سلّط الانقطاع الواسع النطاق للتيار الكهربائي الذي عرفته إسبانيا مطلع الأسبوع الجاري الضوء مجددا على الأهمية الاستراتيجية لمحطة "فرديوة" الكهربائية الواقعة بالقصر الصغير شرقي مدينة طنجة، والتي أدت دورا حاسما في استعادة الإمدادات الكهربائية، خاصة في الأندلس، مما ساهم في تجنّب اضطرابات اقتصادية كبيرة. وتُعتبر محطة "فرديوة" إحدى الركائز الأساسية في منظومة الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا، حيث تشكّل حلقة وصل مركزية ضمن شبكة النقل الطاقي العابرة للحدود. وتشتغل المحطة بقدرة إجمالية تصل إلى 1400 ميغاواط، موزعة على خطين كهربائيين تحت مائيين تم إنشاؤهما على مرحلتين خلال سنتي 1997 و2006. وتتم عملية الربط عبر شبكة "ريمو" (REM0)، التي تربط بين محطة "فرديوة" ومحطة "طريفة" الواقعة بجنوب إسبانيا، من خلال ثلاثة كابلات بحرية تمتد على طول 29 كيلومتراً، وتصل إلى عمق 620 متراً تحت سطح مضيق جبل طارق. المنشأة مزودة بمنظومة متقدمة للمراقبة والتحكم، تعتمد تقنيات استشعار دقيقة وأنظمة وقاية متطورة، ما يسمح بتدبير فوري وفعّال لأي خلل محتمل في الشبكة المشتركة، وضمان الاستجابة السريعة لمتطلبات الجهتين في حالات الطوارئ. ويتيح هذا الربط تبادل الطاقة بشكل مرن وآني، بما يضمن استقرار الشبكة الكهربائية في الضفتين وتفادي الانقطاعات الممتدة. وبدأ هذا المشروع الطاقي المشترك بطاقة 700 ميغاواط، قبل أن يتم توسيعه إلى 1400 ميغاواط، في أفق رفع القدرة إلى 2000 ميغاواط خلال السنوات القادمة. وقد بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 115 مليون يورو، تم تمويلها بشكل مشترك من طرف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب، ونظيره الإسباني "ريد إليكتريكا دي إسبانيا"، إضافة إلى مساهمات مالية من مؤسسات تمويل دولية، على رأسها البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الإفريقي للتنمية. ويمثل الربط الكهربائي المغربي-الإسباني نموذجاً ناجحاً للتكامل الطاقي بين ضفتي المتوسط، إذ يعزز التعاون جنوب-شمال في مجال الانتقال الطاقي، ويساهم في تحقيق الأهداف المشتركة المتعلقة بالأمن الطاقي والاستدامة البيئية. كما يُرتقب أن تلعب هذه المنشأة دوراً متزايداً في تدعيم الربط الثلاثي المرتقب بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، والذي يدخل ضمن الاستراتيجية الأوروبية لتأمين مصادر الطاقة المتجددة. ويأتي هذا الدور المحوري لمحطة "فرديوة" في سياق الدينامية المتنامية التي يشهدها التعاون الطاقي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد باستيراد الطاقة الخضراء من جنوب المتوسط، حيث يشكل المغرب فاعلاً محورياً في إنتاج وتصدير الطاقات المتجددة، لاسيما في ما يتعلق بالهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية.