وصال الشيخ (*): في الذكرى الأربعين لمعاهدة الحماية الفرنسية على المغرب ب30 مارس 1912، خرج مئات من أهالي مدينة طنجة، متظاهرين ضد الحماية الدولية المفروضة على المدينة من وقتها، مطالبين بالحرية والاستقلال وإرجاع طنجة تحت الحكم المغربي. وعلى لسان بعض الحاضرين اليوم، الذين عايشوا الحدث، استمعنا لشهادة العربي الوزّاني حول أحداث المظاهرة التي انطلقت من ساحة "سوق الداخل" وصولا إلى ساحة سوق "ادّبّرّا" في 30 مارس/ آذار 1952 قائلاً: "كان عمري 16 عاماً. بالعادة، كنت أذهب كل يوم أحد لسينما الروكي (سينما الريف حالياً) لأشاهد فيلماً جديداً. وقفت برهة لمسح حذائي عند أحد الإسكافيين اليهود، فوجئت بأصوات عالية وناس يقودون مظاهرة. كانت هناك القنابل المسيلة للدموع والشرطة الدولية. هربت ركضاً باتجاه شارع "المكسيك"، فصادفت سيارة عسكر مصفّحة. ذهبت لأحد متاجر الفرنسيين لأشتري الكاز، فوجدت أحدهم يحمل السلاح مهدداً به المتظاهرين، وتعاركت معه. تلقيت ضرباً من شرطي فرنسي نقلت على إثره لمستشفى القرطبي. وهناك، شاهدت عدداً من الشهداء. لقد كان أغلب المتظاهرين يهتفون بشعارات الحرية. أذكر ذلك جيداً". تعتبر مظاهرة 30 مارس من أبرز ما شهدته المدينة بعد "زيارة الوحدة"، التي قام بها الملك محمد الخامس لمدينة طنجة في 9 أبريل 1947 وألقى خطابه التاريخي فيها مصرّاً على وحدة التراب المغربي، وعلى اعتبار طنجة جزءاً لا ينفصل عنه. في هذا السياق، يقول الباحث بتاريخ طنجة، يونس الشيخ، "دارت الأحداث يوم الأحد، خرجت المظاهرة من ساحة السوق. تسمى بساحة تشيكو أيضاً. كانت نبض الأحداث، الاقتصاد، السياسة، التهريب، الجواسيس، ومكاناً للصراعات بين المؤيدين للفرانكفونية أو لإسبانيا. بعد المظاهرة شددت الإدارة الدولية من أمنها على السكان ونشرت عيونها لحماية نفسها، ولكن بعد 1956 تنفسنا الصعداء، جاء الاستقلال، ورفعت الوصاية عن المدينة". أما الباحث في التاريخ، رشيد العفّاقي، فيقول إن "المظاهرة أو انتفاضة 30 مارس جاءت في سياقات ما بعد الحرب الثانية، كانت طنجة مقسمة بين النفوذ الفرنسي والإسباني، استغلت إسبانيا ضعف فرنسا في الحرب العالمية الأولى وأمرت جنودها باحتلال تخوم طنجة، وألغت النظام الدولي المعمول به في 1940، امتدت سيادتها على المدينة حتى 1945. بعد الحرب الثانية وانتصار الحلفاء استعادت فرنسا نفوذها بطنجة. في 30 مارس 1952 قام جزء من سكان طنجة باحتجاجات ووجهت من قبل القوات الفرنسية، وقُتل الكثير من الناس". وأردف: "تبين أن إسبانيا كانت وراء الحدث، جيشت بعض المغاربة لتملك حجة ضد فرنسا وطريقتها في تسيير المدينة"، مضيفاً: "الانتفاضة لم تكن مغربية محضة، ولكن في 1956 خرجت الجيوش الدولية من طنجة، ولكن الاتفاقية النهائية لإلغاء النظام الدولي وقعت في مدريد في 1962". شكري يتذكر أيضاً في الصفحة 118 لرواية "الخبز الحافي"، يسرد الكاتب والأديب محمد شكري أحداث 30 مارس على شكل حوار بين طرفين. نقتبس عنه "... عندما سألت في هذا الصباح التشاطو عن هذه المناسبة الوطنية قال لي بصوته الذي يخرج نصفه من فمه ونصفه من أنفه: - أنه اليوم المشؤوم! - ما معنى اليوم المشؤوم؟ ألا تعرف معناه؟ - لا -30 مارس/آذار 1912 هو اليوم الذي عقدت فيه الحماية الفرنسية مع المغرب في عهد مولاي عبد الحفيظ. اليوم، 30 مارس 1952 تمر أربعون سنة على حماية فرنسا للمغرب، لهذا صار يعتبر 30 مارس اليوم المشؤوم. - واليوم ماذا نريد نحن المغاربة من الفرنسيين؟ - نريد منهم ان يخرجوا، اليوم تنتهي عقدة الحماية. - هل نطالب أيضاً أن يخرج الإسبانيون؟". وفي فيلم وثائقي قصير، أنتجته قناة ألمانية على ما يبدو يقول شكري: "كل شيء حدث في ساحة "السوق الكبير"، وأنا كنت جالساً قبالتها في مقهى شعبي ألعب الورق مع بعض الأصدقاء. فجأة، سمعنا أصواتا ترتفع، أطللنا من نوافذ مقهى "برونا". كان هناك أناس بدأوا يصرخون بصوت عال ويشتمون الإسبان والفرنسيين، يطالبونهم بالخروج من البلد، حيث انتهى الاستعمار. كان ذلك ب30 مارس 1952. لم يكن الصراخ فقط، وقعت الفوضى وتحطيم السيارات. حضرت الشرطة وتعاركوا مع المتظاهرين واستخدموا السلاح. بعدها بلحظات وفي هذه الساحة بالضبط كان قتلى وجرحى وناس تجري. أنا ركضت كالكل. وقعت السرقات. انتبهت للساعة، كانت تشير إلى 12:45 ظهراً، والجو شتوي. ركضت باتجاه سوق "تشيكو" كي أصل القصبة. إنه يومي دمويّ. كان عدد الجرحى 7 أو 8 ولكن هذا ليس حقيقيا، لأنه عدد الشهداء أعلى. ذلك النهار، انطلقت المقاومة في المغرب... عشت هذا النهار بأحاسيس مختلفة. يوما لم أعهده من قبل، كان عمري ما بين 16 و17 عاما...". أرقام متضاربة. تفاوت عدد الشهداء في كتب التاريخ وسجلات المستشفيات والتقارير الدولية. يقول العفّاقي: "هناك من يقول 20 فرداً ولكنهم يستندون إلى سجلات المستشفيات، ولكن في الحقيقة فاق الستين شهيداً. لأنهم قتلوا ونقلوا إلى المقبرة مباشرة"، مستشهداً بقول والده الذي "رأى ثمانية جثامين تخرج من حومة مُصلّى"، إضافة إلى المذكرة الوطنية للمناضل التطواني عبد الخالق طُورّس التي وثقت 60 شهيداً، و52 جريحاً في حينها. وحصلت "العربي الجديد" على بعض أسماء لشهداء 30 مارس. أغلبهم توفوا بالمستشفى الإسباني جراء عيارات في الرأس أو البطن، منهم: محمد بن عبد السلام الفقيه الحسين (6 سنوات)، محمد بن أحمد المرابط الفيلالي (17 سنة)، محمد بن عبد الله الحسني توفي في زنقة "السيارين"، عبد القادر بن الطاهر الطيب، الطيب بن أحمد الوزاني، عبد السلام بن حمو عكرات (25 سنة)، عبد السلام بن حسن زيدان (15 سنة). يذكر يونس الشيخ أن أغلب الشهداء دفنوا في مقبرة "بوعرّاقية"، و"بوعرّاقية" مكان يعود لرجل صالح أصله من كربلاء العراق عاش في طنجة منذ 1684. بعد وفاته أوقف أرضه للمسلمين، وأصبحت في ما بعد مقبرة لشهداء آذار، إضافة لموتى ألمان على وجه الخصوص. ويقول: "لا يوجد عدد ثابت لعدد الشهداء المدفونين هناك"، مضيفاً: "وقعت توسعات قريبة من المقبرة جُمع على إثرها رفات لموتى إسلاميين ومسيحيين أيضا، لفتح شارع وبناء حديقة وفسحة في المنطقة. فعلا، في بعض مقابر للشهداء أو أعيان طنجة أزيلت نظرا للمصلحة العامة قبل ما يقارب 7 سنين. مما ساهم في تغييب لتاريخ المقاومة للمدينة.