وسيلة إعلام إيطالية تندد بتجنيد الأطفال واستغلالهم لأغراض عسكرية بمخيمات تندوف    تقرير رسمي يؤكد ارتفاع أسعار مختلف المواد الإستهلاكية خلال سنة 2021 المنصرمة    أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الدرهم لليوم الجمعة    بالأرقام..أقوى وأضعف منتخب في "الكان" بعد انتهاء دور المجموعات    حفيظ دراجي وسط عاصفة من الغضب بسبب "رسالة" منسوبة إليه يسبّ فيها المغربيات بكلام ساقط    تبون 'الجزائر' بعد مهزلة 'الكان': يبقى الكبير كبيراً!! ومعلقون: باركا من الظلم.. وديها في حال بلادك    ماذا تريد الجزائر من وراء اجتماع الفصائل الفلسطينية؟    لا راحة للمنتخب الوطني.. حصة ثانية في المساء    الدولي المغربي أسامة إدريسي يعزز صفوف قادس الاسباني    توقعات أحوال الطقس ليوم غد السبت    مستجدات "شبكة البيتكوين"..الشرطة تحجز مبالغ إضافية بمراكش    تخصيص 230 مليون درهم لتطوير المحطة السياحية أوكايمدن    فرنسا… تعلن عن تاريخ رفع قيود كورونا    مهنيو السياحة ينتظرون قرار الحكومة بخصوص فتح الحدود    المغرب ومجلس التعاون الخليجي.. انضمام كامل العضوية أم شراكة متقدمة؟*    إصابة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس بفيروس كورونا    "الفاو" تصدم الإسبان وتصنف "المياه الاقليمية للكناري" مناطق مغربية    هيئات: نسبة المشاركة في إضراب أطباء القطاع الخاص تجاوزت %80    والدة جاد المالح تطلق مشروع "الوالدة" لبيع وتوصيل الكسكس المغربي بفرنسا    كلمة السر "مغربية الصحراء".. 'إلموندو': إسبانيا ظلت أسبوعا كاملاً تتودد إلى المغرب لحل الأزمة    الخدمة العسكرية.. تجربة غنية تتيح للمستفيدين الانفتاح على آفاق جديدة    قلق بفرنساحول حرية الاعلام خلال الحملة الانتخابية    القضاء يأذن للمرة 24 تواليا باستمرار نشاط مصفاة "سامير"    فيلم "ضيف من ذهب" يشارك في مهرجانPalestineReelالسينمائي بالإمارات    الحسين القمري …وداعا أيها المبدع ….وداعا أستاذي    الدورة 7لمهرجان تطوان الدولي لمدارس السينما ما بين 21 و25 نونبر    ندوة يوم 100: بين استمرار الوعود و غياب التنزيل    الولايات المتحدة تقدم للمغرب سبعة مجمدات لتخزين لقاح كورونا    انتخاب "إثمار كابيتال" لرئاسة المنتدى الدولي للصناديق السيادية    3 أسئلة ليوسف خاشون رئيس نادي واويزغت لكرة السلة    ملك تخبر الجميع بزواجها من حسن.. تعرفوا على أحداث حلقة اليوم (103) من مسلسلكم "لحن الحياة"    نهاية الجزائر والراقي وحفيظ الدراجي    هل يهدد الهجوم الحوثي «الملاذ الآمن» الذي تقدمه الإمارات؟    المصابون بمتحور أوميكرون.. هذه هي أكثر 5 أعراض شيوعا    ابتدائية سطات ضربات صهر البرلماني المعتقل ب4 سنوات ونصف حبسا نافذة بعد متابعته بالنصب على شركة بمبلغ 600 مليون سنتيم    السعودية.. سجن سفير سابق استغل عمله لبيع تأشيرات العمرة    رئيس مبادرة "سمعي صوتك" ل2m.ma:"تلقينا 120 طلب مساعدة سنة 2021 من نساء تعرضن للعنف    مقتل 145 ناشطا حقوقيا في كولومبيا عام 2021    ماذا وراء انخفاض توقعات نمو الاقتصاد الوطني خلال السنة الجارية؟    فيتش رايتينغ تتوج CDG CAPITAL وCDG CAPITAL GESTION    أزمة الصيدليات بسطات تنفرج بعد توصل مجلس الصيادلة بترخيص السلطات لرفع عدد صيدليات المدوامة    برشلونة يقرر فتح باب الانتقال امام مهاجمه الفرنسي عثمان ديمبلي    البرهان يعلن تشكيل حكومة جديدة لتصريف الأعمال في السودان    100 يوم من عمر الحكومة .. هذه أبرز الإجراءات التي اتخذتها وزارة الثقافة والتواصل للنهوض بالقطاع    سرحان يكتب: أبطال بلا روايات.. "زوربا وبِطيط وجالوق وأبو جندل"    خطوة كان من المفروض القيام بها قبل تصريح آيت الطالب … وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ترسل مفتشيها للصيدليات للبحث عن أدوية الكوفيد والزكام    مركز: أكثر من 10 ملايين إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في القارة الإفريقية    تشغيل.. الحكومة تعمل جاهدة لمواجهة تداعيات الجائحة    خلق فرص الشغل وفك العزلة محاور إجتماعات رئيس مجلس جهة الشرق بإقليمي جرادة وفكيك    الأركسترا الأندلسية الإسرائيلية تستضيف 5 موسيقيين مغاربة    هل المضادات الحيوية تضعف جهاز المناعة ؟    أكاديمية جهة كلميم والمعهد الفرنسي بأكادير يصادقان على برنامج العمل المقترح لسنة 2022    4 مشروبات صحية تنظف الكبد بشكل طبيعي!    شاهد ماذا كان يعبد هؤلاء قبل إسلامهم!! (فيديو)    حدث في مثل هذا اليوم من التاريخ الإسلامي.. في 20 يناير..    "مشاهد المعراج بين التطلعات الذاتية والضوابط العقدية"    ندوة علمية من تنظيم معهد الغرب الإسلامي بتطوان    نتائج حرب المرتدين على الواقع الديني والسياسي والاجتماعي للمسلمين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



درب المعاناة بين طولكرم والجليل!

يجرفني الحنينُ إلى أغوار ماضٍ ضبابيٍّ، تتجذرُ فيه الذاكرة، وتشقُّ صدرَ الحقيقة. ذاكرةٌ حيّةٌ تنبضُ بصخب نسْغِها. ذاكرةٌ تتفرّعُ أفنانُها باسقةً بإرادةٍ صنديدةٍ وعزمٍ لا ينكسر. ذاكرةٌ تهزُّ وتُخلخلِلُ أعمدةَ نكبةٍ، تلاعبتْ فلسفاتُها المُتنافيةُ بمصيرِ شعبٍ كان قائمًا على أرضِهِ ولم يَعُدْ، شعبٌ لاطمَتْهُ زوابعُ التاريخ والتهجير المأساويّة، وشرّدَتْهُ انتهاكاتُ الجغرافيةِ المُتوغّلةِ في الضّلال.
يُلازمُني هذا الحرفُ الصاخب، ويأبى إلّا أن يَمتطيَ الوجعَ، ليُجسّدَ شواهدَ ما اختلّتْ مَوازينُها ومَعاييرُها بعبثيّةِ الأزمانِ والنسيانِ والهَذيان. شواهدَ تبعَثها جامعةُ الخضوري شامخةً في عُلاها، مُتجدّدةً في تكريمِها لقدامى خِرّيجيها الاوائل في طولكرم، ولألتقيَ أحدَ المُكرَّمينَ الأستاذ الزراعيّ مرشد صالح سليم، في حوارٍ نابضٍ بتفاصيلِ الوجع!
حوارٌ فيهِ مِن الشجنِ واللوعةِ والحسرةِ ما يُثيرُ المَدامع، ويُؤجّجُ الذاكرةَ بصوتِ الإنسانيّةِ المَنسيّةِ، وباحتجاجاتٍ مَريرةٍ مَشلوحةٍ على هوامشِ القضيّةِ المَقصيّةِ، إنّه صوتُ الوطنِ المَكبوتِ المَكتومِ المَركونِ على سُدّةِ المُفاومضاتِ المُقوْلَبة!
بين الحاضر والماضي:
مرشد صالح سليم ولد بتاريخ 28-2-1929، في عام أزمة زيت الزيتون وشُحّه، إذ لم يَجدوا نقطة زيت ليَدهنوا بها الطفلَ الوليدَ مرشد عند ولادته. وقالَ ضاحكًا: كانَ والدي يُردّدُ بدعابةٍ: أنت يا مرشد حظّك نَحِسٌ منذ ولادتك!
تعلّم مرشد في مدرسة عبلين حتى الصف السادس، ثم في شفاعمرو حتى الصف السابع، وبعدها تابعَ في ثانوية عكّا لمدّة سنتين، ومنها انتقلَ إلى كليّة النهضة في القدس، لينتقلَ إلى مدرسة الخضوري الزراعية في طولكرم، والتابعة لوزارة المعارف الأردنية.
استمرّ التعليم لمدّة ثلاث سنوات، بعد تقديم امتحان القبول عام 1946، وكان في المدرسة ثلاثة صفوف، تلقينا دروسًا في العلوم الزراعيّة النظريّة والعمليّة، بالإضافة إلى صفّ تدريب المُعلّمين، وفي السنة التي قبلها، أدخلَ مدير المدرسة أحمد طوقان مَتريك فلسطين، كي يستطيعَ الطلاب متابعة الدراسة في الجامعة.
النكبة ونشوب الحرب والهجيج والترحال:
تخرّجنا من مدرسة الخضوري الزراعيّة في السنة الثالثة قبل الأوان، بتاريخ 20-4-1948، بسبب النكبة ونشوب الحرب، وكي نعودَ إلى قرانا قبل اندلاع الحرب وتوسُّعِها، فقدّمنا امتحان مدرسة الخضوري لنيل شهادة المدرسة نفسِها، وأيضًا امتحان متريك فلسطين، من أجل متابعة الدراسة في جامعات أوروبا، وكان المفروض أن أسافر ببعثةٍ الى أوروبا لأتابع دراستي، مثلما ذهبَ قبلي صديقي الخبير الزراعي د. عبدالله عرعر من الخليل، وقد استقرّ في الأردن، لكنّي لم أتمكّن من الذهاب، بسبب النكبة ونشوب الحرب وتدهور الأوضاع والتهجير، وقد بدأت أحداثُ النكبة نهاية عام 1947، بمذبحة قريتي بلد الشيخ، وقرى سعسع، وكفر حسينية، ودير ياسين، والعديد من المجازر، وفي نيسان أبريل 1948 كان سقوط واحتلال حيفا، فانقطعت الطريق علينا في طولكرم، ولم تعُدْ تصلنا معوناتُ الأهل.
كان في خضوري ثمانية طلاب من الجليل، وكانت الطريق من الجليل إلى خضوري في أبريل وأواخر الأيام الدراسية مغلقة، حيث سقطت حيفا في يد القوّات الإسرائيلية، ولم نعد قادرين على استلام أيّة نقود من أولياء أمورنا، ولكن كان لكلّ طالب خمسة عشر جنيها، دفعناها كتأمين عند دخولنا للمدرسة، واسترجعناها عند مغادرتها، حين قررنا السفر الى بيوتنا.
ذهبنا إلى جنين لنسافر منها الى الناصرة، عن طريق فرقة من الجيش الإنجليزي، وبسيارات إنجليزيّة تُقلّ الركّاب اللاجئين من جنين إلى حيفا، كانت تسمى كونفويconvoy ، ولكن رفض قائدها أن ينقلنا، بحجّة أنّ اليهود قد يقتلوننا إذا مررنا من العفولة، وأنّه ليس هناك طريق آخر للوصول الى الناصرة.
عندها رجعنا ثانية إلى مدرسة الخضوري في طولكرم، واتفقنا أن نسير في طريق أخرى، وهي نابلس- عمان- الشام- بيروت- عكا.
وفي االيوم التالي سافرنا إلى نابلس، وكانت معنا أوراق من اللجنة القوميّة في طولكرم ساعدتنا، إذ تشهدُ بأنّنا طلابٌ في مدرسة الخضوري في طولكرم، وأنّنا راجعون إلى قرانا في الجليل، ومن نابلس سافرنا إلى عمان، حيث واكبنا مرحلة الهجيج والترحال، ورأينا رئيس بلدية طولكرم يسير في الشارع في عمّان، ورأينا سيّارات كبيرة تحمل الناس بأغراضها وفراشها وأبنائها.
قصر رغدان:
نزلنا الى شوارع عمان للتعرف على بنيانها، والبحث عن فندق نبيت فيه، وقصدنا أن نشاهد قصر الملك عبدالله (رغدان) الذي تعلمنا عنه، وقد بُني عام 1927م في عمان، وكان موئلًا للشعراء والأدباء، فاستوقفنا في الطريق شرطيّ، أريناه أوراق الخضوري التي تثبت أننا طلاب راجعون إلى قرانا في الجليل، وكان من بيننا طالب اسمُهُ محمود الزعبي من الناصرة، وكان الشرطي زعبيًّا، فاهتمّ بنا وساعدنا، واشترينا كرتات سفر إلى الشام، وكان سعر الكرت الى الشام جنيه فلسطينيّ، ثم ذهبنا الى فندق واستأجرنا غرفًا للنوم.
في اليوم التالي صباحًا ذهبنا الى محطة الباصات، ووجدنا سيّارة باص فارغة، فرفعنا أغراضنا على ظهر الباص، وكان الكرت إلى الشام قد ارتفع سعره إلى جنيه ونصف فلسطينيّ، وفي هذه الأثناء جاءت فرقة من جنود سوريّين كانوا يحاربون في فلسطين، فاحتلّوا سيّارة الباص التي عليها أغراضنا، عندها اضطرّ صاحبُ سيارة الباص أن يُحضرَ سيّارةً أخرى، لتُقلّنا إلى الشام، وبقيت أغراضُنا على ظهر الباص الأول.
الطريق إلى عكّا تمرّ عبْرَ الشّامّ وعمّان:
في الطريق التقينا مع باص قادم من الشام إلى عمّان، فتبادل الركّابُ الباصات، ورجع بنا الباص الى الشام، وفي الطريق تعطّل دينمو الباص- المُولّدُ الكهربائيّ، فطلب سائق الباص من سائق سيّارة مُسافرة بنفس الاتّجاه، أن يسير وراءه، ويضيء الطريق أمام الباص، حتى وصلنا الى مركز بوليس درعا، وهناك توقّف سائقُ الباص حتى طلوع الفجر، وكان الطقس باردًا جدًّا والدنيا سموطة، وكان الباص مليءٌ بالمُهجَّرين وبأغراضِهم، وخاصّة من أهل يافا، فأعطونا بطانيات لنتغطّى وننام.
وفي الصباح مضى بنا سائقُ الباص الى الشام، حيث وجدْنا جميعَ أغراضنا، ولم نمكث في دمشق، بل سافرنا مباشرةً الى بيروت، واستأجرنا غرفًا لننام فيها، بعدها استأجرنا سيّارة أجرة لتنقلنا إلى عكّا، وفي الطريق بين صور وصيدا رأينا بائعًا يبيع صناديق اسكيدنيا، فاشترينا منه صندوقًا لنسدّ جوعَنا، واشترينا للأهل وتابعْنا سفرنا.
كان في السيارة طالبان من صفد نزلا فيها، وطالبٌ من عين الزيتونة وطالب من السمّوعة، نزل كلُّ واحد منهما في قريته، وعلمتُ لاحقًا أنّ أحدَهما قُتل قبلَ وصولِهِ البيت، وطالبٌ آخر من الرامة نزل في الرامة.
الوصولُ مِن بوّابة الرحيل:
حين وصلنا إلى عكّا، وجدنا أهلها يَنوون الرحيل للبنان، فنزلَ الطالب الأخير الذي كان والده بوّابَ المدرسة الثانوية في عكّا حيث تعلّمت فيها، وكان مع أسرته جامعًا فراشَهُ وحاجيّاتِه الأخرى، ومتأهّبًا للسفر الى لبنان، لأنه بالأصل مِن مواليد لبنان.
بقيت أنا والأستاذ فؤاد إيليا سعيد، فركبنا سيارة تندر مسافرة الى شفاعمرو، وفي الطريق الرئيسيّ سخنين- عكا كان جسر الحلزون مهدومًا بسبب الحرب، لكنّ سيارة التندر استطاعت أن تعبر جسر الحلزونة المهدوم، إلى أن وصلنا مفرق عبلين (اسفط عادي)، فنزلنا، ثم نقلتنا سيّارة داخلة الى عبلين.
الفقرُ يضربُ سنابلَ الشعير:
لم يبقَ مِن نقود التأمين الخمسة عشر جنيهًا إلّا جنيهان ونصف، ولمّا دخلت الدار وجدتُ والدي ووالد فؤاد بانتظارنا، وبانتظار نقودِ التأمين، مع أنهما كانا مُعلّميْن في مدارس عبلين، إلّا أنّ الأوضاع التي وصل إليها الناس والأهل كانت سيّئة للغاية، والأحوالُ مُزرية، والكثير من الناس لا يجدونَ خبزًا ليأكلوه، ممّا اضطرّهم أن يَحصدوا سنابلَ الشعير قبل أوانها، ليُنشّفوها بحرارة الشمس، ويطحنوها في مطحنة القرية، الى أن نضجَت سنابلُ القمح، وصارت جاهزةً للحصاد، فصاروا يَذهبون الى الحقول ليحصدوها.
بتوجيهٍ منّي، وأنا ما زلتُ طالبًا في مدرسة الخضوري الزراعيّة، طلبتُ من والدي أن يزرعَ حوالي ستة دونمات ونصف بالخيار بعليًّا، ولمّا عدتُ، كان الخيارُ في مرحلةِ الإزهار وقريبًا من القطاف، فصرتُ أنامُ في السهل، وأعُشّبُ الخيارَ واهتمُّ به، ولمّا لم يكن في عبلين أدوية لرشّ المزروعات، ذهبتُ الى ترشيحا في الشمال على الحدود اللبنانيّة، ووجدتُ بعضَ الكبريت الأسود، ورششتُ الخيار به، ممّا ساعدَ على حفظِهِ نوعًا ما.
موسمُ سدادِ الدّيْن:
كان سعرُ الخيار غاليًا جدًّا في حزيران 1948، كنّا نبيعُهُ في الناصرة، وكان ثمنُ كيلوغرام الخيار الصغير (إكسترا) 12 قرشًا فلسطينيًّا، والأكبر حجمًا (ألِف) بسبعة قروش ونصف، وحين كنّا نُورّدُ صناديقَ الخيار على الحمير، ارتأى صاحبُ الحِسْبَةِ مِن الناصرة أن يأتي بسيّارته الى سهل عبلين، ليأخذ الكمّيّة كلّها من الخيار، لأنّ سعرَهَ كان غاليًا، ممّا ساعد والدي في فكّ رهنيّة أرضِهِ (مارس السّوس)، والبالغة 250 جنيه فلسطينيّ، وهكذا؛ موسمُ الخيار استطاعَ أن يَسدَّ الدّيْنَ كلّهُ ورأسًا.
حين كنت في الحقل، جاءت فرقةٌ عراقيّةٌ مِن جيش الإنقاذ، كانت تُحاربُ في قرية البروة قبل تهجيرها، وكان الخيار في قمّة عطائه، فدخل الضابط بفرقته بين أثلام الخيار ببساطيرِهم، يُخفّشون الزرع ويَدوسونَهُ، فشوّحتُ لهم ولوّحتُ بيدي ليَمرُّوا مِن طرف الحقل، وليس من وسط المزروعات، كي لا يُدمّروها ويُخرّبوها، فسَحَبَ عليّ البارودة، وسحبتُ في وجهِهِ سِكّينًا صغيرة خاصّة بالتطعيم وتركيب الشجر، فدخل بيننا رجل شفاعمريّ لحلّ الخلاف وفضّه، ثمّ جلسوا وأطعمناهم مِن خيارنا.
احتلال عبلين وشفاعمرو:
في 14 تموز احتلت القوات الإسرائيلية عبلين، بعد أن احتلت شفاعمرو قبلها بيوم، وابتدأت حياة جديدة في القرية، حيث اضطرّ السكّان للهرب منها الى الضواحي، وإلى الزعتريّة، وضميدة، وسهول سخنين، وقسم تابع الى لبنان، ولم يبقَ في عبلين إلّا بعض النساء المُسنّات، وبعض كبار السن من الرجال، ولم يتبقّ من المؤونة إلّا القليل، فمضيت وبعض رجال القرية الى قرية شعب، لنُحضر بعضَ الزيت وقليلًا من المؤونة، حيث كان معي طالب صديق يتعلم في مدرسة الخضوري، وأيضًا لم تصلها القوات الإسرائيلية بعد. وفعلًا حملنا ما أمكننا، وعُدنا الى الوعر والسهول حيث الأهل المشرّدين.
في تلك الفترة احتلت القوات الإسرائيلية قرية صفورية ولوبية، اللتيْن هُجّرتا ودُمّرتا فيما بعد، وكنّا نسمع الأخبار من الراديو، وكُنّا عازمين على السفر الى لبنان، لكن خرج صوت يُنادي برجوعنا الى ضواحي عبلين، إذ ذهبت بعض شخصيّات عبلين الى صفورية تحمل أعلامًا بيضاء، وتطلب من القيادة هناك أن تسمح لهم بالرجوع الى عبلين، فسمحوا للنساء والأطفال والشيوخ بالرجوع، أما الشباب فبقوا خارج القرية، مما اضطرّني أن أتابع السير مع مجموعات الماضين الى وادي سلامة- الرامة، ورأينا أهل لوبية المُهجّرة المُدمّرة يرحلون، وهم يحملون فِراشهم على البقر. وحدَث أن كان أحدُهم يحمل بارودة والفِراش، فبَدّلها بحمار ليُحمّل عليه الفِراش.
حين دخلنا الرامة استقبلنا صديقنا نبيه الجاكي بحرارة، وكان أهل الرامة في قمّة اليأس، ومتأهّبين للرحيل، وكان جنودُ جيش الإنقاذ مُلقّحين على الأرض مُنهكين من التعب، ولكننا سمعنا في أخبار الراديو أنّ أهل عبلين ردّوا الجيش على أعقابهم خاسرين، ففرحنا وقرّرنا العودة الى عبلين، فحمّلَنا صديقنا زوادة، وصرنا ندخل إلى عبلين فرادًا وبالتهريب، ممّا حدا بالقيادة الإسرائيلية أن تُطوّق عبلين وتُداهمَ البيوت، وتَجمعَ الشباب الذين فيها، وتعتقلَ حوالي ثمانين شابًّا، أخذتهم الى المعتقل لمدة تتراوح بين 7-8 أشهر، ثمّ أفرجت عنهم.
الانتساب للحزب والحرمان من الوظيفة:
في الأشهر التي احتُلّت فيها حيفا، نزح الى عبلين بعض الشباب الذين كانوا يسكنون في حيفا ويعملون بها، وكانت لهم علاقات مع الحزب الشيوعيّ، الذي كان اسمه في ذلك الوقت عصبة التحرّر الوطنيّ، فأخذوا يوزّعون المناشير، طالبين من السكان عدم الرحيل، وقد قرأت مناشيرهم واقتنعت بها، ودخلت الى فرع الحزب الشيوعي الذي أنشؤوه في القرية، وبعدها أخذت السياسة الاسرائيلية بمعاداة الشيوعيين، ومنع الشيوعيين العرب من العمل في وظائف الدولة، ولذلك مُنعت من الوظيفة في كلّ أجهزة الدولة، سواء في وزارة المعارف أو في الزراعة، مما اضطرّني للعمل كنجّار بمساعدة أحد رفاق الحزب حتى عام 1959، وعملت أيضًا في هذه الاثناء بالزراعة البعليّة، وعام 1952 زرعنا أرضنا بالبطيخ وارتفع سعره، ممّا ساعدني على الزواج أنا وأخي المرحوم راشد.
عام 1959 عندما أدخل مشروع المياه والري الى أراضي عبلين الزراعيّة، التي غربي شارع شفاعمرو- عكا، وأيضَا إلى شفاعمرو وطمرة، هذا الأمرُ ساعدَنا على العمل في أرضنا، حيث أخذنا نزرعُها بالخضروات، وبذلك تمكنّا من العيش بكرامة.
عام 1971 توفيت زوجتي نجلاء داود التي أنجبت لي ستة أبناء، مات أحدُهم صلاح وعمره 17 سنة، بعدَ مرضٍ أصابَ صمّام قلبه، فبقي لي ثلاثة ذكور وبنتيْن، ممّا اضطرّني للزواج بامرأة أخرى، أنجبت لي ذكريْن وثلاثَ بنات، إحداهنّ لا زالت تدرس في ألمانيا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.