بعد محمد بن سلمان..أمير قطر يستقبل الهمة وبوريطة    أخنوش يستعد لعقد لقاءات مركزية وجهوية من أجل تنزيل الاستراتيجية الفلاحية الجديدة “الجيل الأخضر 2020-2030 “    بوتين لا يستخدم الهاتف الذكي ويصف التلفون القديم ب "الطيب" !!    طاحت الصمعة علقوا المدرب …فريق المغرب التطواني يقيل مدربه أنخيل فياديرو…    سيتين إلتقى بغوارديولا عقب فوز السيتي على ريال مدريد.. 4 أيام قبل "الكلاسيكو"!    كأس العرب للشباب | المنتخب الوطني يصطدم بتونس في "المربع الذهبي"    إدارة الوداد تستقبل وفد النجم الرياضي التونسي    طنجة : كاميرات المراقبة تطيح بمتورط في السرقة من داخل محل تجاري    “الصحة”: لا نراقب كل القادمين عبر المطارات والموانئ للكشف عن كورونا وفق مدير مديرة علم الأوبئة    انتبهوا : كل من نشر أخبار زائفة حول فيروس كورونا في المغرب سيتعرض للمساءلة    33 قتيلا في هجوم لهندوسين على مسلمين بالعاصمة الهندية أكثر من 200 جريح        دول جزر المحيط الهادي تشيد بريادة الملك من أجل تعزيز التعاون جنوب-جنوب    "ترامواي" يتسبب في وفاة موظفة بالدار البيضاء    سعيدة شرف تشعل ملف “حمزة مون بييي” بشكاية جديدة    صدور العدد 11 من المجلة الدولية المحكمة أبحاث معرفية عن مختبر العلوم المعرفية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بالمغرب    حقيقة رفض حسني مبارك فيلما من بطولة عادل إمام    فيروس "كورونا" ينهي حياة سفير إيراني سابق    اتهامات "بيع الماتش" تلتصق ب"تشرذم نقابي" أمام الوزير أمزازي    كورونا يضرب بقوة في إيران.. وفاة السفير الإيراني لدى الفاتيكان بعد إصابته بالفيروس    السلطات الأمنية بتطوان توقف شابا لادعائه وفاة شخصين بسبب فيروس كورونا    العثماني: ترويج أخبار كاذبة بشأن "كورونا" ممارسات "غير معقولة"    «القانون الجنائي» هل «سيفجر» حكومة العثماني فعلا؟ الدكتور نور الدين مضيان: الحكومة مسؤولة عن تجريد القوانين من قيمتها الحقيقية وإدخالها في «الثلاجة»    الدولة تسرع إجراءات احداث منطقة تجارية بالفنيدق تفعيلا لتوصية اللجنة البرلمانية    هذه خصائص و مميزات “البيرمي” والبطائق الرمادية الالكترونية الجديدة    بنشرقي وأوناجم يتصدران قائمة الزمالك لمواجهة الترجي    " التأويل العقدي بين ثوابت العقلانية وسمو الروحانية في المنهجية الغزالية"    مندوبية التخطيط: اغلب العاملين بالمغرب لا يتوفرون على عقد عمل    محددات معدلات الفائدة    بسبب «كورونا» الدولار الأمريكي يتراجع    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    إحباط محاولة تهريب مخدرات في "طنجة المتوسط"    مصرع جندي وإصابة 4 آخرين بثكنة الحاجب العسكرية اثر انفجار قنبلة    طنجة .. العثور على جثة جنين بالقرب من سيارة    قضية الصحراء.. مجلس النواب الإسباني يدعو إلى "حل عادل ودائم ومقبول"    قتلى ومصابين في إطلاق نار بمدينة ميلووكي الأمريكية    النقابة الوطنية للصحة تستنكر نهج وزارة آيت الطالب “سياسة التقشف والترقيع” وتدعو لوقفة احتجاجية السبت المقبل    ابن الرئيس الجزائري ينال البراءة في قضية فساد    جميعا من اجل النهوض بالتراث المحلي وفق مقاربة تشاركية لتنمية مستدامة ومندمجة    رئيس صيادلة المغرب لRue20 : الكمامات الطبية الواقية من كورونا نفذت من الأسواق !    وزارة الصحة: التحاليل تكشف سلامة 19 مغربيّا من "فيروس كورونا"    وزارة الصحة تقصي وسائل إعلام وطنية من ندوة صحافية حول فيروس “كورونا”!    فاتي جمالي تكشف كواليس الاستماع إليها من قبل الفرقة الوطنية في قضية “حمزة مون بيبي”    القفاز المغربي حاضر بأٍربع ملاكمين بأولمبياد طوكيو 2020    كونفدرالية إسبانية تدين الهجوم على شاحنة مغربية    مجموعة OCP تطلق المحطة التاسعة من آلية “المثمر المتنقل” بشفشاون    مباراة الموسم    “سويز” تفوز بعقدين لتدبير نفايات رونو و “ب س أ” ب 17,6 مليون أورو    البرلمان التونسي يمنح الثقة لحكومة الفخفاخ    «الجسد في المجتمعات العربية » ضيف السيدة الحرة بالمضيق    قصة قصيرة : «أمغاري»    من تنظيم شعبة القانون العام بجامعة الحسن الأول بسطات .. ندوة علمية حول «النموذج التنموي الجديد: قراءة في السياق وسؤال التنمية بالمغرب»    السعودية تُعلّق دخول المملكة لأداء مناسك العمرة بسبب فيروس “كورونا”    لحظة هروب دنيا بطمة من أمام مقر الشرطة بعد اعترافات عائشة عياش    خَطَأُ الْفَقِيهِ أَحْمَدَ الرِّيسُونِيِّ!    المرابط: الاستغلال السياسي و"القراءات الأبوية" وراء مشاكل الإسلام    مقاطعة بالدارالبيضاء يترأسها البيجيدي تنصح المواطنين بالوضوء لتجنب فيروس كورونا !    عرض خاص وغير مسبوق لوكالة الأسفار Morocco Travel بتطوان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لحسن حداد يكتب.. النموذج التنموي المغربي: فترة ما بعد الاستقلال
نشر في العمق المغربي يوم 05 - 12 - 2017

مغرب ما بعد الاستقلال تميز بكون التنمية صارت لصيقة بالوضعية السياسية العامة والتي كانت لازمتها الأساسية هي الصراع حول السلطة ما بين القصر والحركة الوطنية وكذا بالوضعية الدولية آنذاك والتي تميزت بالحرب الباردة والتقاطعات الإيديولوجية التي رافقتها والتي لم يكن المغرب في منأى عنها. ثلاث رؤى للتنمية تعاقبت وتداخلت فيما بينها في موازاة مع التقلبات السياسية منذ الاستقلال إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي وأعطتنا إرهاصات لنماذج متضاربة ومتقاطعة فيما بينها.
أولها، بناء صرح ما يمكن تسميته عموما "الدولة الوطنية" (عمليا وسياسيا ما بين 1956 و 1962 رغم أن تداعيات سياساتها امتدت إلى 1980 كما سنرى) وهي فترة شهدت فتح أوراش برامج البنية التحتية التشاركية وإقامة صرح المؤسسات الاقتصادية والإدارية، فيما تم وضع أول مخطط خماسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (1960-1964) ومباشرة عملية طموحة للإصلاح الزراعي. تميزت هذه الفترة بالحروب السياسية القوية فيما بين التيارات الوطنية واليسارية وفيما بينها وبين وتيارات محافظة وليبرالية قريبة من القصر وخصوصا من الحسن الثاني، حين كان وليا للعهد وحين أصبح ملكا.
التنمية القروية كانت هي الشغل الرئيسي للقوى السياسية آنذاك. الإصلاح الزراعي كان مدخلا أساسيا للتنمية القروية (والتي كانت تهم آنذاك 70 % من المغاربة) ولكن الصراع على السلطة جعل الإصلاح رهينا بحسابات من سيتمكن من تأطير "الجماهير القروية" مستعملا جدلية السلطة والأرض (كما بين ذلك الجغرافي وعالم الاجتماع محمد الناصري في كتاب غريغوري لازاريف، "السياسات الزراعية بالمغرب 1956-2012). الحركة الوطنية (خصوصا التيار اليساري) كانت تهدف من خلال المخطط الخماسي 1960-1964 إلى خلق "بنيان جديد للاستغلال الزراعي في البوادي عبر تعاونيات للفلاحين الصغار" يمتلكون الوسائل الضرورية للإنتاج من ماء ومكننة وبذور محسنة…(رضا محسين وسامي لقماهري، "الإصلاح الزراعي المستحيل"، مجلة زمان).
لذلك ركزت على استرجاع الأراضي من المعمرين (مع منع بيعها في إطار تعاقدات تجارية مع الفلاحين الكبار المغاربة) وتوزيع أراضي الحبوس والكيش والدولة على الفلاحين الصغار، ونزع الأراضي ممن تعاونوا مع الاستعمار، ووضع سقف لمساحة الاراضي التي في حوزة كبار الفلاحين. الصبغة المسيطرة على نظرة الحركة الوطنية للإصلاح الزراعي هي التأميم والتوزيع والتجميع وخلق اقتصاد تعاوني. ولكن تجربة "عملية الحرث الجماعي" التي دامت بين 1957 و1960 والتي كانت تهدف إلى مكننة الأراضي في إطار تدبير من طرف "الجماعة" كبنية تقليدية (وهي فكرة أسس لها جاك بيرك في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي كوسيلة لتأطير الفلاحين الصغار الذين أهملتهم السياسات الزراعية لسلطات الحماية) والتي تبنتها الحركة الوطنية والملك محمد الخامس باءت بالفشل وأعطت أصحاب فكرة التأميم والتوزيع والتجميع طعما أوليا حول تحديات الإصلاح الزراعي كما تصورته الحركة الوطنية. آنذاك كان النموذج المسمى "اشتراكيا" مغريا ولم يكن أحد يتصور أن الصين كانت تعيش آنذاك النتائج الكارثية لمغامرات ماو، ولا زال المنشقون الروس لم يفضحوا بعذ فظائع ستالين.
في المقابل نجد تصورا من نوع آخر لدى الملك الحسن الثاني مدعوما بالتيارات المحافطة والليبرالية وكبار الفلاحين ويتمثل في وضع حد للملكية الدائمة للأراضي بالنسبة للمعمرين، وتوزيع الأراضي المسترجعة ابتداءا من 1966 و بعد المغربة في 1973، مع الحفاظ على حقوق الفلاحين الكبار ومباشرة إصلاح تقني يهدف إلى دعم الري وبناء السدود والمكننة وتوجيه الفلاحة العصرية نحو التصنيع والتصدير. النتيجة هي إدخال تحسينات على البنيات التي ورثت من الاستعمار دون إيقاع الخلل بالثنائية التي تحدث عنها لازاريف والناصري وباسكون وغيرهم بين قطاع فلاحي عصري متطور ومنتج وبين قطاع تقليدي متشرذم لم يعرف التطور على مر العقود. بعد إعلان حالة الاستثناء تمت مباشرة عملية توزيع الأراضي وكأني بها محاولة لتوطيد العلاقة بين العرش والبادية في مواجهة المعارضة؛ نفس الشيء في 1973، حيث المغربة وتوزيع الأرراضي أعطت نفسا لنظام الحكم الذي كان قد تأثر بمحاولتي انقلاب وشبه ثورة في الأطلس.
ما يهم في فشل الإصلاح الزراعي هذا، كأول محاولة لخلق تنمية قروية، هو أن التنمية بقيت حبيسة حسابات سياسية حول من يؤطر البوادي خصوصا في ظل تقاطع بين تأثير القوى الوطنية على الحواضر وبقاء البادية خزانا لدعم سياسات وشرعية المخزن (ريمي لوفو، "الفلاح المغربي كمدافع عن العرش"، 1976). هذا مثال من عدة أمثلة تم تغييب الإنسان العادي فيها (الفلاح الصغير الذي كان ولا زال يعيش ظروفا صعبة) في إطار سياسات تنموية طابعها الأساسي هو الصراع السياسي والإيديولوجي والذي تفننت فيه النخبة المغربية بشقيها الوطني والتقدمي من جهة والمحافظ والليبرالي من جهة أخرى منذ فجر الاستقلال إلى التسعينيات من القرن الماضي.
ثانيها، وضع أسس الدولة المركزية اليعقوبية (1962-1983) تمكن فيها المغرب من خلق إدارة قوية ومركزة وتكوين نخبة من البيروقراط لتسيير دواليب الدولة والأقاليم. ما يهم بالنسبة لمسار التنمية هو أن هذه الأخيرة كانت تستعمل لخدمة الهدف الأسمى ألا و هو قوة الدولة المركزية وهيبتها كما هو الحال بالنسبة لعملية مغربة الأراضي في 1973-1980 والتي تم من خلالها توزيع حوالي 300 ألف هكتار على الفلاحين أو دعم الصناعة الوطنية (وحمايتها عبر وضع القيود على الواردات) وتحفيز القطاع الخاص ابتداءا من أواخر الستينات وتشجيع الاستثمار وسياسة التصدير في أوائل السبعينيات أو دعم دور الجامعة ومراكز البحث أو دعم سياسة التشغيل خصوصا في القطاع العام على مر عقدين من الزمن.
ولكن بناء الدولة المركزية كانت لها كلفتها على مسار التنمية كذلك: حالة الاستثناء لمدة اثنى عشرة سنة من 1965 إلى 1977 عطلت النفحة الديمقراطية التي عاشها المغرب منذ الاستقلال؛ التخلي عن سياسة تعميم التعليم في أواسط الستينات لاعتبارات مالية وأيديولوجية فوت على المغرب القضاء نهايئيا على الأمية والجهل قبل حلول التسعينات من القرن الماضي؛ و"أسلمة" وتعريب المنظومة التربوية لمواجهة تنامي الحركات اليسارية المعادية للنظام (وليس لاعتيارات تربوية محضة) عجل بانحدار التعليم إلى الأسفل منذ عقد الثمانينات.
ثالثا، التقويم الهيكلي (1983-1995): التقويم الهيكلي كان ضروريا ولا مفر منه لاسترجاع قدرة الدولة على تمويل وتدبير عجلة الاقتصاد وقضايا المجتمع . أعطت التوزانات الماكرواقتصادية المسترجعة المغرب القدرة على مباشرة برنامج الخوصصة وجلب مستثمرين أجانب، والقيام بالإصلاحات الهيكلية على المستوى الجبائي والمالي وإعطاء دفعة لسوق الأموال على مستوى البورصة وسندات الخزينة في عقد التسعينات (الريغانية أصبحت عقيدة يؤمن بها الكثير آنذاك)؛
ولكن خفض الاستثمار في التعليم والصحة ورفع الدعم عن بعض المواد الأساسية أثر سلبا على التنمية البشرية وعلى مستوى عيش المواطنين في الثمانينات (إبان مخطط التقويم الأول)؛ أضف إلى هذا أن معدل النمو انخفض من 5 % في أواسط الثمانينات إلى 2٪ بعد 1988 (أي بعد استعادة التوازنات) ولم ينم قطاع الصناعة بالشكل الذي كان منتظرا (حسب تقرير البنك الدولي لسنة 1995) ولم يكن الاهتمام بقضايا الفقر في التسعينات موفقا بالشكل المطلوب. أضف إلى هذا أن سياسة التطهير (1995-1996) واالتي كان الهدف منها محاربة تهريب الأموال إلى الخارج أحدثت العكس لدى رجال الأعمال أي عدم الثقة والخوف من الاستثمار وتجنب المغامرة. هذا يعني أن التقويم الهيكلي مكن المغرب من استرجاع زمام المبادرة فيما يخص القرار الاقتصادي والمالي ولكن فاتورته التنموية كانت كبيرة ومهمة.
الإرهاصات الأولى للتفكير الجدي في التنمية البشرية ومحاربة الفقر (برنامج الأولويات الاجتماعية مثلا) وإصلاح المنظومة التربوية ومراقبة مؤشرات وفيات الأمهات وقت الولادة ووفيات الأطفال دون سن الخامسة أتت كلها في إطار تقييم سياسة التقويم الهيكلي، وبداية صدور تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية (كما رأينا من قبل نتيجة تأثير مفكرين أمثال أمارتيا سين) وإعادة النظر في دور البنك الدولي على مستوى التنمية البشرية ومحاربة الفقر.
جالمعادلة الصعبة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية منذ أواسط التسعينات بالنسبة للمغرب هي التوفيق بين ضرورة الحفاظ على التوازنات وضرورة سن سياسة إرادية فيما يخص التنمية البشرية. الإيمان بدأ يتبلور في هذه الفترة على أن نسقا ماكرواقتصاديا مقبولا سيشجع الاستثمار والنمو وخلق الثروة ومناصب الشغل ويرفع من قدرة المواطنين والدولة على تحمل مصاريف التربية والصحة والحماية الاجتماعية ومستوى عيش لائق للجميع.
هذا ما سيميز النموذج الذي برز مع العهد الجديد (ابتداءا من 1999). ولكن نموذج ما بعد الاستقلال هو الذي أسس القاعدة الصلبة للإصلاحات التي باشرها الملك محمد السادس منذ حوالي ثمانية عشر سنة. فقط لو أن الإصلاح الزراعي تم بطريقة عقلانية تتوخى إعادة التوزيع في إطار احترام المبادرة الخاصة والملكية الخاصة مع تشجيع التعاونيات وعمليات التجميع والعصرنة، ولو أن المغرب استمر في سياسة تعميم التعليم، ولو لم تتم عمليتي هندسة "أسلمة" و "تعريب" قيصريتين على المنظومة التربوية، ولو لم تدم حالة الاستثناء إلا بضع سنوات فقط، فإن المغرب بإدارته القوية، وجامعاته التي كانت نموذجا للإنتاج الفكري والعلمي، وبرنامج التخطيط العائلي الناجح الذي سلكه، وسياسة السدود التي وضعها الملك الحسن الثاني، وتعدديته السياسية، وسياسة الخوصصة التي سنها، والإصلاحات الهيكلية التي وضعها، كان سيكون أقوى وأحسن لمواجهة التحديات الكبرى التي طرحت إبان العهد الجديد كما سنرى في مناسبة مقبلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.