس”    أسئلة الصحة في رمضان وأجوبة الأطباء : 12 .. النظام الغذائي غير الصحي يتسبب في السمنة والأمراض المزمنة    أطباء يتحدثون لبيان اليوم عن الأمراض في رمضان    « الإتحاد العام » يمنح إشارة المسؤولية المجتمعية لهذه المقاولات    تكريم عبيد بمكناس    قرقيبو وذكريات مع إليسا    بوسيل وبطمة في “البزار”    «الإيكونوميستا»: إسبانيا أول شريك تجاري للمغرب للعام السابع على التوالي    برلمانيون يتهمون الحكومة بحماية المفسدين    مبادرة جمعوية "تغرس الأخوة" بمدينة الصويرة    «يولر هرميس»: المغرب تلميذ غير نجيب في آجال الأداء    دراسة … تناول عصائر الفواكه المصنعة قد يؤدي إلى الوفاة المبكرة    لصحة أفضل.. تجنب هذه العادات الخاطئة في رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«طبيب قرطبة» لهيربير لوبورييه: من الأندلس إلى مصر ملجأً للمضطهَدين
نشر في مغارب كم يوم 11 - 08 - 2013

في تلك الأزمان التي تبدو اليوم سحيقة موغلة في القدم وكأنها أساطير من عصور ما قبل التاريخ، حين كان الأبطال أبطالاً، والتعايش بين الأعراق والطوائف والأديان حقيقة لا شعاراً، وحين كان نجوم الفكر والمجتمع يدعون ابن رشد والفارابي وابن باجة، عاش في الأندلس أولاً، ثم متنقلاً بين ديار الإسلام بعد ذلك،
عالم وطبيب يهودي انتمى إلى الحضارة العربية ولم يجد حماية له إلا لديها حين اضطهده الإسبانيون إذ عادوا واستعادوا الأندلس من أيدي المسلمين، وأقاموا محاكم التفتيش سيئة السمعة التي كان اليهود من أول ضحاياها وربما بالتحديد لأنهم في عرف جلاديهم كانوا قد عرفوا كيف يتعايشون مع العرب المسلمين. هذا العالم والطبيب هو ابن ميمون، تلميذ ابن رشد الذي ولد في قرطبة وأمضي حياته بين الفكر والطب والعلم، لينهيها في مصر صلاح الدين الأيوبي التي استقبلته فاتحة ذراعيها، موفرة له الملجأ والعمل وحرية الفكر، حين استنكف عن استقباله أي مكان آخر، ومن دون أن يكون ذلك وقفاً عليه بالطبع إذ من المعروف تاريخياً أن مصر كانت في ذلك الزمن - وسوف تظل حتى أزماننا الراهنة هذه ملجأ للمضطهدين في بلدانهم، بيد أن هذا ليس بيت قصيدنا في هذه الحكاية. الحكاية هنا هي حكاية ابن ميمون نفسه قبل مصر وفي مصر.
والحقيقة أن حياة ابن ميمون هذا كانت على الدوام تشكل إغراء للكتاب، ولا سيما منهم أولئك الذين كانوا يعرفون مدى ما في حياته من مواقف وأحداث تشي بكم كان التسامح قائماً أيام الحكم الإسلامي لإسبانيا، وتشي في الوقت نفسه بكم أن العنصرية ووليدتها «اللاسامية» كانت منذ البداية اختراعاً وممارسة أوروبية. وإلى هذا كان الكتاب منذ زمن ليس بالقليل، يعرفون أن حياة ابن ميمون يمكن أن تكون ذريعة طيبة لكتابة فصول وفصول حول حقبة زمنية لا تضاهى من حيث إشعاعها الحضاري والانفتاح الذي عيش خلالها، ثم القهر الذي كان من نصيبها ومن نصيب مفكريها حين اشتدت وطأة الأحداث واحتدمت الصراعات وراحت تبرز تلك الهويات التي سيسميها الكاتب اللبناني، بالفرنسية، أمين معلوف لاحقاً «الهويات القاتلة». والحقيقة أن ذكر أمين معلوف هنا ليس صدفة، ذلك أن واحدة من الروايات الأساسية التي كتبت عن حياة ابن ميمون، وهي «طبيب قرطبة» للكاتب الفرنسي هيربير لوبورييه (1913 - 1977)، كانت في بال كاتبنا اللبناني من دون شك حين كتب هو الآخر روايته الأندلسية الشهيرة «ليون الأفريقي». تماماً كما أن لوبورييه، حين كتب «طبيب قرطبة» كانت في باله كتب عدة تناولت من قبله حياة ابن ميمون، ومن أشهرها «يهودي طليطلة» لليون فوختفنغلر، تلك الرواية التي غاصت في تحليل زمن ابن ميمون، وخصوصاً في جوانبه الاقتصادية والسياسية ثم بدت أقل احتفاء بقضية التسامح التي كانت في أساس «طبيب قرطبة».
إذاً «طبيب قرطبة» رواية عن ابن ميمون. والحال أن الكاتب حاول قدر الإمكان أن يبدّي الواقع التاريخي في هذه الرواية على الأبعاد التخييلية، على عكس ما يفعل عادة مؤلفو هذا النوع من الروايات من الذين اعتادوا أن يطلقوا العنان لمخيلاتهم أملاً في إعطاء طوابع ذاتية للعمل. لوبورييه ابتعد من هذا، ليرسم هنا، على مدى 300 صفحة، حياة ذلك الفيلسوف والطبيب والشاعر الأندلسي الذي عاش في القرن الثاني عشر... ولقد آثر لوبورييه أن تكون الرواية محكية على لسان ابن ميمون نفسه، إذ تشكل الرواية في أساس حبكتها رسالة طويلة كتبها المفكر وأرسلها إلى واحد من تلاميذه.
هذه الرسالة التي يفيدنا الكاتب أنها كتبت خلال الأيام الأخيرة لحياة ابن ميمون تعبق بقدر هائل من حنين يحسه بطل الرواية إلى المدينة التي كانت مسقطه، وها هو اليوم يعيش آخر سنوات حياته بعيداً منها. ومنذ البداية تقول لنا الرسالة/ الرواية كم أن القرون الثلاثة التي عاشتها قرطبة، خصوصاً، والأندلس عموماً، وسط إشعاع حضاري وفكري وعلمي تحت الحكم الإسلامي، كانت قرون تعايش وتناسق بين الثقافات العربية والإسلامية والمسيحية واليهودية. لكن المؤلم هو أن ذلك «العصر الذهبي» سرعان ما آذن بالنهاية عند منتصف القرن الثاني عشر، ولا سيما بالنسبة إلى اليهود الذين وجدوا أنفسهم فجأة - بحسب الرسالة - مقموعين ومضطهدين بين إسبانيين مسيحيين آتين من الشمال ليستعيدوا ممالكهم، وبين جماعة الموحدين المتعصبين الآتين من الجنوب للدفاع عن آخر ما تبقى من الأندلس. وإذ ترسم لنا الرواية هذا الإطار التاريخي مصوّراً من وجهة نظر ابن ميمون، نبدأ بالتعرف إلى حياة هذا المفكر. فهو منذ طفولته عاش تحت ظل القمع والخوف، إذ ربته أم قاسية، وأذله أب مرعب. ولقد ترعرع الطفل وسط الكثير من المؤثرات: من بينها جار كان طبيباً وشاعراً متحرراً، وعم كان جزاراً تقليدياً، تعلم الفتى على يديه دقة التشريح وتفاصيل أعضاء الأجسام الحية، وأخيراً أستاذه في الجامعة، الفيلسوف والمفكر العربي النابغة ابن رشد. ولقد كان لهذا الأخير دور أساسي في نشوء ابن ميمون وحياته، إذ انه هو الذي أرسله ليدرس في طليطلة لدى طبيب كان في تلك الأزمنة مشهوراً بمهارته في دراسة الجثث. وهناك لدى هذا الطبيب سيلاحظ ابن ميمون أن دراسة الطب التقليدية تستند كثيراً إلى تعاليم خاطئة متوارثة من جالينوس، الذي كانت سلطته الفكرية أقوى من مهارته التجريبية. وعلى ضوء هذا يدرك ابن ميمون أسبقية العمل الذهني التأملي في مجال دراسة الإنسان وجسمه، وينصرف إلى الاهتمام الجدي بالفكر. وإذ يبغي العودة إلى قرطبة لدى أستاذه ابن رشد، وعلى الأقل ليناقشه في اكتشافاته الجديدة و «الثورية» في مجال دراسته هذا، يفاجأ بأن يجد المدينة باتت فريسة للفوضى والاضطراب أمام الأخطار التي باتت محيطة بها من الشمال، ويصدمه إحراق الكتب في شوارعها وغياب أستاذه الكبير. وهكذا يهرب مع أبيه وأخيه واصلين إلى مدينة المريا، حيث يستقبلهم ابن رشد الذي كان التجأ إليها، ويسهل لهم العبور إلى فاس، حيث يخوض ابن ميمون سجالاً مثمراً مع أميرها... ثم يتابع الطبيب المفكر سفره إلى منفاه الجديد: فلسطين التي كانت واقعة تحت احتلال الفرنجة منذ نجاح الحملات الصليبية... وبالتالي يعجز عن أن يعثر لنفسه مكانة فيها، إذ كان تعامل الفرنجة مع اليهود لا يقل سوءاً عن تعامل الإسبان معهم، فلا يجد أمامه إلا أن يواصل رحلة المنفى متجهاً هذه المرة إلى مصر. ومصر ستكون مقره النهائي والأخير، وفيها سوف «يكتب» رسالته هذه التي تشكل حكاية حياته، وأساس رواية «طبيب قرطبة» التي ستروي هذه الحكاية بما فيها من دروس وعبر للأجيال التالية. ولقد كان من حظ ابن ميمون، كما يقول هو نفسه في رسالته، إن صلاح الدين الأيوبي كان هو الذي يحكم في مصر في ذلك الحين. وإذ يستقبله هذا بما عرف عنه من أريحية وتسامح، يشعر ابن ميمون أنه أخيراً قد آن له أن يستقر، لذلك يكرس ما بقي من سنوات حياته للكتابة، ولا سيما في مجال الفلسفة والطب، كما أنه ينصرف في الوقت نفسه إلى العناية الطبية بفقراء مصر. وهناك وسط هذه المشاغل يموت وقد أدى رسالته الإنسانية.
هربير لوبورييه، مؤلف «طبيب قرطبة»، كان بدوره كاتباً وطبيباً، وكان أيضاً ذا نزعة إنسانية. ولقد صرّح دائماً بأنه لم يكتب سيرة ابن ميمون في رواية إلا لأنه شعر دائماً بالتقارب بينهما. لكن لوبورييه، الذي مارس الطب والأدب معاً خلال سنوات حياته، لم يكتب «طبيب قرطبة» فقط، بل كتب الكثير من الروايات التاريخية أيضاً ومنها «آنسة شارتر» و «عواد كريمونيا» و «الرجال في المدينة» و «جولييت عند الممر»... وهو حصل عند نهاية حياته (1977) على الجائزة الكبرى لجمعية أهل الأدب في فرنسا، بفضل روايته الأخيرة «طبيب قرطبة».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.