بيعة الخوارزمية    الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المغربية – المصرية.. السيد أخنوش يحل بالقاهرة على رأس وفد وزاري    "أشبال الأطلس" يتوجون ببطولة شمال إفريقيا بالعلامة الكاملة    بوخنفر يبرز أثر التدخل الاستباقي للحكومة في احتواء صدمات الشرق الأوسط    ترامب يرى "فرصة جيدة" للتوصل إلى اتفاق مع إيران الاثنين    الثلاثي المغربي يسطر التاريخ مع أيندهوفن في ليلة التتويج بالدوري الهولندي    وفاة الدبلوماسي المغربي السابق عزيز مكوار    إيران تلوح بإغلاق "باب المندب" إلى جانب "هرمز"        أخنوش: الحكومة استكملت برنامج تأهيل 1400 مركز صحي في مختلف مناطق المملكة    غضب نقابي بعد الاعتداء على أستاذ من طرف أسرة تلميذ بضواحي الحسيمة    بعد اضطرابات لوجستية .. انفراج في انسيابية الحاويات بطنجة المتوسط        وقفة احتجاجية بمراكش تطالب بالتحقيق في فساد مشروع المحطة الطرقية الجديدة    بيتيس يضع أمرابط ضمن أولوياته ويخشى ارتفاع قيمته بعد المونديال    الحوار الاجتماعي يعلّق اجتماعات اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد بالمغرب    انخفاض كبير في مفرغات الصيد الساحلي بالحسيمة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين    "فسيفساء العالم" بالرباط: جامعة محمد الخامس تحتفي بتعدد الثقافات وتحوّل الحرم الجامعي إلى فضاء للحوار الكوني    خسائر مادية جسيمة جراء هجوم إيراني على مرافق شركتين تابعتين لمؤسسة البترول الكويتية    غياب الأطر الطبية يعطل مصلحة الطب النفسي بالحسيمة    انقلاب مروع على طريق أوزود يخلف 16 مصابا بينهم أطفال ويعيد دق ناقوس خطر السلامة الطرقية    لامين يامال يخطف الأنظار ويؤكد تربعه على عرش مواهب أوروبا        رياح قوية بالغبار تضرب عدة أقاليم    "مايكروسوفت أيه آي" تعلن إطلاق ثلاثة نماذج أساسية للذكاء الاصطناعي    الداخلية الليبية ترحل مهاجرين مغاربة    السنغال تعلق سفر وزرائها إلى الخارج في ظل الصعوبات الاقتصادية    أزمة "كان 2027" تربك الكاف... والمغرب يبرز كطوق النجاة الوحيد    إيران تعلن تدمير 3 طائرات أمريكية خلال مهمة إنقاذ الطيار    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    عون يدعو إلى مفاوضات مع إسرائيل    أنفوغرافيك | ⁨تراجع أسعار الواردات ب 4.6% وارتفاع طفيف في الصادرات نهاية 2025⁩    توقيف مشتبه فيه في محاولة قتل بشعة بالدار البيضاء بعد مطاردة أمنية انتهت بمشرع بلقصيري    جوائز سوس ماسة للاستثمار: تكريم رواد الأعمال وتعزيز جاذبية الجهة الاقتصادية    الدارالبيضاء تحتضن النسخة السابعة من "Her day for Her" بمشاركة شخصيات نسائية بارزة    العدول يعلنون إضرابا مفتوحا ووقفة وطنية احتجاجا على مشروع قانون المهنة    دراسة تحذر: "مؤثرون" يروجون معلومات طبية مضللة مقابل المال    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية    استنفار تربوي بالحسيمة لمواجهة شبح الهدر المدرسي    ترجيست .. دعوات لتعزيز التنمية المحلية خلال افتتاح مقر للاتحاد الاشتراكي    النصيري يواجه شكوكا حول مشاركته المقبلة مع الاتحاد    رحيل مفجع للكوميدي شوقي السادوسي يخلّف حزناً كبيراً في الوسط الفني.        بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الأسبوع على وقع الارتفاع    الفلسفة اختصاص فوق المذاهب والفرق    "مسرح أبعاد" يمتع بعرض "نيكاتيف"    بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    دراسة حديثة: العمر البيولوجي مفتاح صحة الدماغ وتقليل خطر السكتة    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المصالح المرسلة وبناء المجتمع الإنساني
نشر في العلم يوم 15 - 05 - 2009

من المقرر منهجيا أن الرؤية الشاملة الجامعة والمقارنة بين عدة مجالات أو نظريات علمية، قد تبدو لأول وهلة متباعدة، تؤدّي إلى نتائج باهرة. إن المنهج المقارن، سواء في الأدب أو الفكر، يُولّد أفكاراً جديدة، ويكشف عن مناطق وملامح مشتركة لولاه لما تم الكشف عنها.
كتاب «المصالح المرسلة وبناء المجتمع الإنساني الشاطبي ت: 790 - ابن خلدون ت: 808 نموذجين» الصادر مطبعة المعارف الجديدة في الرباط (2009)، إنجاز علمي قَيِّمٌ على هذا الطريق الدقيق المثمر. فالنتائج والخلاصات التي توصَّل إليها الدكتور إدريس حمادي (أستاذ مادة أصول الفقه) المؤلِّف لم تكن مجرد ملاحظات أوّلية أو أفكار مسبقة، بل جاءت ثماراً ناضجة لمنهجية مقارنة متأنّية بين المنظومتين الفكريتين لكُلٍّ من الإمام أبي إسحاق الشاطبي، والعلامة ابن خلدون.
وأهم استنتاج وصَل إليه د. إدريس حمادي هو أن العالميْن معاً يمتحان من علم أصول الفقه - وهو علم إسلامي يميز الفكر الإسلامي عن أيّ فكرٍ آخر - واستفادتهما من نظرية المصالح المرسلة كلٌّ منهما في مجاله: الإمام الشاطبي في المجال التشريعي (المقاصد الشرعية)، والعلامة ابن خلدون في المجال العمراني الاجتماعي (العمران البشري). ومن يقرأ هذا الكتاب يقف على مدى صحة ما ذهب إليه مؤلفه وما توصّل إليه من استنتاجات، لأنه بقدر ما كان يتقدم في بحثِه بقدر ما كان يقيم الأدلة على ما يتوصّل إليه ويستنتجه. وتتركب هذه الدراسة - كما أشار إلى ذلك صاحبُها - من بابيْن: باب خاص ببناء المجتمع في جانبه التشريعي انطلاقا من المصالح المرسلة، وباب خاص ببنائه في جانبه العمراني انطلاقا كذلك من المصالح المرسلة.
يقول: «في بناء المجتمع من الجانب التشريعي، بيّنا أن الشارع قد أرسى تشريعه على قواعد ثابتة لتكون هي المنطلق في كل اجتهاد يروم تغطية ما لم يتناوله خطابه من نوازل وأحداث، وأن هذه القواعد لا تبعد عن مقاصد الشريعة الإسلامية إذ «هي المرجع الأبدي لاستقاء ما يتوقف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي» [مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للأستاذ علال الفاسي، ص 52]. وأنها كانت كذلك لأنها «ليست مصدرا خارجيا عن الشرع الإسلامي، ولكنها من صميمه، وليست غامضة غموض القانون الطبيعي الذي لا يعرف له حد ولا مورد، ولكنها ذات معالم وصوى كصوى الطريق» [نفسه ص: 52]، ثم هي ليست مبتكرة، بل «كانت مستعملة... في الصدر الأول، فاستقراؤها وتدوينها هو الجديد»، ثم بعد كل هذا، هي ملزمة استمدت قوة الالتزام من الشرع الإسلامي «فالشارع هو الذي جعل المقاصد علامات على الحكم الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين» [نفسه ص: 52] ومن ثم كان لها ذلك التأثير في التشريع، حيث يكون باستطاعة المسلمين من طريق «سلطة عليا حقيقية مخصصة لذلك من مجلس أو هيئة» أن تتولى وضع قوانين أو مدونات خاصة في الأحكام انطلاقا من المقاصد الشرعية.
وفي بنائه من الجانب العمراني بيّنّا أنّ هذا البناء لن يكون إلا عن طريق الفعل البشري، إن «الأعمال إذا فقدت أو قلّت تأذّن الله برفع الكسب، فضروع الأنعام إذا لم تتعهد بالإنباط والامتراء نضبت وتمارت بالجملة، وكذلك هي العيون في بلد يأتي عليه الخراب تغور مياهها كأن لم تكن [المقدمة 898/3]، إذ الفعل في عالمه العمراني يتخذ بعدا غير البعد المعهود، ف«الفعل... يجب أن يفهم على أساس أنه يتوجه عقلانيا لتحقيق أكبر قدر من الغايات المتباينة، وفي اختيار الوسائل التي تحقق هذه الغايات، مع الأخذ في الاعتبار الجهد والنشاط المبذولين» [مقدمة في تاريخ علم الاجتماع - هاري البربارنز - ترجمة صبحي محمد قنوص، ص: 388].
بدأ المؤلف الحديث في الباب الخاص بالتشريع بتسليط الأضواء على جذور نظرية المصالح المرسلة التي كانت تتحكم في تفكير كل من الشاطبي وابن خلدون. فعقد فصليْن عامّيْن: تناول في واحد منهما الاستراتيجية العامة في شريعة الإسلام تحت عنوان: أمّة الوسط: المكوّنات ومنهج المتابعة». مثلما تناول في الفصل الثاني بعداً آخر من هذه الاستراتيجية وهو: جلب المصالح ودفع المضار، كشف الغطاء عن هذا البعد انطلاقا من المذهب المالكي باعتباره حاملا للواء المصالح المرسلة - موضوع الدراسة - بَيَّنَ فيه: ما يشترك المذهب المالكي فيه مع غيره وما يتفرّد به، وقد اختصر ما يتفرد به في ثلاث نقاط: كثرة الأصول التي من شأنها أن تعطي للمشرع فسحة في تشريع الأحكام للنوازل والأحداث غير المتناهية، ثم ارتكازه في جميع أصوله على المصلحة، انطلاقا من أن الشريعة إنما جاءت المصالح العباد في العاجل والآجل معا، ثم أخيرا المنهج الذي سلكه هذا المذهب في قراءته كلا من الخطاب الشرعي والواقع الذي نعيش في ظله في منطلقه المصلحي.
وبعد هذا كان الانتقال من العام إلى الخاص حيث انطلق في تحديد معالم النظرية المصلحية من التقسيم الثلاثي المشهور لدى فقهاء المسلمين وهو أن المصالح لا تخرج عن أقسام ثلاثة: مصالح شهد لها الشارع بالاعتبار، ومصالح شهد لها بالبطلان، ومصالح لم يشهد لها بأدلّة خاصة لا بالاعتبار ولا بالبطلان.
ومن أهم الأسئلة التي طرحها المؤلف وسعى إلى البحث عن إجابة لها: كيف يدخل المجتمع بأفراده وجماعاته تحت سماء المقاصد الشرعية؟
وقد كانت الإجابة مشخصة في ثلاثة مباحث. مبحث شخّص فيه تبعية مقاصد المكلف لمقاصد الشارع أو تبعية المصالح الخاصة للمصالح العامة. ومبحث خصّصه لتبعية الأحكام التشريعية الضابطة لسلوك المجتمع أفرادا وجماعات لمقاصد الشارع، أي الأصول الخمسة من جهة، والضروريات والحاجيات والتحسينيات من جهة، ومبحث ثالث خاص بتبعية الأعمال التي تنجز في المجتمع الإسلامي إلى المقاصد الشرعية لينال بها صاحبها الثّواب الدنيوي والأخروي حتى ولو كانت من المعاملات الصرف ثم كانت الخاتمة وهي عبارة عن مقارنات بين الإماميْن داخل نظرية المصالح المرسَلة.
كما بيّن المؤلف ضوابط هذه المصلحة، فليس كل مصلحة تعنّ للناس مقبولة شرعاً، بل المقبول منها هو ذلك المضبوط بضوابط معيّنة.
وأما بناء المجتمع من الجانب العمراني فقد بدأ الحديث عنه بلفت الأنظار أوّلا إلى البناء الهندسي للمقدمة الذي انتزعه العلامة ابن خلدون من مميزات يمتاز بها الإنسان عن غيره من الحيوانات، حيث وجدناه بعد تشخيصه لهذه المميزات المرتبة ترتيبا تنازلياً في: العلوم والصنائع التي هي نتيجة الفكر، وفي الحاجة إلى السلطان القاهر لفض النزاعات، وفي السعي إلى المعاش للغذاء، ثم في العمران الذي هو على ضربيْن: بدوي وحضري، يعود ليرتب على هذه المميزات الست جميع أبواب المقدمة ولكن بترتيب تصاعدي يتناسب وطريقة البناء. والواقع أن ابن خلدون - كما قال د. حسن الساعاتي - تدبر التوجيهات الاجتماعية التي اشتمل عليها القرآن والحديث تدبّراً اجتماعيا عماده الملاحظة والبرهان العقلي [انظر كتاب «علم الاجتماع الخلدوني» لحسن الساعاتي، ص: 127].
كما بيّن د. إدريس حمادي أنّ ما يقصده ابن خلدون من مصطلح العقل التجريبي، هو عين ما يقصده الأصوليون من القياس [انظر نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» للدكتور علي سامي النشار، 112 وما بعدها]. لأنه إذا كان القياس عند الأصوليين «هو مساواة الفرع للأصل في الحكم» لوجود مشترك بينهما هو التشابه في علة الحكم»... فإن العقل التجريبي كذلك هو عند ابن خلدون - وغيره - يتخذ من عمران الحاضر الذي لا خلاف فيه بحكم المعاينة «أصلا يقيس عليه عمران الماضي بقصد تجلية الجوانب الغائبة فيه عن الأنظار، إذ عنده أن «الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء».
ثم هو لما كان يرى أن هناك فروقا بين الماضي والحاضر هي كالفروق بين الأصل والفرع عند الأصوليين، نصّ في سبره غور الأمس واليوم على أن الباحث في فن التاريخ ملزم بعدم «الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال...» المقدمة، 1 / 399].
والحق أن كتاب د. إدريس حمادي شيّق للغاية، ولا يتسع المجال هنا لعرض كل محتوياته، وهو يقع في 408 صفحات، ونرجو أن يكون فيما ألمعنا إليه كفاية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.