* تحتفي المملكة المغربية وجمهورية الصين الشعبية هذا العام 2026 بالذكرى العاشرة لإرساء الشراكة الاستراتيجية، التي تم توقيعها خلال الزيارة التاريخية للملك محمد السادس إلى بكين في ماي 2016. وتُمثل هذه المناسبة محطة مفصلية لتقييم عقد من التعاون الوثيق والتطلع نحو تدشين مرحلة جديدة وطموحة من العلاقات الثنائية. وتستند الشراكة الاستراتيجية الحالية بين المغرب والصين إلى إرث تاريخي متين يمتد لقرون، انطلق مع الرحالة المغربي ابن بطوطة كأول سفير غير رسمي، والذي زار الصين في القرن الرابع عشر وعاش بين ظهراني الصينيين وكتب عنهم بدقة في كتابه "تحفة النظار"، مما خلق أول جسر معرفي وثقافي بين أقصى غرب العالم الإسلامي وأقصى شرق آسيا. وهو إرث يُستحضر بشكل دائم في الخطابات الرسمية كدليل على عمق الروابط. كما يُعد المغرب من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، حيث تم تبادل العلاقات الدبلوماسية الرسمية في فاتح نونبر 1958. وقد جاء هذا القرار في سياق دولي معقد، مما عكس استقلالية القرار السياسي المغربي وتقدير الصين لهذا الموقف التاريخي. ومنذ تلك الفترة قامت العلاقة على أسس سياسية متينة لدى الطرفين، حيث دعم المغرب سيادة الصين على كامل ترابها (سياسة الصين الواحدة)، وفي المقابل، تبنت الصين موقفاً متوازناً وبناءً يدعم استقرار المغرب ووحدته الترابية في المحافل الدولية. كما اشترك البلدان في مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما خلق ثقة سياسية متبادلة نادرة. ورغم العقود من العلاقات الجيدة، ظلت الروابط اقتصادياً تقليدية حتى عام 2016. فالزيارة الملكية لبكين في ذلك العام نقلت العلاقة من الصداقة التقليدية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهي الوثيقة التي وضعت خارطة الطريق لما نعيشه اليوم من مشاريع ضخمة. حيث عرف حجم الاستثمارات الصينية بالمغرب قفزة نوعية، بعد أن كانت محدودة قبل 2016 وتتركز في التجارة والمقاولات. واتضح التحول النوعي بعد الزيارة في مشروع "مدينة محمد السادس طنجة تيك"، وهي منطقة صناعية ذكية نشطة تضم عشرات الشركات الصينية في مجالات الطيران والإلكترونيات والنسيج، وتعد أضخم مشروع صناعي صيني في إفريقيا، يهدف لاستقطاب مئات الشركات الصينية باستثمارات تقدر ب 10 مليارات دولار على مدى 10 سنوات. وبفضل الضمانات السياسية من الزيارة، اختارت شركات عملاقة مثل Gotion High-Tech المغرب لإنشاء أول "مصنع ضخم" (Gigafactory) للبطاريات باستثمار أولي قدره 1.3 مليار دولار. كما تم التوقيع خلال الزيارة على "خارطة طريق" قانونية تشمل15 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات سيادية، شملت البنية التحتية والتي مهدت الطريق لمشاركة الصين في دراسات وتطوير الخطوط الجديدة للقطار فائق السرعة (TGV) ، والطاقات المتجددة بدخول شركة "نور تيلت" (نور ورزازات) كشريك تقني صيني، مما جعل المغرب منصة للطاقة الخضراء، والقطاع المالي بافتتاح فروع لبنوك صينية مثل Bank of China في الدارالبيضاء لتسهيل تمويل المشاريع الاستثمارية. ولم ينعش إعلان الملك محمد السادس خلال الزيارة عن قرار إلغاء التأشيرة للمواطنين الصينيين (دخل حيز التنفيذ في يونيو 2016) السياحة فقط بل سهل دخول رجال الأعمال والمستثمرين الصينيين لاستكشاف الفرص في المغرب دون قيود. كما كانت الزيارة الملكية تمهيدا لانضمام المغرب الرسمي لمبادرة "الحزام والطريق"، مما جعله أول دولة في شمال إفريقيا توقع على "خطة التنفيذ المشترك" للمبادرة في 2022، وهو ما يضمن تدفقاً مستداماً للاستثمارات في الموانئ والمناطق اللوجستية المغربية. لم تكن زيارة الملك محمد السادس إلى بكين في ماي 2016 مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كانت بمثابة حجر الزاوية الذي أرسى دعائم تحول جيوسياسي واقتصادي عميق في علاقات المملكة المغربية بجمهورية الصين الشعبية. واليوم، ونحن نحتفي بالذكرى العاشرة لهذه الشراكة الاستراتيجية، نقف أمام حصيلة استثنائية نقلت الروابط التاريخية من الصداقة التقليدية إلى التحالف البنيوي. وتمثلت أبرز مخرجات هذا العقد في التحول النوعي للاستثمارات الصينية بالمغرب. فلم يعد التعاون يقتصر على التبادل التجاري البسيط، بل انتقل إلى توطين التكنولوجيا. لقد نجح المغرب في استثمار موقعه الاستراتيجي ليصبح منصة عالمية للصناعات الصينية المتطورة، وخاصة في قطاع التنقل الكهربائي، حيث تحولت المملكة إلى قلب نابض لسلسلة توريد البطاريات الكهربائية الصينية الموجهة نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية، عبر مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات، ونجح في استقطاب استثمارات صينية ضخمة بلغت قيمتها الإجمالية المعلنة في قطاع التنقل الكهربائي وحده حوالي 10 مليارات دولار. ويبرز هنا مشروع شركة Gotion High-Tech بالقنيطرة والذي وصل حجم الاستثمار بما قدره 6.4 مليار دولار بخلق أول مصنع ضخم (Gigafactory)، والذي من المتوقع أن يخلق 25,000 منصب شغل (مباشر وغير مباشر). كما ساهمت شركات مثل BTR باستثمار قدره 300 مليون دولار وCNGR ب 2 مليار دولار في توطين صناعة الكاثود ومكونات البطاريات. كما شكل انضمام المغرب لمبادرة "الحزام والطريق" عام 2017، وتفعيل خطتها التنفيذية في 2022، قفزة نوعية جعلت من ميناء "طنجة المتوسط" ومدينة "محمد السادس طنجة تيك" نماذج حية لهذا التعاون، حيث قفزت المبادلات التجارية بين البلدين لتتجاوز عتبة 10 مليارات دولار سنوياً بحلول عام 2025، بزيادة فاقت 50% عما كانت عليه قبل توقيع الشراكة. وتستقطب "مدينة محمد السادس طنجة تيك" اليوم أكثر من 200 شركة صينية، مستفيدة من الربط اللوجستيكي العالمي لميناء طنجة المتوسط، مما جعل الصين تحتل المرتبة الثالثة في قائمة الشركاء التجاريين للمملكة. هذه المشاريع لم تفتح آفاق الشغل والنمو فحسب، بل كرست دور المغرب كجسر لا غنى عنه يربط التنين الصيني بالقارة الإفريقية والمجال الأطلسي، تجسيداً لرؤية ملكية تزاوج بين التنمية القارية والسيادة الوطنية. ولم تغب الأبعاد السياسية والإنسانية عن حصيلة هذا العقد، فالتنسيق الوثيق في المحافل الدولية عكس احتراماً متبادلاً للثوابت الوطنية ووحدة الأراضي. ولم تكن الأرقام الاقتصادية وحدها هي المقياس، فقرار إلغاء التأشيرة للصينيين عام 2016 أدى إلى قفزة تاريخية في عدد الوافدين، حيث انتقل العدد من 10,000 سائح فقط عام 2015 إلى قرابة 250,000 سائح سنوياً بحلول عام 2025. وعلى المستوى الثقافي، تعزز الوجود الصيني ب 3 معاهد "كونفوشيوس" لتعليم اللغة والثقافة الصينية، مع ارتفاع عدد الطلبة المغاربة في الصين بنسبة 30% خلال العقد الأخير، مما عمّق الفهم المتبادل بين الحضارتين المغربية والصينية. ولعل التعاون الصحي خلال جائحة "كوفيد-19" وتصنيع اللقاحات بالمغرب كان الاختبار الأبرز الذي أثبت صدق هذه الشراكة في أحلك الظروف، حيث توج العقد الأول بشراكة صحية استراتيجية عبر مصنع اللقاحات ببنسليمان، بطاقة إنتاجية تصل إلى 5 ملايين جرعة شهرياً من اللقاحات المختلفة، مما حقق للمغرب سيادة صحية قارية على الصعيد الإفريقي. وفي مجال الطاقة، تساهم الشركات الصينية حالياً في مشاريع طاقية توفر أزيد من 2,000 ميغاوات من الطاقة النظيفة للمملكة. إن الحصيلة المشرفة لعشر سنوات من الشراكة الاستراتيجية تضعنا اليوم على أعتاب "عقد ذهبي" جديد. فالمغرب، بطموحه الطاقي من خلال الهيدروجين الأخضر وبنيته التحتية العصرية، والصين، بريادتها التكنولوجية ومكانتها العالمية، يشكلان معاً نموذجاً فريداً للتعاون "جنوب-جنوب". إنها شراكة رابح-رابح، لا تكتفي بتبادل السلع، بل تصنع مستقبلاً مشتركاً يقوم على الابتكار، التنمية، والاستقرار المشترك. *باحث في العلاقات المغربية الصينية