"البام" يعلن الاستعداد لتصدر الانتخابات .. المنصوري: قرار أخنوش شخصي    العجز التجاري تجاوز 353 مليار درهم سنة 2025    جدل نهائي مونديال 2030 .. رئيس الاتحاد الإسباني يتراجع عن تصريحاته    بالتفاصيل والصور: قمة أمل تيزنيت والمغرب التطواني تنتهي بالتعادل    تدابير وقائية بآيت داود ضد السيول    توقيف ستة أشخاص بطنجة وتفكيك شبكة للتهريب الدولي للمخدرات    السلطات الفرنسية تشدد المعايير الصحية الخاصة بحليب الأطفال بعد مخاوف من تلوث مكوناته.. فما موقف المغرب؟    الاضطرابات الجوية تفرض ترتيبات استباقية وقد تؤدي إلى تعليق الدراسة بعدد من جماعات إقليم الحسيمة    رصيف الصحافة: الجزائر تحصد الفشل في "فصل المغرب عن إفريقيا"    تقرير: ماسينا خارج حسابات "تورينو"    تنديد نقابي ب"الاختلال المنهجي" في معايير اختيار مدير وكالة التنمية الاجتماعية    عجز الميزانية يتجاوز 61 مليار درهم    "فيضان القصر الكبير" يعيد إبراز الأدوار الإنسانية للقوات المسلحة الملكية    ازيد من 1500 مستفيد في الحملة الطبية متعددة الاختصاصات بأملن    الإعلان عن تدابير استباقية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب مياه واد سبو بإقليم سيدي قاسم    صفية الزياني تنتقل إلى رحمة الله    رحيل بطلة "وحدي في المنزل" كاثرين أوهارا    كأس أمم إفريقيا 2028 .. إثيوبيا تدخل المنافسة رغم غياب الملاعب    بنسعيد: القوانين الانتخابية قطعت مع الفساد واستعمال المال في السياسة    هذه هي مقاييس الأمطار المسجلة خلال ال 24 ساعة الماضية    سفارة فرنسا بالمغرب تعزّي في وفاة الفنان عبد الهادي بلخياط    خبر عاجل ،، المكتب الوطني للسكك الحديدية يعلن مجانية التنقل عبر القطار انطلاقا من مدينة القصر الكبير إلى كل الاتجاهات    روسيا تقصف منشآت للنقل بأوكرانيا    تسرُّب -فيروس الغباء الجزائري- إلى بطولة أمم إفريقيا (الجزء الثاني)    مراكش تحتضن الدورة ال31 لأسابيع الفيلم الأوروبي    تصريف مياه سد الوحدة يوقف حركة القطارات بين سيدي قاسم ومشرع بلقصيري    "النهج": فيضانات الشمال نتيجة مباشرة لتراكم عقود من الإهمال و"للتدبير الريعي" للبنية التحتية    دوري أبطال إفريقيا.. الجيش الملكي يسعى لإحياء آماله ونهضة بركان للصدارة    آس الإسبانية: ازدحام الخيارات يعقد حسم الجناح الأيمن في ريال مدريد    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    عبد الهادي بلخياط.. سيرة تختزل "قطار الحياة" وتتطلع الى "القمر الأحمر"    غارات إسرائيلية تخلف قتلى في غزة    544 رحلة سياحية و1.8 مليون راكب عبر ميناء شانغهاي في عام واحد    الدرهم يرتفع ب1,5 في المائة مقابل الدولار ما بين 22 إلى 28 يناير    ناسا تؤجل أول رحلة مأهولة للقمر ضمن برنامج أرتيميس        النفط يقترب من أعلى مستوياته في 6 أشهر    534 عاماً مرّت على سقوط آخر معاقل الإسلام فى الأندلس    "عصبة الكرة النسوية" تصدر عقوبات    النمسا.. توقيف مشتبه فيه متورط في التخطيط لاعتداءات إرهابية بالتعاون مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني    بنكيران يدعو أعضاء "البيجيدي" إلى التزام الصمت بعد إدانة بلقايد في ملف "صفقات كوب 22"    من طنجة إلى جبال الأنديز.. الدور المغربي في دعم حركات التحرر بأمريكا اللاتينية خلال القرن التاسع عشر    القمع يمتد إلى المستشفيات في إيران    السياحة المغربية تسجل عائدات قياسية بلغت 138 مليار درهم في 2025    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    غوتيريش يحذر من "انهيار مالي وشيك" للأمم المتحدة    الجديدة تحتضن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني لفنون السيرك    هل تحتاج خوارزميات الذكاء الصناعي إلى شيء من "الهشاشة الإنسانية"؟    آبل تعلن عن إيرادات قياسية مع ارتفاع مبيعات هاتف آيفون في الصين    «ألفاجينوم»: ذكاء اصطناعي لتحديد العوامل الجينية المسبّبة للأمراض    متوسط العمر المتوقع يبلغ أعلى مستوى في أمريكا        إصابتان بفيروس "نيباه" في الهند وسط تحذيرات صحية.. ماذا نعرف عن المرض؟    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فضائح الغش في امتحانات الكفاءة المهنية
نشر في العمق المغربي يوم 23 - 05 - 2019

الإنصاف وتكافؤ الفرص، مجال من مجالات رافعات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي، لكنه يَصْطدم بواقع مَرير، يَضرب عَرض الحائط هذه الحزمة من الشعارات الرنانة المخالفة للتوجهات المُجَسدة على الأرض، حيث يكفي تسليط الضوء على فضائح الغش التي تغزو مباريات الكفاءة المهنية لمختلف الفئات المشتغلة بقطاع التربية الوطنية، لنكتشف ممارسات للغش والتدليس في نطاقها الواسع،حيث أقل ما يقال عنها أنها مُشينة ومُخْجلة وجد مسيئة للقطاع، من طرف أطر يُفترضفيها قيادة الإصلاح والرفع من جودة التعليم والتدبير الاداري والارتقاء بالفرد والمجتمع.
هذه الممارسات هي في عُمقها مَظاهر لأزمة قِيم مُجتمعية، مُتَجذرة ومُتَرسخة في بنية المجتمع، قد تحتاج إلى دراسات أكاديمية، لمحاولة فك شفراتها، لما تحمله من تناقضات عصية على الاستيعاب، تتلخص في رفع شعارات تربوية وأخلاقية لا تجد ترجمتها في سلوكيات والأفراد والجماعات ولا في قناعاتهم، بلفقط التسلح بالغش كثقافة شعبية براغماتية، “الكل ينهب ويغش” كقيم لسموم خبيثة للوصولية والانتهازية لإدراك غايات نفعية.
في شكلها الظاهري، فإن مجريات امتحانات الكفاءة المهنية تمر في ظروف عادية، بدءا باحترام أوقات الدخول والخروج من القاعات، مرورا بضبط لوائح الحضور والغياب، وكذا زيارة لجان المراقبة، وصولا إلى تجميع أوراق التحرير وتحرير المحاضر والتقارير، التي في جانب كبير منها تفتقد للدقة وتنأى عن الموضوعية.
لكن من حيث المضمون، فما يجري داخل فصول الامتحان، ليس في حقيقته سوى مهازل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تتجلى في سيادة شتى أساليب الغش والتدليس البشعة، تأخذ شكل استعمال المترشحين المدججين بالهواتف النقالة، و”الحروزات”، والكتب والمراجع، فتتحول بذلك الفصول إلى قاعات للمناظرات وتبادل النقاشات والحوارات جلوسا ووقوفا، وجيئة وذهابا،وتحت أنظار وأعين مراقبين، ربما قد يكونوا مروا، هم أنفسهم من نفس التجربة، وتَرَقى بعضهم بنفس الطريقة، وإذْ يقتصر دورهم على الإشعار المُبكر كُلما اقترب مسؤول بالمرور أمام قاعة الامتحان.
وسَينتهي العرض المسرحي، لما يسمى بالامتحانات التي تقيس كفاءة الموظفين والموظفات، وسَيَرجع المترشحون والمترشحات إلى مقرات عملهم، سالمين مُتَرَقبين ومُنْتظرين باكورة مجهوداتهم الجبارة، ومخرجاتهم العلمية، وما أبدعته عقولهم من أساليب التركيب وفنون التحليل والاستنتاج، للحصول على النقط المضمونة، ويكون بذلك النجاح مضمونا، وبالتالي الامتحان ما هو في جوهره سوى تمرينات بسيطة للخط والنقل والاملاء ، وعليهربما يكون إلغائه من الأصلخيارا موضوعيا بالنظر إلى انتفاء مبررات وجدوده كأسلوب حضاري للتكوين والترقي، وصار مرتعا لتفريخ الفشل.
هذا المشهد هوفي حقيقته نوع من الاجهاز على مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحينووصمة عار على جبين مكونات وأطر القطاع التعليمي، وعلى جبين الوطن ومستقبل أجياله.
ربما أن الأجهزة الوصية لا يجب أن تكتفي بتعزيز ترسانتها القانونية لمحاربة ظاهرة الغش فقط في صفوف تلاميذ الباكالوريا، من خلال إجبارهم على توقيع التزامات للشرف مصادق عليها،وكذا القيام بحملات تحسيسية في صفوفهم،فضلا على تجهيز مراكز الامتحانات بكاميرات المراقبة وأجهزة السكانير الكاشفة لتواجد الهواتف النقالة،بل يجب أن يشمل ذلك جميع مباريات الكفاءة المهنية لمختلف أطر وأعوان وفئات موظفي الدولة بالقطاع.
لابد هنا من الإشارة إلى أننا لا نبخس من قيمة ومجهودات بعض الشرفاء والمُجِدين من المترشحين والمترشحات على قلتهم، الذين يختارون من النزاهة والصدق والشفافية والاعتماد على النفس عنوانا وسلوكا في اجتيازهم للمباريات، ويشكلون استثناءات من القاعدة العريضة.
ظاهرة الغش المتفشية، تضرب في مقتل مختلف محطات عمليات التقويم والامتحانات، وتهدد بذلك نظام التقويم ومصداقية الاستحقاقات والشهادات، على الرغم من توافر ترسانة قانونية، تعتبر الغش والخداع في المباريات بمثابة جنحة يعاقب عليها القانون بعقوبة سجنية، كما يؤدي إلى بطلان ما يحتمل من نجاح في المباراة أو الامتحان المرتكب فيه الخداع، ويعرض صاحبه أيضا إلى اتخاذ إجراءات تأديبية.
من جانب آخر، هناك الظهير الشريف رقم 1.58.060 المتعلقبزجر الخداع في الامتحانات والمباريات العمومية، فضلا عن مذكرات عدة صدرت بهذا الشأن، منها المذكرة الوزارية رقم2. 116 بتاريخ 16 غشت 1989، والمذكرة الوزارية رقم 3/99 بتاريخ 8 مارس 1988.
ويمكن القول، بأن الظهير الشريف ليونيو 1958، هو أهم مرجع قانوني لمحاربة الغش، وتنبني عليه المذكرات والتوجيهات الخاصة بالغش في الامتحانات، فالفصل الأول من الظهير، يؤكد على أن من مارس الغش تتراوح عقوبته من شهرين إلى ثلاث سنوات حبسا وغرامة مالية من 120 درهما إلى12.000درهم أو بإحدى العقوبتين.
يبدو أن هذه الترسانة من القوانين لا تجد طريقها للتفعيل والتنزيل على أرض الواقع، وبالتالي فإننا مدعوون للتساؤل عن غياب إرادة الإصلاح، وعن استحضار الوازع الأخلاقي قبل كل شيء، لأن الظاهرة في حد ذاتها فردية قبل أن تكون جماعية، وتستدعي التزام أخلاقي اتجاه الذات واتجاه الآخرين.
نرجو أن تنكب الجهات الوصية، على المراجعة الشاملة لنظام الترقي للحد من هذه الفوضى والعبثية، وأن تتخذ إجراءات مستعجلة، من أجل الحد من الغموض الذي يكتنف الإعلان عن نتائج مباريات الكفاءة المهنية، عندماتتجنب نشر نقط الناجحين علانية سواء في الاختبارات الكتابية أو الشفوية، وكذا التفكير في تكليف جهات مستقلة عن القطاع من أجل تنظيم تلك المباريات رفعا للالتباس، إضافة إلى تجريم تلك الممارسات، وإلا فإن هذه المنظومة لن تنتج في نهاية المطاف إلا أطر، لا كفاءة لأصحابها، ولا تعكس درجاتهم البتة حقيقة تكوينهم ومؤهلاتهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.